مرض بوتفليقة وتوليه للعهدة الرابعة حلقة من تأزم مسار الدولة الجزائرية

1- كيف هي الأوضاع بالشقيقة الجزائر في مشهد يخيم عليه ” غياب” الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ؟

الأوضاع في الجزائر معقدة من حيث وصول مسار تطور الدولة إلى نفق مسدود، فبنية الدولة الجزائرية هي نتيجة لمخلفات الاستعمار الفرنسي، وعجز مجتمع ما بعد الاستقلال عن بناء دولة جديدة تستطيع استيعاب التناقضات وحركية المجتمع، وهذا ما يفسر سيطرة الجيش والأجهزة الأمنية على الدولة والمجتمع، من خلال جبهة التحرير الوطني، الواجهة السياسية للنظام، وعندما فرض التغيير في العام 1991، وعرفت البلاد انتخابات نزيهة ، احتلت فيه الجبهة الوطنية للإنقاذ الإسلامية الواجهة السياسية، حصل التناقض بين عمق الدولة المكون من الجيش والأجهزة الأمنية و الإسلاميين، وهذا ما أدى إلى حرب أهلية دموية دامت عشر سنوات ، اختفى فيها أكثر من 200 ألف شخص ، يحرم الآن على ذويهم الحديث عنهم أو التظاهر من أجل كشف حقيقة “اختفائهم”. حاولت النواة المتحكمة في الدولة خلق انفراج بسلوك تعددية الواجهة السياسية مع سيطرة خفية أحيانا ظاهرة أحيانا أخرى لجبهة التحرير، التي ظلت الواجهة السياسية للنظام الجزائري إضافة إلى سونتراك الواجهة المالية. المتصفح للتاريخ الراهن للجزائر يجد ارتباطا بين تأزم واجهتي النظام بتأزم العلاقات بين القوى في الدولة العميقة.
الأزمة الحالية التي تهز الدولة الجزائرية هي حلقة من مسار الدولة في هذا السياق، فليلة قرار تقدم بوتفليقة للعهدة الرابعة تجددت الأزمات وبشكل متواتر وسريع داخل جبهة التحرير وسونتراك في نفس الوقت، واحتد الصراع بين مجموعتين، الأولى، ويسميها الجزائريون،” جماعة الرئيس” وعلى رأسها أخوه سعيد بوتفليقة، والمخابرات الجزائرية DRS، والتي تتدخل في الصغيرة والكبيرة، وفي هذا السياق نقرأ توقيف وتقديم عدد من مسؤولي سونتراك للمحاكمة، وهم من رجالات بوتفليقة، ثم امتد الصراع إلى جبهة التحرير، لكن جماعة الرئيس استطاعت انتزاع هذه الواجهة بوضع عمار سعيداني على رأس الواجهة السياسية، والذي فتح ،ولأول مرة في العلن، جبهة مهاجمة رأس المخابرات الجزائرية الجنرال توفيق، الذي جند بدوره عددا من الواجهات الإعلامية ضد سعيد بوتفليقة، خصوصا وأن كثيرا من ضباط المخابرات ، تحولوا إلى كتاب وصحفيين ومدراء مواقع إلكترونية. لم تتردد ” جماعة الرئيس في ” نتف” أجنحة الجنرال بإحالة عدد من مساعديه الأقربين إلى التقاعد، وتحويل مصالح إلى الجيش ، والذي إن اتخذ ظاهرا موقف الحياد، إلا أنه يميل إلى “جماعة الرئيس”، مستفيدا من هذه الأوضاع ، خاصة ما تعلق بصفقات الأسلحة التي اشتعلت نيران عدة حولها.
الدولة العميقة وظفت كل الأوراق، أحداث بدءا من الجماعات الجهادية وعين أمناس مرورا بورقة العلاقات مع المغرب، وورقة ” الصحراء الغربية” والعلاقات مع دول المحيط.وانتهاء بمظاهرات رجال الشرطة، والمستقبل قد يظهر أوراقا أخرى.
مرض وتولية بوتفبيقة للعهدة الرابعة حلقة أيضا من تأزم مسار الدولة الجزائرية، وعندما وجدت ” جماعة الرئيس ” الحل في الكرسي المتحرك، حركت الجهات الأخرى غياب الرئيس في المناسبات والقضايا الأساسية في مسيرة الدولة، خصوصا وأن الشعب الجزائري ، وعبر مناسبات عدة، يطرح دائما سؤال: أين الرئيس؟ فيظهر الرجل بين الفينة والأخرى بشكل ” مضبوط ” لقطع الطريق أمام حملة الفريق الآخر.
يجب ذكر ملاحظة أخرى في هذه القراءة العامة، وهو توظيف جزء من مداخيل المحروقات في إسكات الأصوات، بيد أن هبوط الأسعار الدولية وجنوح الولايات المتحدة إلى استغلال نفطها، سيفضي لامحالة إلى انفجار الأوضاع داخل الجزائر كما الحال في العام 1988 ، إذ لن تكفي المداخيل الاستجابة في نفس الوقت ” للوزيعة الداخلية” ولمطالب الفئات الشعبية، التي تعيش في فقر مدقع، بينما تسمع أن خزينة الدولة تحتوي على 200 مليار دولار، وهذا ما يفسر أيضا أن الدولة الجزائر من الدول الأولى التي تشهد احتجاجات قوية وطيلة السنة، دون الحديث أيضا عن الصراع بين الشرق الجزائري والغرب، وبين الطوائف في غرداية وبريان. لكن السؤال الكبير، هل المنطقة قادرة على استيعاب انهيار الدولة الجزائرية؟ وقعت أحداث في رأس الدولة في شهر غشت الأخير ، الشيء الذي استدعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى نصح رعاياها بعدم التوجه إلى الجزائر، تبعتها دول أوربية أخرى، وهو الشيء الذي لم يتقبله رمطان لعمامرة، وزير الخارجية، ثم تعددت زيارات وزير الدفاع الفرنسي للجزائر ، وبدأ شهر عسل بين فرنسا والجزائر، ويعتقد كثيرون أن الولايات المتحدة الأمريكية اكتشفت ” شيئا” وأن فرنسا تكفلت بهذا الشيء.

