أشاد اللواء الدكتور يوسف أحمد وصال، الخبير المصري المتخصص في إدارة الأزمات، بالتوصيات التي جاءت في البيان الختامي للمؤتمر العربي الثاني للحدّ من مخاطر الكوارث، الذي عُقِدَ في مدينة شرم الشيخ ما بين 14 و16 سبتمبر 2014، مؤكدا على أهمية مثل هذه المؤتمرات في تبادل الخبرات واستلهام الدروس والعِـبر من تجارب الآخرين، ومتأسفا لكون العالم العربي عاجز عن إدارة أزماته ومواجهة كوارثه.

 

بعد المؤتمر الأول الذي التأم في العقبة بالأردن في عام 2013، انعقد المؤتمر العربي الثاني للحد من مخاطر الكوارث في منتجع شرم الشيخ المصري من 14 إلى 16 سبتمبر 2014 وتمخض عن توصيات مهمة، فهل ستُطبق من طرف السلطات المعنية أم ستظل مجرد حبر على ورق؟

وفي تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch، اعتبر وصال، أستاذ الإستراتيجية القومية وإدارة الأزمات والتفاوض وزميل كلية الدفاع الوطني أن “المشكلة الكبرى التي تواجهنا حيال توصيات أي مؤتمر، هي مدى قابليتها للتنفيذ وإنزالها إلى الواقع العملي الملموس”؛ موضحا أن “الأمر يتوقف على قدرات الدول المادية والبشرية والعلمية. فهي الفيصل في تحويل التوصيات إلى تطبيقات عملية تعود بالأثر على مواطنيها”.

وتساءل الخبير، الحاصل على الدكتوراه في فلسفة الإستراتيجية القومية عن مواجهة الأزمات والكوارث على المستوى القومي، عن دور جامعة الدول العربية الذي أنشِئت من أجله، مشددا على ضرورة قيامها بدور “يتناسب مع إمكاناتها وحجْم ومكانة وتاريخ العالم العربي، سياسيا واقتصاديا وثقافيا…إلخ”.

وطالب وصال، عضو اللجنة القومية لإدارة الأزمات ضمن مجلس الوزراء المصري والسكرتير العام السابق لمحافظة الجيزة، كلا من رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية بتشكيل هيئة قومية لإدارة الأزمات والكوارث ودعمها بالإمكانيات والخبراء من أصحاب الخبرات والرُّؤى المستقبلية، حتى لا ننتظر وقوع الكوارث، ثم نبحث لها عن حلول! مشيرا إلى أهميتها، خاصة في هذه الظروف التي تمر بها مصر، والتي تموج بالأزمات والكوارث.

مزيد من التفاصيل في نص الحوار التالي:

swissinfo.ch: هل هناك جدوى حقيقية لإقامة مثل هذه المؤتمرات العالمية حول إدارة الأزمات والحد من الكوارث؟ وما أهميتها برأيك؟

اللواء الدكتور يوسف وصال: بالتأكيد هناك استفادات كبيرة من عقد مثل هذه المؤتمرات، مثل: تبادل الخبرات بين الدول المشاركة والاستفادة من التقنيات الحديثة، مثل التنبُّـؤ والإستشعار عن بُـعد، فضلاً عن تحديد الدروس المُستفادة من الأزمات والكوارث التي تحدث في دول العالم المختلفة، فلا شك أنه طالما أن هناك خبرات حقيقية موجودة في مثل هذه المؤتمرات، فإنها ستكون مفيدة وسيكون لها مردود نافع على الدول المشاركة. فالعالم الآن أصبح قرية صغيرة والأحداث متلاحقة ومتكررة.

swissinfo.ch: كيف يُمكن تحويل التوصيات التي خرج بها المؤتمر إلى آليات تنفيذية ونتائج ملموسة على الأرض؟

اللواء الدكتور يوسف وصال: لا شك أن هذه التوصيات، ظاهرها مفيد، وهي في مجملها إيجابية وبنّاءة، لكن المشكلة التي تواجهنا حيال توصيات أي مؤتمر، هي مدى قابليتها للتنفيذ. وهنا لابد أن نفرق بين أمرين؛ وهما: التوصيات وهي نتيجة لخبرات الدول والمشاركين في مجال إدارة الأزمات، وبين تنفيذ التوصيات، وهذا يقع على عاتق الدول وفي حدود إمكانياتها المتاحة، وهذا يتطلّب أن يكون لديها فريق من المتخصصين في علم إدارة الأزمات.

