…نشرة المحرر اذ تستحضر وتذكر برحيل المجاهد الفقيه البصري …فانها تقف امام تاريخه في الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي والاسباني وعلاقاته الوفيه مع كل رفاقه في الكفاح والاخترام الكبير لبعضهم البعض فهم رموز التحرير والحرية والنضال من اجل الديموقراطية والدفاع عن الجماهير الشعبية …استحضار نا لذكراه فيه استحضار للشهيد الزرقطوني والفطواكي  وعلال بن عبد الله وكل الشهداء …وفيه استحضار لرفاقه الكبار سي عمر الساحلي وسي بوجمعة ابو فراس وسي عبد العزيز الماسي وسي بن موسى الساحلي وغيرهم رحمة الله عليهم …وفيه الوقوف وقفة اجلال وتقدير واحترام لمن بقي منهم على قيد الحياة ..سي عبد الرحمن اليوسفي وسي بنسعيد ايت ايدر وسي محمد منصور ومولاي عبد السلام الجبلي وغيرهم  بارك الله في صحتهم واعمارهم  …

ونناشد كل الغيورين على التاريخ الاصيل والمشرق لوطننا في اطار الوفاء له وحمايته من المزورين لمعطياته وحقائقه ان يعجلوا بتوثيق كل المعطيات بالصوت والصورة وان نستخرج من ذاكرة الاحياء  كل ما يقوي اللحمة الوطنية ويسهم في تربية الابناء وتعليم كل الاجيال كيف كان الاباء والاجداد قوة ووطنية ونضالا وتضحية ووفاء …

 

 

محمد الفقيه البصري اسم كان على لسان جل المغاربة على امتداد عقود من الزمن، لا يمكن الحديث عن التاريخ السياسي و النضالي بالمغرب دون ذكر محمد الفقيه البصري. انه المقاوم و رجل السياسة، كان يمتلك جملة من أسرار تاريخ مغرب الاستقلال و دواليب العمل السري المسلح. انه اسم كبير في سجل الحركة الوطنية بالمغرب، تحدى كل العواصف و كل الاكراهات و الضغوطات و لم يقبل أي مساومة، و لم تثنه الاعتقالات و الأحكام الغيابية عن مسيرته الكفاحية و لم ينل منه التعذيب و لا الحكم بالإعدام و لا الغربة و لا النفي ألقسري.

ظلت مسيرته مليئة بالمواقف ذات البعد المغاربي و القومي و التحرري.

قضى 30 سنة في المنفى، و كان ذاكرة من تفاصيل الكفاح و بذلك شكل إسما من أسماء التجربة الكفاحية المغربية.

كان مقتنعا حتى النخاع بضرورة أن تكون الدولة في خدمة المجتمع و ليس العكس.

 

و محمد الفقيه البصري هو أحد أبناء قرية أكدز الواقعة بين الأطالس الثلاثة الصغير و المتوسط و الكبير، انخرط في المقاومة منذ       ريعان شبابه، واجه ذنب الاستعمار الباشا التهامي الكلاوي بمراكش و صعد إلى الجبل للمقاومة بعد عزل الملك محمد الخامس و نفيه إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر. اعتقل سنة 1954 و اقتيد إلى السجن المركزي بمدينة القنيطرة لإعدامه إلا أنه تمكن من الفرار رفقة ثلة من رفاقه.

عمل على إقناع جيش التحرير بالشمال بالاستمرار في المقاومة حتى جلاء آخر جندي فرنسي أو اسباني و تحرير الصحراء و موريتانيا لاستكمال الوحدة الترابية للبلاد و دعم الثورة الجزائرية المسلحة إلى أن تحقق استقلالها كشرط لتحقيق وحدة المغرب العربي. و بعد الاستقلال، الذي لم يرض عنه محمد الفقيه البصري، الذي قال لرفاقه آنذاك سيرجعنا الاستقلال كما أبرم إلى السجن.

 

و جاءت مرحلة أفقير السوداء التي سعت إلى تفكيك جيش التحرير ولو بالتصفيات الجسدية و إيداع المقاومين و رموزه بالسجون و المعتقلات السرية. آنذاك اضطر محمد الفقيه البصري إلى ترك المغرب و كان ذلك سنة 1966 حيث توجه إلى باريس، ثم انتقل إلى دمشق و الجزائر و ليبيا وغيرها.