2- كيف تنظر إلى الاحتجاجات التي تعد سابقة للجهاز الأمني كمؤشر أخر على الصراع لخلافة بوتفليقة ؟

الجهاز الأمني تضخم في عهد بوتفليقة، وكانت هناك رغبة في خلق توازن مع جهاز المخابرات، ولذلك ارتفع عدد المنتسبين إلى الشرطة منذ وصول بوتفليقة إلى الحكم في العام 1999 إلى أكثر من 200 ألف شرطي، ولعب جهاز الشرطة دورا أساسا في خنق انتفاضات ” الربيع العربي” خاصة في الشرق الجزائري، والتي تزامنت مع الربيع العربي التونسي، كما تم تجهيز وتطوير الشرطة، ووضع بوتفليقة على رأس هذه الهيئة، أحد المقربين إليه، الجنرال الهامل، بعد الاهتزازات التي عرفتها مؤسسة الأمن والتي أدت إلى قتل التونسي، رئيس جهاز الأمن السابق في مكتبه، من لدن أحد مساعديه.
جهاز الشرطة أصبح قويا، والاحتجاجات الأخيرة يمكن أن تقرأ على عدة مستويات:
1- إن الشعارات التي رفعت أو كتبت أثناء المظاهرات تعبر في نفس الوقت عن مطالب اجتماعية وسياسية. وإذا كانت أحداث غرداية وبريان قد وضعت جهاز الشرطة في قفص الاتهام، فلربما كشفت الأطر المتوسطة والصغيرة أن ورقة غرداية هي ورقة توظف في صراع الأجنحة داخل جهاز الدولة، فرفضت أن تتحول إلى أداة في هذا الصراع.
2- إن شعار ” الهامل ارحل “، وإن كانت لها دلالاتها المرتبطة ب” الربيع العربي”، فالجنرال الهامل هو رجل “جماعة الرئيس” ، والحال هذا أن المستهدف من المظاهرات ، سياسيا، هو الرئيس بوتفليقة. وأن الرسالة الضمنية لهذه التظاهرات ، أن الجهاز الذي خلقه بوتفليقة قد يرتد إلى سلاح ضده، وفي الأمر أيضا ضغط على الرئيس ليظهر للعموم.
3- إن مظاهرات رجال الشرطة لم تلق تعاطفا من الشارع الجزائري، وفسرت من لدن الجزائريين ، انها تدخل في حسابات صراع الأجهزة، لكن يبدو أن الصراع وصل إلى مستوى غير مسبوق بين جماعة الرئيس وجهاز المخابرات.