وعليه، فإن الفائدة أو المردود من عقد والمشاركة في المؤتمرات الدولية، يختلف من دولة إلى أخرى، بحسب قدرة الدولة على الفعل وتحويل هذه التوصيات إلى جانب تطبيقي وعملي، وهو أمر يرجع إلى الدول وإلى تعاونها مع بعضها البعض ومع المنظمات التي تقدم خدماتها الفنية والعلمية للدول الأعضاء.

التعاون بين الدول، استمرار متابعة تنفيذ التوصيات، محاولة إزالة العقبات التي تحول دون تنفيذ هذه التوصيات وتحويلها إلى واقع عملي ملموس، تطبيق هذه التوصيات طبقا للبيئة المحيطة والظروف الخاصة بكل دولة. فطريقة إدارة دولة مثل الولايات المتحدة للأزمات، تختلف عن دولة أخرى في وسط إفريقيا مثلاً، لأن هذا يتوقف على إمكانيات الدولة وقدرتها على استيعاب هذه التوصيات.

swissinfo.ch: متى ظهر علم إدارة الأزمات وما هي أهميته؟ وأي البلاد كانت سباقة إليه ولماذا؟

اللواء الدكتور يوسف وصال: إدارة الأزمات هي علم وفن؛ علم له أصول وقواعد منهجية، وفن له وسائله وإبداعاته، وترجع بداية التواصل مع المنظومة العلمية لإدارة الأزمات إلى أزمة الصواريخ الكوبية مع الولايات المتحدة عام 1962. فقد كانت أزمة كبيرة، حيث نصبت صواريخ في كوبا، يصل مداها إلى الولايات المتحدة، فقامت الولايات المتحدة بمحاصرة كوبا بالسفن الحربية ومنعت الدخول أو الخروج منها، وتفاقمت الأزمة إلى أن تم الاتفاق على رفع الحصار بالتزامن مع رفع الصواريخ التي تهدد الأمن الأمريكي بعد فترة عصيبة.

لا شك أن علم إدارة الأزمات علمٌ هامٌ جدا، لأنه العلم الذي يشرح كيفية مواجهة الأزمات والمخاطر التي تهدّد المصالح الحيوية للدول، والتي تتطلب اتخاذ قرارات عاجلة في وقت ضيق، وذلك في كل مجالات الحياة، سواء في الحوادث أو الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل والبراكين والسيول. والبشرية، مثل عدم اتباع قواعد الحماية والأمان في المصانع والمخازن وغيرها، وهو بهذا يفيد في الحياة العامة للناس، لأن استخدامه يقلل من الخسائر المادية والبشرية.

وإهمال الأسلوب العلمي في إدارة الأزمات يؤدي إلى تفاقم الأمور وإلى المزيد من الكوارث والخسائر، وقد يتولد عن الأزمة أزمات أو كوارث أخرى، وربما أكبر، هذا يتوقف على قدرة الدولة وقدرة الهيئة المعنية بإدارة الأزمة على تحجيم وتقليل الخسائر والتدخل في الوقت المناسب. والقاعدة تقول، إنه كلما ضعف مستوى الأداء العلمي والعملي في مواجهة الأزمات والكوارث، كلما كانت هناك احتمالات أكبر لتفاقم الموقف.

swissinfo.ch: ما هي برأيكم أهم وأخطر الأزمات والكوارث التي يتعرض لها العالم العربي؟

اللواء الدكتور يوسف وصال: الأزمات التي يتعرض لها العالم العربي كثيرة، منها السياسية، وهي يومية ومتكررة ولا تنتهي. وهناك الأزمات الاقتصادية وأبرزها البطالة والفوارق الشديدة في المداخيل، وأيضا هناك أزمات إجتماعية مثل: العنوسة والطلاق، التي تؤدي إلى هشاشة المجتمع، ووجود أطفال بلا أسرة وبلا مأوى حقيقي، وهو ما يؤدي إلى تفاقم ظاهرة أطفال الشوارع، وهناك أزمة العشوائيات والتكدس الشديد والكثافة السكنية العالية جدا في منطقة محدودة ليس بها الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، كالمياه والصرف الصحي والكهرباء وغيرها، وهذه كلها أزمات يئن منها العالم العربي بدرجات مختلفة.

