تبدو العبارة مستحثة ثمينة مغروسة في زمن السياسة البائد وسط واقع الغاب الذي تعيشه الأسرة السياسة؛ ويبدو الحديث عن الأخلاق عموماً والأخلاق في السياسية مجرد نزلة نوستالجيا اخترقت شرفات الحلبة المشتعلة التي تأوي مايُفترض أن يكون أسرة سياسية واعية بدورها وأسباب وجودها؛ ولأن الإحتقان العلائقي الذي يعيشه أفراد الأسرة السياسية المنكوبة يوشك أن يُفجر الفعل السياسي يبدو من المفيد والضروري استدعاء الأخلاق في السياسة لإنقاذها من بين طواحين أفراد أسرتها الذين يتمادون في التنكيل بها؛ ولعل أقرب الأمثلة التي يمكن أن يسوقها المشهد السياسي الحالي والمتمثلة بالأساس في الحرب المميتة التي تقوم بها الأحزاب أو بعضها في إطار ماتسميه التنافس على المكاشفة والتواصل المبنين على إضعاف المنافس بأدوات مضرة بالبيئة السياسية؛ تستئصل الرحم السياسية وتشوه أجنتها وتُنضب منابعها وتملأ بأشباه السياسيين دروبها؛ إذ تابع الرأي العام مثلا كيف تتنابز الهيئات السياسية بالتوصيفات والتصنيفات؛ وتحتكم إلى شخصنة الخلافات والخوض في ما تصمت عنه جدران البيوت الحزبية وحلوق الإنضباط والغيرة الحزبيين.    وتجد في الخلافات الحزبية الداخلية طبقاً شهياً تستفتح به مناقشة المعارضة في تصوراتها وبدائلها ومقترحاتها؛ وتستثمر في أعطاب الزمن والسياق على جسد الهيئات الحزبية العريقة التي نمى مغرب الفكرة الديمقراطية على إيقاع مطالبها وترعرعت الحريات داخل أحلامها وتفتقت عيون صغار سنوات الجمر على جروح شرفائها؛ فلنطرح السؤال الآتي لماذا ياترى يلجأ المختلفون إلى دس الملح في جرح أجساد معارضيهم ونشر غسيلهم الداخلي وربط مقترحاتهم بمشاكلهم وبدائلهم بأسمائهم وتوجيه الضربات تحت الحزام الأخلاقي؛ ولماذا تراهم ينتشون بحشو الساحة العمومية بسم ضرب الهيئات الوطنية والاستثمار الأسود في أعطابها ومشاكلها وصراعاتها؛ الجواب يكمن في اعتقادي في إغفال الأخلاق في السياسة والمسؤولية تجاه الأسرة السياسية ومستقبل السياسة في بلد سيعيش على انتقالاته المتعددة والمختلفة وذات القادم المعقد؛ فإذا كان رئيس حكومة المغاربة حريص على تتبع الدفتر الصحي للأحزاب السياسية فلماذا لا يستحضر في استنكاره لأوضاع الديمقراطية الداخلية داخل أحزاب المعارضة ؛ أوضاعها في الأحزاب المكونة للأغلبية التي لاتسمح مبادىء احترام سيادتها أن نخوض فيها ؛ ولا تجيز الأخلاق السياسية أن ندس أنفنا في مطابخها ؛ ألم يُحركه وازع الغيرة
على الديمقراطية وعلى المناضلين الشرفاء أن ينبس بفكرة أو رأي أو تنبيه أو شد أذن؛ ألى يخشى على جاذبية الحكومة من أحداث ووقائع وشكايات معروضة على الهيئات المختصة في هذا الشأن ؛ ثم ألا تضر هذه الإنتقائية العلنية بمصداقية الرجل أمام مناضليه حين يسكت عن فريقه ويطلق عنان التشكيك والقذف في معارضيه؛ ثم ألم يتوقف عند واجب التحفظ الذي تفترضه مسؤولية رئاسة الحكومة المغربية وقيادة الأغلبية؛ أية محدودية هاته التي تمتح منها رئاسة حكومة الأغلبية والمعارضة وكل الشعب والتي تُقزِم مُكْت، سب مأسسة رئاسة الحكومة وصلاحياتها وموقع رئيسها؛ وهل يستوعب أهم مسؤول منتخب أن ما يُقدره المشروع الديمقراطي يفترض في رئيس الحكومة ردود فعل أكثر حكمة ونظرة أكثر شمولية ووعياً عميقاً بطبيعة دوره في حماية السياسة وفي تدبير مسؤولية مزدوجة ومعقدة تجاه الفعل والمسؤولية السياسيين؛ هذا بالنسبة لرئيس الحكومة؛ أما بالنسبة للمعارضة فالأمر أخذ يدور في فلك رئيس الحكومة وحزبه بشكل مفرط يكاد ينفرط عن دور المعارضة مؤسساتياً؛ويُضحي حرباً ضروساً قبلية دموية؛ إذ لا يمكن اخترال الحكومة في حزبها الأول وغض اليقظة عن باقي مكونات الإحتشام التنفيذي بالنسبة للجزء السياسي منها؛ كما لا يمكن التغافل عن الطائفة التقنوقراطية التي تحج إلى غير المزارات الحكومية ؛ وتسخر من أفراد الأسرة السياسية ومن أفكارهم ومشاريعهم وأوهام السلطة التي تغريهم بمنحنياتها الدستورية؛اليوم يبدو جلياً أن منحنى السياسة في انحدار وأن الجميع منخرط في وأد الحكومات السياسية والمعارضات السياسية ودفع المغاربة دفعاً إلى إرسال السياسة إلى التقاعد والإستغناء عنها، وبالتالي بعثرة المسار الطبيعي صوب ديمقراطية حقيقية طبيعية المخاض .
لا يمكن تصور عمل سياسي تغيب عنه الأخلاق والإحترام والترفع ؛ولا يمكن أن تُنجح السياسة مشروع تخليق المجتمع وهي تسبح في برك السواد والسوء؛ كما لا يمكن أن تنمو القيم في ربى ملوثة بالقدح والقذف والتسميم والتناور المَرَضي؛ ولن ينتج الفعل السياسي خارج حقل المصداقية والأخلاق؛ فالسياسة رغم أنف ممتهنيها أخلاق أولاً وأخيراً. … أو لا تكون …!

عن جريدة ..ا.ش