3– الأثر الاحتجاجي الذي نشاهده اليوم داخل الجزائر ماهي أبعادها داخليا وعلى المنطقة ؟

بقدر اشتداد الصراع داخل الدولة العميقة، بقدر تصاعد الاحتجاجات الداخلية، خاص في منطقة الشرق بالخصوص ، فقراءة الأرضيات السياسية لعدد من الأحزاب والتجمعات، تنبئ أن الشرق الجزائري يرفض أن يبقى رقما منعزلا لمرحلة ما بعد بوتفليقة. الإشكالات تتعدد داخليا، وأيضا على المستوى الإقليمي، فما يجري في تونس من بناء لنظام جمهوري برلماني ، وهذه أول تجربة في العالم العربي ” الجمهوري”، وهو شيء يقلق الدولة العميقة في الجزائر، التي تقدم نموذج الدولة المتناقضة مع النظام الجمهوري البرلماني . عدد من المحللين السياسيين في تونس يطرحون سؤال، إذا كانت حدود تونس الملتهبة توجد في الشط الليبي، لماذا تتكرر أحداث الاعتداءات على الجيش التونسي في الحدود التونسية الجزائرية؟ وهناك شعور عميق لدى التونسيين أن الدولة الجزائرية لاتريد النجاح للتجربة التونسية.

بالنسبة لليبيا تتعقد الأمور أكثر، فإلى جانب مراقبة الحدود التي تمتد إلى أكثر من 1300 كلم ، تخترق يوميا الجماعات الجهادية و شبكات الجريمة العابرة للحدود التراب الجزائري نحو الشمال المالي، ويعتبر محور غات( في جنوب غرب ليبيا) كيدال ( شمال شرق مالي)، من أخطر المحاور في العالم من حيث التهديدات الأمنية المتنوعة، ولهذه الأساب جميعها تبقى الحدود الغربية للجزائر مع المغرب هي الحدود الوحيدة الآمنة، ولكي لا تعترف بذلك، تزيد الدولة العميقة الضغط على المغرب من خلال ورقة ” نزاع الصحراء”، وتؤدي أموالا طائلة للوبيات ومكاتب الاستشارة وووو……وتتهم المغرب بأنه يحرض على دورها في منطقة الساحل والصحراء، وترفض الدولة الجزائرية أن يحضر المغرب اللقاءات والمؤتمرات حول الساحل والصحراء. كما أنها تزيد اليومي في المخيمات قساوة وحولتها إلى سجون مفتوحة ببناء أسوار حول المخيمات الأربع، لكي تمنح لقيادة البوليساريو التسول بسكان المخيمات في العواصم الدولية، مع تحميل المغرب واقع المخيمات، علما أن عشر الميزانية التي تنفقها الدولة الجزائرية على لوبيات الضغط الدولية سنويا، كافية للعيش المريح للسكان، وعندما يتجرأ الشباب على ممارسة التهريب، تعطى التعليمات للدرك الجزائري بإطلاق النار عليهم

عن الاتحاد الاشتراكي أكتوبر 2014