وفي رأيي أن دور جامعة الدول العربية ضعيف بالنسبة لقدراتها وإمكانياتها، وأيضا بالنسبة للهدف الذي أقيمت من أجله. فهو دور متواضع للغاية وينبغي عليها أن تقوم بدور كبير يتناسب مع إمكاناتها وحجم ومكانة وتاريخ العالم العربي، سياسيا واقتصاديا وثقافيا… إلخ. فهناك مجموعة من الأزمات والمشكلات الحيوية الكبيرة التي تحتاج إلى قرارات وخطط ومواجهة علمية، وتحتاج إلى تكاتف الجهود والتعاون بين الدول، تحتاج اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وهو ما نفتقده بشدة.

swissinfo.ch: ما هي أبرز العقبات وأهم التحديات التي تواجه متخذي القرار في العالم العربي لمواجهة الأزمات والكوارث؟

اللواء الدكتور يوسف وصال: هناك تحديات كثيرة، أبرزها عدم تأهيل القيادات بالقدر الذي يسمح لهم بالتعامل مع الأزمات بأسلوب علمي، العشوائية في اختيار القيادات والمسؤولين، غياب المتابعة والتقييم، إغفال آليات التصحيح والتوجيه، عدم القدرة على العمل بروح الفريق، افتقاد الرؤية وغياب الهدف والإرادة، قلة الخبرة، فضلاً عن قلة الموارد المالية واللوجستية والعمل بدون نظام واضح وقواعد محددة، العمل بأسلوب إطفاء الحرائق أو سياسة الترحيل وغيرها كثير مما يضر بالوطن ومصالح المواطنين.

swissinfo.ch: ما هو الأسلوب العلمي الواجب على الدول العربية (مجتمعة وفرادى) اتباعه، للتمكن من إدارة الأزمات التي تتعرض لها؟

اللواء الدكتور يوسف وصال: أهم ملامح هذا الأسلوب، الاستفادة من الخبرات العالمية الناجحة في هذا الشأن، وكذا خبرات العناصر المدربة والمتخصصة في هذا العِلم. فكل أزمة لها سيناريوهات واحتمالات وتوقّعات وتنبُّؤات، والأسلوب العِلمي لمواجهة الأزمات والكوارث، ينقسم إلى مراحل، وهي: مرحلة ما قبل وقوع الأزمة (وفيها نستخدم التوقع والتنبُّـؤ وعلم المستقبليات)، ومرحلة أثناء الأزمة (منظومة جاهزة وسيناريوهات واضحة ووسائل محددة)، ومرحلة ما بعد الأزمة (إعادة التوازن بعد حدوث الخلل وتقليل الخسائر)، ثم التقييم، (ويُقصَـد به تحديد الإيجابيات وحصر الخسائر واستخراج الدروس).

swissinfo.ch: وفقًا لهذا الأسلوب العلمي الذي أشرت إليه، هل هناك نموذج في العالم العربي اليوم لدولة تُحسِن إدارة أزماتها ومواجهة الكوارث؟

اللواء الدكتور يوسف وصال: أعتقد أن دول الخليج قطعت شوطا كبيرا في هذا المجال. فلديها اهتمام واضح بهذا الموضوع، فضلاً عن توفيرهم للإمكانيات المادية اللاّزمة، والرغبة في الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة، بغضِّ النظر عن جنسيتها، وجود رؤية واضحة لديهم في هذا السياق، توفير قاعدة معلومات كافية، وأطالب المسؤولين في مصر بتفعيل اللجنة المعطَّلة منذ 25 يناير 2011، وهي اللجنة القومية لإدارة الأزمات التابعة لرئاسة مجلس الوزراء.

لكن للأسف، لا توجد إرادة حقيقية لتفعيل هذه اللجنة، رغم أهميتها، خاصة في هذه الظروف التي تمر بها مصر، والتي تموج بالأزمات والكوارث، وفي مقدمتها حوادث الطُّرق والسيول. ومن جهتي سأتوجّه لرئيس الوزراء ورئيس الجمهورية بمذكّرة أطالبهم فيها بتشكيل هيئة قومية لإدارة الأزمات والكوارث، ودعمها بكل الإمكانيات والخبراء أصحاب الخِبرات والرُّؤى المستقبلية، حتى لا ننتظر وقوع الكوارث، لنبحث عن حلول!

 

 

بقلم همام سرحان – القاهرة,

10 أكتوبر 2014