من الجمعة 7 يناير إلى الأحد 9 يناير كانت اللجان المنبثقة عن مؤتمر القارات الثلاث تشتغل دون توقف وفي جلسات مغلقة. وهكذا كانت لجنة «التنظيم» التي يرأسها الفا عبد اللاي ديالو من غينيا كوناكري، كانت الوفود الموالية لكوبا (المكسيك، فنزويلا، غواتمالا، وبورتوريكو…) تدافع بقوة عن فكرة أن يكون مقر المنظمة اللاتينية الزمريكية للتضامن (OLAS) في هافانا.
لم يعد السوفيات يعارضون الفكرة ويدعمون فكرة القارات الثلاث. اقترح الكوبيون أنفسهم سكرتارية مؤقتة في هافانا بهدف وضع منظمة التضامن مع شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية (ospaaam) على السكة والإعداد للمؤتمر الثاني للمنظمة سنة 1968 بالقاهرة. لكن الصينيين عارضوا الفكرة أولا، لأنهم كانوا متخوفين من أن يتم تذويب منظمة التضامن الافرو آسيوية في المنظمة الجديدة، إلى درجة أنهم هددوا ليلة 7 يناير بالانسحاب من المؤتمر إذا ما تم حل منظمة تضامن شعوب أفريقيا وآسيا (lOSPAA).
الأخضر الإبراهيمي الذي التحق متأخرا بهافانا، أخذ رئاسة الوفد الجزائري مكان عدا بن غطاط. وصباح 8 يناير عبر الدبلوماسي الجزائري بوضوح وقوة عن الحياد السلمي للجزائر بمفهوم استراتيجي بلوره بومدين وبوتفليقة منذ الإطاحة بالرئيس من بلة. وكصديق وفي للمهدي بن بركة، اقترح الإبراهيمي حلا وسطا يرضي الجميع: أن يتم الإبقاء على المؤتمر المقبل لمنظمة التضامن شعوب أفريقيا وآسيا في بكين، بينما يتم إنشاء بنية مؤقتة للمنظمة اللاتينية الأمريكية للتضامن (OLAS) حتى ربيع 1968 حيث يتم دمج المنظمتين بمناسبة المؤتمر الثاني لمنظمة القارات الثلاث بالقاهرة.
وافق الوفد الصيني بقيادة ووكويكيان. وساندوا المقترح الكوبي بالتعديلات الجزائرية التي أدخلت عليه، لأنهم كانوا يأملون بأن لا يسقط في أيدي السوفيات. بمعنى آخر كان هناك تراضي بفعل التناقض بين الصينيين والسوفيات، وهي وضعية كانت لترضي الغائب المهدي بن بركة.
كان الأفارقة منقسمين بين و جهة النظر الموالية للسوفيات وعلى رأسهم مصر، وموقف التنظيمات الموالية للصين في جنوب وغرب أفريقيا. لكن كانت هناك نقطة يلتقي حولها الأفارقة. فقد كانوا جميعهم قلقين جدا من أن يضعف تواجد مقر منظمة القارات الثلاث بهافانا موقفهم: والحل الذي تم التوصل إليه هو: معارضة حل منظمة التضامن بين شعوب أفريقيا وآسيا. وقد نجح الكوبيون في كسب المعركة باقتراحهم الإبقاء على منظمة تضامن شعوب أفريقيا وآسيا بالقاهرة مع بناء المنظمة الجديدة بكوبا. انضم الأفارقة إلى هذا الموقف، بينما تم تشكيل لجنة فرعية لتعميق النقاش حول هذا التوجه.
وكانت إحدى نقط النقاش الحادة قد جرت بين كاسترو ويوسف السباعي، الأمين العام للمؤتمر وممثل جمال عبد الناصر الذي كان يريد أن تبقى القاهرة محطة محورية أساسية لحركة عدم الانحياز، وكذلك منظمة التضامن بين شعوب أفريقيا وآسيا، وكذلك منظمة الوحدة الأفريقية. وبمهارة تاكتيكية، اقترح فيدل كاسترو- وكما كان المهدي – اقترح أن تحتضن القاهرة بعد سنة 1968 المقر الرئيسي لمنظمة القارات الثلاث.