لقد فارقنا هذا المقاوم بتاريخ 14/10/2003 تاركا ورائه سيرة مليئة بالمواقف التي كانت على الدوام تستشرف مستقبل المغرب العربي الكبير.

    عنموقع الاتحاد الاشتراكي فرع الجنانات  فاس

 

227150_119828548098560_100002142477530_172857_3393360_nnumérisation0100227150_119828554765226_100002142477530_172859_3105625_nبالصورة الوطنيون والمقاومون والمجاهدون والتقدميون المشمولون برحمة الله ..من يمين الشاشة سيدي بنموسى الساحلي ثم سيدي عمر المتوكل الساحلي ثم سيدي محمد الفقيه البصري ثم سي الحسن اوهمو وهبي ...بمنزل الراحل سي عمر الساحلي في زيارة محبة واخوة للمجاهدين الفقيه البصرى وبنموسى مباشرة بعد عودته من المنغى

 

 

         المستقبل – الجمعة 17 تشرين الأول 2003 – العدد 1428 – رأي و فكر – صفحة 19

محمد الفقيه البصري كاريزما الوطنية والعروبة

 

عبد الإله بلقزيز

يقترن اسم محمد (الفقيه) البصري، في المخيال الجماعي المغربي، بحقبة الثورة الوطنية المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي، ومرويات حوادث تلك الثورة على ألسنة شهود تاريخيين أو في الكتب التي أرّخت لها وترجمت لرجالاتها. والحق أن الفقيد الكبير: محمد البصري، في جملة قليلين نسجت الذاكرة الشعبية حولهم أساطير رفعت نصابهم إلى مدارج الخوارق، مثل زعيم الثورة المسلحة في جبال الريف: محمد بن عبد الكريم الخطابي، والملك الراحل محمد الخامس، والشهيد المهدي بنبركة.

 

وما كانت صناعة هذه البطولة الأسطورية من فراغ. كان وراءها ما يبررها. فالخطابي ـ مثلاً ـ هزم ببضعة آلاف من المقاتلين جيشاً جراراً، هو الجيش الاسباني ـ الفرنسي، مكوّناً من أكثر من مائة ألف جندي مزوّدين بأرقى أسلحة ذلك العهد (عشرينيات القرن العشرين). والملك محمد الخامس كان الحاكم الوحيد في القرن العشرين الذي استصغر أمر نفيه خارج وطنه ـ من قبل سلطات الاستعمار ـ على أن يساوم على استقلال بلده أو يقبل التنازل عن السيادة الوطنية وعن مطالبة الاحتلال بالرحيل.

وليس من شك في أن الدور المركزي الذي نهض به الراحل محمد البصري في تنظيم الخلايا المسلحة الأولى، وفي قيادة حركة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال، في النصف الأول من الخمسينيات، وما تمتع به من قدرات غير عادية على التنظيم والإدارة وسرعة الحركة، ناهيك عن التخفي والتمويه، وما حظي به من شهرة بلغت الآفاق وترددت أصداؤها في كل مكان من المغرب نتيجة ما تمتع به من هيبة وما كان له من كاريزما… عوامل ساعدت على تظهير صورته على نحو فاق أياً آخر من رفاقه وأترابه وأنعش مخيال المجتمع وجنوحه إلى الأسطورة (Mystification). وإذا كان مجتمعٌ ما ـ كالمجتمع المغربي في سنوات الخمسينيات والستينيات ـ يحتاج إلى أبطال يغذّون مخياله بالصور والرموز، فليس من شك في أن (الفقيه) محمد البصري قدّم للمجتمع المغربي، بسيرته النضالية المميزة، مادة مثالية تشبع تلك الحاجة لديه إلى أبطال أسطوريين.

