مصطفى المتوكل / تارودانت

 الاربعاء 15 اكتوبر 2014

 

في الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه)) خرجه مسلم في الصحيح

عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ))

 

…جاء الرسول صلى الله عليه وسلم للناس كافة لاخراجهم من الظلمات الى النور …وخاصة ظلمات  الظلم  والممارسات الجاهلية والفكر والسياسة الطبقية المفقرة للفقراء والمهمشة لهم … جاء مبشرا بالمساواة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية التي تحد من الفوارق الطبقية بهدف ليس تنظيم وتكريس الخصاص والفقر بل لضمان اخراج الناس من ظلم الفاقة والعوز الذي  قد يؤدي الى التطرف والعنف والفوضى اوالكفر  .. بجعل خيرات وثروات الدولة  في صالح المستحقين والذين اشارت اليهم العديد من النصوص بالكتاب والسنة  لتحقيق التضامن والتكافل المحقق للكرامة …

…..ولينجز  (ص) هذه المهمة العظيمة  التي اختاره  الله لها  جعله يعيش  يتيما .. ويشتغل بالرعي   كما  بالتجارة …وكان في قلبه حب كبير للفقراء والمهمشين والمستضعفين ..وكان امينا ومحترما عند الجميع ..فحفظ لسانه من كل كلام بذيئ كما حفظ سلوكه من كل استخفاف او اعتداء او تطاول على غيره ….

كما انه امتحن في طفولته وشبابه وكهولته حيث تعرض للدسائس والمؤامرات والاتهامات الزائفة والمساس بعرض احد زوجاته وتعددت محاولات قتله بالسلاح وبالسم واتهامه بالجنون و…وبقي  صامدا ومدافعا بالقوة الفاضلة والصرامة العادلة والرحمة واللين المحبب للخير والتسامح … الى ان وافاه الاجل المحتوم …
وكان (ص)  يصبر على المكاره والاساءات  في سبيل  نشر العدل واعلاء كلمة الحق ونصرة المظلومين . وكان لا يغضب لنفسه ولا  يكيد ولا ينتقم لها…ولا يسب معارضيه ومنتقديه بل يصدقهم النصح ويدعوا لهم بالخير والهداية ..ولا يستهزئ بهم او يحتقرهم او يسبهم او يهينهم او ييد لهم ويتربص بهم …

ان الرسالة السماوية تتطلب ان يكون حاملها والمبلغة اليه بالوحي متشبعا بفطرة الله مع استعداده الحاسم والصريح  لتنفيذ روحها وجوهرها الذي لايخلوا من مرتكزات جوهرية تالية

*التوحيد والايمان بالنبوة والرسالات … * حسن الخلق وتجلياته في مختلف مناحي الحياة و منها شؤون المرسل اليهم وبالاخص  المستضعفين والفقراء والكادحين  … * وحسن التبليغ مع التسامح المشبع بالرحمة والمحبة والتجاوز البناء…

فكان عليه الصلاة والسلام الى جانب الفقراء  والعامة يجالسهم يتواصل معهم يتضامن ويتعاطف مع قضاياهم و يسعى من اجل اسعادهم…  فتعرض نتيجة لذلك الى  الانتقاد من البعض من الذين يعارضون مواقفه تلك …في مثل هذا قال تعالى (.. فقال الملا الذين كفروا  من قومه ما نراك الا بشرا مثلنا  وما نراك  اتبعك الا الذين هم اراذلنا باذئ الراي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين )

 

و روى عبد الله بن مسعود قال: « مَرَّ الملأ من قريش على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعنده صهيب وبلال وعمّار وخبّاب ونحوهم من ضعفاء المسلمين.. فقالوا يا محمد؛ اطردهم، أَرَضيتَ هؤلاء من قومك؟! أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟! أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا؟! فلعلك إن تطردهم أن نأتيك. قال: فنـزلت: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾..