وعموما كانت اللجان واللجان الفرعية مقسمة كالتالي: اللجنة الاقتصادية ويرأسها الجزائري عدا بن غطاط، واللجنة التنظيمية ويرأسها الغيني ألفا عبد اللاي ديالو، واللجنة السياسية يرأسها المصري خالد محي الدين. وتتفرع عن هذه اللجنة ثلاث لجان هي لجنة القضايا الساخنة، أي المعنية بأماكن النزاعات، واللجنة الفرعية الثانية تهم فيتنام فقط، والثالثة تهم قضايا الاستعمار والاستعمار الجديد، واللجنة الاجتماعية والثقافية.
كانت هذه اللجان تقوم بعمل جبار من أجل إعداد التوصيات والقرارات التي ستكون موضوع تصويت في الجلسات العامة في ختام المؤتمر.
لم تكن قضية بنبركة، وإن كانت حاضرة في المؤتمر: ففي كل يوم تقريبا كانت الصحافة الكوبية وخاصة جريدة «غراما» التي تصل إلى ردهات المؤتمر بثلاث لغات، تنقل في صدر صفحتها الأولى خبرا عن تطور عملية الاختطاف، لكن حتى الآن لم يتم نقل الدور الحيوي والحقيقي الذي لعبه المهدي بن بركة في تنظيم وإعداد هذا المؤتمر. لكن ذلك تغير بفضل العمل الذي قاده حميد برادة، صديق المهدي الذي وصل إلى هافانا يوم الأحد 9 يناير رفقة عضوين من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية محمد باهي وحبيب سيناصر. والتقى حميد برادة في هافانا عبد الله العياشي ممثلا عن الحزب الشيوعي المغربي والنقابي محمد التباري عن جريدة «الطليعة» لسان الاتحاد المغربي للشغل.
حميد برادة كان يؤمن دائما أن مشروع منظمة القارات الثلاث كان فكرة عبقرية لبن بركة. وعملا دبلوماسيا لرجل يخوض المعارك ويركب المخاطر لا سيما فيما يتعلق بتقليص الهوة بين الصينيين والسوفيات، إضافة إلى أن هذا المشروع كان بالنسبة للمهدي إنجازا شخصيا من وجهة نظر مغربية.
وكجندي وفي حصل برادة على وثائق مزورة وأخذ مسارا ملتويا في رحلته
حيث أخذ الطائرة من باريس إلى مدريد، مع الحرص من السقوط في أيدي المخابرات الفرانكوية، ثم من مدريد إلى براغ، حيث أخذ رحلة الخطوط الكوبية إلى هافانا مع توقف في غاندر. وصل إلى هافانا وهو عازم على الحصول من الكوبيين، وكل الذين عرفوا بن بركة، الحصول على موقف صارم وواضح من قضية اختطاف المهدي وتشكيل المؤتمر للجنة تحقيق في القضية.
وقد نقل فرانسوا ماسبيرو، الذي كان يهيء من هافانا روبورتاجاً عن المؤتمر سينشر في عدد فبراير من مجلة Partisans، نقل الأجواء المعقدة التي كانت تتعلق بقضية اختطاف المهدي بن بركة داخل المؤتمر: «هكذا ارتسمت التشكيلة المختلفة للمؤتمر: حركات التحرير الفتية كانت حاسمة بقوة حول كل الرصيد المكون من دول المنظمة الأفرو ـ آسيوية التي كان شعارها الدائم التوفيق بين الثورة وعدم الانحياز. والمواقف المتخذة مثلا بخصوص اختطاف بن بركة كانت واضحة في هذا الصدد، ارتسمت في الأيام الأولى للمؤتمر اتجاهات واضحة للتقليل من هذه القضية إن لم يكن تجاوزها والسكوت عنها في التدخلات العامة. فدول الجامعة العربية بشكل خاص لم تكن ترغب في إحراج الملك الحسن الثاني، وسهل هذه المأمورية كون وفد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لم يكن حاضراً في المؤتمر طيلة 10 أيام الأولى، بسبب تأخر حصوله على تذاكر السفر من القاهرة. وكان لابد من تدخل وفود غير معنية مباشرة مثل وفود الكونغو برازفيل أو فنزويلا، لطرح إصدار توصية تحية وتقدير خاص لمهندسها الأول وتشكيل لجنة خاصة مكلفة بالتحقيق في اختفائه. لكن فيديل كاسترو شخصياً وضع النقط على الحروف وبدد كل هذا الغموض بقوة خلال خطابه الاختتامي متهماً بشكل مباشر الجنرال أوفقير.
وأصدر المؤتمر توصيتين حول المهدي الأولى عامة، والثانية حول تشكيل لجنة للتضامن مع المهدي.

عن جريدة .ا .ش

13 اكتوبر 2014