ربما يقال ـ هنا ـ إن صناعة صورة أسطورية للفقيه البصري، في الذاكرة الجمعية للمغاربة، مردها إلى أن مجتمع الخمسينيات والستينيات المغربي كان ما يزال مشدوداً إلى ثقافة تقليدية (= سحرية) تمجد الصلحاء والعلماء وأصحاب “الكرامات” والصوفية… وترفعهم إلى مقامات عليا فوق ـ بشرية؛ وأن ذلك ـ بالتالي ـ ما يفسر لماذا تحوّل المناضل الوطني محمد البصري إلى بطل أسطوري في ذاكرة ملايين المغاربة. ومع تسليمنا بأن ذلك صحيح ـ لأن الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم الاجتماع السياسي أقاما أدلة وافرة من التاريخ الحديث على حاجة “المجتمعات التقليدية” إلى فكرة البطل الأسطوري الذي يعيد إنتاج شعور هذه المجتمعات بهويتها وتضامن أفرادها ـ إلا أن الأدعى إلى الانتباه والتفكير هو أن هذه الكاريزما، التي تمتع بها الراحل محمد البصري، استمرت في الزمان إلى ما قبل وفاته (14/10/2003)، وأعادت إنتاجها أجيال جديدة من المغاربة لم تكن قد خرجت إلى الوجود في مطالع الخمسينيات: حين كان (الفقيه) محمد البصري أسطورة في أذهان الجمهور وشبحاً مؤرّقاً للسلطات الاستعمارية الفرنسية.

ولا يتعلق الأمر في هذه الأجيال الجديدة التي أعادت إنتاج صورة الفقيه البصري كرمز ومرجع ومثال ـ بموجات بشرية جديدة متشبعة بذات الثقافة التقليدية (“السحرية”) السائدة في البلاد قبل أربعة عقود، وإنما يتعلق بجيش عرمرم من عشرات الآلاف من خريجي الجامعات العصرية (في المغرب وفرنسا وأميركا…)، ومن النخب السياسية والثقافية الحديثة، ممن وجد في محمد البصري الضمير السياسي الحي، والعقل الاستراتيجي المستنير، والخبرة (= الحكمة) العملية الراشدة المتشبعة بالتاريخ والمصقولة بتجارب الممارسة وحصائل الدُّرْبة والمراس. أولاء جميعاً وجدوا في “الفقيه” موئلاً ومرجعاً يسترشدون برأيه ويحكِّمونه في ما شجر بينهم في شؤون السياسة. ولست أتزيد أو أحدث إحداثاً في القول إن أمر كاريزماه المتجددة لم يكن قصراً على تيارات السياسة والثقافة في مغرب اليوم، بل هي فاضت عن حدود هذا التعيين الجغرافي الحصري ليمتد مداها إلى سائر بلاد العرب المعاصرة. قبل فترة طويلة، كان رأيه مطلوباً لدى الملك محمد الخامس، وجمال عبد الناصر، وأحمد بن بلة، وهواري بومدين، وياسر عرفات، وأبي جهاد؛ ثم أصبح ـ منذ عقدين ـ رأياً مطلوباً في دمشق، وبغداد، وطرابلس الغرب، وتونس (وربما في أمكنة أخرى لا أعرفها على شدة قربي منه ومعرفتي بكثير من أسرار علاقاته). أما اليوم، منذ ربع قرن فصاعداً، فبات رأيه مطلوباً لدى قسم عريض من السياسيين والمثقفين في سائر أرجاء الوطن العربي ومن المواقع الفكرية والسياسية كافة: من الإسلاميين إلى الماركسيين، مروراً بالليبراليين والديمقراطيين والقوميين. هؤلاء جميعاً ـ عرباً ومغاربة ـ كانوا يقرؤون أنفسهم على صفحات فكره وممارسته، وكانوا يتعرفون فيه ملامح مدرسة نادرة في العمل الوطني والقومي.

وصفه الملك الحسن الثاني يوماً في حديث له معه ـ وكان حينها ولياً للعهد في أواخر الخمسينات ـ بأنه الرجل الذي يستعصي على إغراءات السلطة، مخاطباً إياه بما معناه أنه الوحيد الذي يمكنه أن يبيت ليلة في قصر ويبيت الليلة الثانية علي حصير، لأن الفقيه البصري من هذه الطينة: كان يستطيع أن يلتقي رئيس جمهورية عربية في الصباح، ثم يذهب إلى تناول صحن فول في مطعم شعبي في الغداء؛ وكان يستطيع أن يؤمن جمع تبرعات للمقاومة الفلسطينية ـ وقبلها للثورة الجزائرية ـ دون أن يؤمن وجبة عشائه أو مكان مبيته. رحل الفقيه: آخر عبق من أريج حقبة الكبار في وطننا