وكان (ص) يحب الخير للجميع ويسعى لتقوية اواصر العلاقات  الانسانية  مع المسلمين وغير المسلمين فياكل معهم ويزورهم ويواسيهم ويخفف عنهم معناتهم ويساندهم …هذا قليل من بحار فضائل النبي ونهجه التي اراد ان يلقنها للبشرية … اذ الاسلام المكتمل يكون بالمعاملات والعلاقات العامة  وليس بالعبادات فقط…

ومن هنا نريد فقط ان نسائل واقع الحال اليوم بالبلدان التي تصنف ضمن العالم الاسلامي اين هي في سياساتها مع الشعوب ومع الجيران ومع غير المسلمين في علاقة بما   كان عليه النبي (ص) او بما نصحنا وامرنا بفعله والعمل من اجله ؟؟

و سنقدم احاديث نبوية لنضرب بها  الامثال  لواقع السياسات الرسمية التي انهكت الفقراء والشعوب .. وانتجت  وافرزت نقيض ما يفرج الكرب ويحقق العدالة الاجتماعية  دون ان نحلل او نشرح … ولينظر كل واحد نفسه اين هو مما قاله سيد الخلق

/  قال (ص) ..((…هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمَن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلّفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه)) متفق عليه واللفظ للبخاري،

/ و قال: «لا قُدِّست أمّة لا يعطى الضعيفُ فيها حقه غير مُتَعْتَع”

/ و قال: ((الراحمون يرْحمهم الرحمن، ارْحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء))

/ و قــال : أذَلّ الناس من أهان الناس”، و”من أذلّ مؤمنا أذلّه الله” .

/  وقال : ((لا تُنزَعُ الرَّحمة إلا مِن شَقي))

/ وقال: «أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن، كسوتَ عورته، أو أشبعتَ جوعته، أو قضيت حاجته»

/  وقال (صلى الله عليه وسلم) داعياً ربه: «اللهم أحييني مسكيناً وأمِتني مسكيناً، واحشرني مع المساكين»

/ وقال : (أيما أهل عرصة أمسوا وفيهم جائع فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله).

و يعتبر الإمام علي رضي الله عنه  أن مسؤولية الفقر تقع على عاتق الأغنياء قائلا: “إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم ما يكفي فقراءهم. فإذا جاعوا أو عروا أو جهدوا فبما منع أغنياؤهم وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة  و يعذبهم عليه “.
 
وقال  الفاروق  رضي الله عنه  : “توفي رسول الله ولم يبين لنا في الربا كثيرا”. ولكنه الفقيه وعرف المقصد فحبس الأغنياء ومنعهم من التجول في الأمصار، وهذا تصرف لم يأتي فيه تشريع ولكنه يعرف ان المقصد هو القضاء على الجشع وتكديس الأموال والفساد بالفارق الطبقي. وقال: “إنهم يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عبادة الله”. وقال في آخر أيامه: “لو استقبلت من أمري ما أستدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين”.
 

…قال الإمام الشاطبى – رحمه الله تعالى: (إذا خلا بيت المال وارتفعت حاجات الجند والناس وليس فيه ما يكفيهم فللإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه لهم فى الحال إلى أن يظهر مال فى بيت المال أو يكون فيه ما يكفى ووجه المصلحة فى هذا أن الإمام لو لم يفعل ذلك لبطلت شوكته وصارت الدنيا عرضة للفتن)

فتعلموا رحمكم الله من سيدنا عمر وسيدنا علي  واقتبسوا من هدي السلف الصالح المحب للفقراء والانسانية وانتبهوا  ان تقعوا في مصائد الصناديق الدولية التي  لاترى من اقتراحات لعلاج الازمات الناجمة عن السياسات الفاشلة او التردي الاقتصادي الذي يفوق الطاقات والقدرات الا بالمزيد من التفقير والبطالة ورفع الاسعار والاضرار بالقدرات الشرائية لعامة الناس …..

ونختم بمقولتين الاولى لفيلسوف والثانية لمعاوية سائلين الله ان لاتكون سياسات من يحكم عوالم اليوم تنبني ما قاله معاوية …
 
قال الفيلسوف جان جاك روسو (1712- 1778) “إذا أردتم أن تمنحوا الدولة ثباتاً فقربوا بين الطرفيين الأقصيين ما استطعتم، ولا تحتملوا وجود أناس أغنياء وفقراء، فهذان الحالان اللذان لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر بحكم الطبيعة هما كذلك شؤم على الخير العام، فمن أحدهما يظهر أعوان الطغيان، ومن الآخر يظهر الطغاة، وبينهما تقع معاملة الحرية العامة، فأحدهما يشترى والآخر يبيع”.
 
*بينما جاء معاوية وقال: ” إنما المال مالنا والفيء فيئنا، فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه”
 فكان الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري يناطح الطغاة ويناصر الفقراء ليسترد لهم حقوقهم و يصرخ في وجه معاوية قائلا: أغنيت الغني، وأفقرت الفقير. ويتلو الآية: ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)) . ويرد معاوية  : نزلت فى أهل الكتاب
 
 والسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين