الأضواء الإعلامية المسلطة على أوضاع الاتحاد الإشتراكي، بعشرات المئات من المقالات و عشرات الساعات من التسجيلات الصوتية الإذاعية في تطورات و مآلات الصراع الذي يقوده الأخ أحمد الزايدي و رفاقه ضد قيادة الحزب مشخصة في الكاتب الأول الأخ ادريس الشكر جعلت من الحزب موضوع فرجة شبيهة بفرجات السيرك الروماني…و لم يعد المهم للمتفرج فيها من الظالم و من المظلوم و لا من المخطئ و لا من المحق…فقط ،المهم للمتفرج من المنتصر ومن المنهزم.

الأصل أن تغييرات و تحولات لحقت بمفهوم و بنيات و أدوار الحزب، لعوامل اجتماعية، سياسية و ثقافية، في المغرب كما في العالم ( التفصيل في الموضوع يترك لفرصة أخرى ).الإتحاد الإشتراكي، حزب سبعينات القرن الماضي ما كان ممكنا و لا منطقيا أن لا يطاله تغيير في هذه العشرية الثانية من القرن الجاري. الحزب المسجل باسم عبد الرحيم بوعبيد، كان حزب فكرة و انصهار معنوي و عاطفي في حركة شعبية متأججة الحماس الوطني. و هو الحماس الذي تدفق في تحول نوعي إلى إصرار على الحق في المغرب الديمقراطي. لم يكن أحد يتحدث عن المؤسسة في الحزب آنذاك. الوعي بالمؤسسات غائب في كل العمل السياسي ( و الإجتماعي ) المغربي، “سياستئذ” و “ثقافتئذ”…القائد ملهم و أعضاء القيادة أشبه بالحواريين، الكل مدثر بهالة من القداسة. وبطبيعته تلك و بمد النفس الكفاحي الديمقراطي ، في سياق مواصفات “عصره” و تفاعلاته قدم الحزب الكثير و النوعي سياسيا و ثقافيا لشعبنا .

اليوم لكي يكون الحزب في انسجام مع قواعد العمل السياسي الجديدة التي تهب من فضاءات الإختيار الديمقراطي ، باتت المؤسسة و التعاقد و التشارك و التدبير المتوافق عليه و المحاسبة و المسؤولية و المردودية، مفاهيم لا مناص من التعاطي بها و التأسيس عليها، إسوة بالحاصل في أعمدة معمار وظائف الدولة و مؤسسات المجتمع.الحزب اليوم مؤسسة تأطير شعبية و مشتل لفسائل التدوير لآليات مؤسسات التقرير و المشاركة في الشأن العام الوطني.

الحزب اليوم أضحى ملكا لكل أعضائه، و ليس فقط لقادته “العباقرة و الملهمين”. القيادة، فريق تدبيري ليس بالضرورة أن يكون الأعمق حكمة و لا أقوانا حنكة و ثقافة و ذكاءا، و ليس المطلوب أن نلتمس منه بركات قداسة ما. و لن يقودنا بادعاء امتلاك “أوراق” غير قابلة للعرض أمامنا.هل هذا التشنج الذي أصاب الحزب ناتج عن “صعوبات” الممارسة بثقافة التجدد؟

من ذلك المنطلق ،كلنا، أقول كلنا، صوتنا بالإجماع على مقررات المؤتمر التنظيمية، السياسية والتوجيهية، في يناير سنة 2013. ووضعنا في تلك المقررات ما اعتبرناه الأفكار والبرامج والتوجيهات التي من شأنها تفعيل النشاط النضالي لأعضاء الحزب لكي يتجدد الحزب في بنياته وفي علاقته مع شعبنا، و لكي يجود فعله في الفضاء السياسي الوطني.

المنافسة بين إدريس لشكر وأحمد الزايدي انطلقت وانتهت بمنطق وفي سياق ديمقراطي. ذلك المنطلق وذلك السياق أنتجته اللجنة الإدارية الوطنية الحالية….. وداخل تلك اللجنة ترشح من رأى في نفسه مؤهلات القيادة التنفيذية للحزب من خلال عضوية المكتب السياسي.. وكان ضمن المرشحين أحمد الزايدي وبعض الإخوة من ما أضحى يسمى “تيار الزايدي” ، و شاركوا في مسعى توافقي لانتخاب بعضهم في المكتب السياسي. تم نقض الإتفاق و لم ينتخبوا . اعتبروا ذلك تلاعب بهم و طعن في كرامتهم. وذهبت بهم شدة الغضب إلى سلسلة من الغضبات و المناوشات المعبرة عن تبرمهم من القيادة الحالية…. ورتبوا على ذلك كل تحركاتهم التي أوصلتهم إلى التفكير في موقع سياسي يضمهم خارج حزب الاتحاد الاشتراكي…

هم أنفسهم صوتوا ضد إدريس لشكر ولكنهم حين خرج من صناديق الاقتراع كاتبا أولا للحزب باركوا وصدقوا على شرعية انتخابه.

هم أنفسهم ترشحوا ونالوا عضوية اللجنة الإدارية الوطنية وأمنوا على شرعية انتخاب أعضائها سلطة تشريعية للحزب بين مؤتمرين.

هم انفسهم، قبل ذلك، من صادق على مقررات المؤتمر، كل المقررات، بحيث خرج الحزب من المؤتمر موحد التوجه السياسي.

يترتب عن ذلك ، حتى وهم غير راضيين، وأنا معهم، على أغلبية تركيبة المكتب السياسي التي أسفرت عنها عملية الاقتراع التي شاركنا فيها جميعا، و حتى و قد قصفهم مقلب، و حتى وهم يرون في ادريس لشكر ما لا يروقهم أو يزعجهم و ينرفزهم…حتى مع كل مبرراتهم، لا مبرر لهم، و لنا كلنا، يجيز الطعن في شرعية مؤسسات الحزب و محاولة نسفها…لأنهم من ساهم في نسجها و مؤتمن على صونها بمعارضة أي انحراف على ما وجه به المؤتمر و أنتجته الديمقراطية…بمعارضة نشيطة و قوية من داخل مؤسسات و فضاءات الحزب …و ذلك حق للإخوة و واجب عليهم.

الغضب انفعال و الإنفعال يدمر، ينسف، يبعثر…سلبي، لا يبني و لا يصلح …و الحقد أيضا “أسوء موجه للسياسة” كما سبق و قال فلاديمير لينين، ينزع عنها روح السياسة حين يغيب فعل العقل.

تحركات الإخوة، و التلفيف الإعلامي لها، تبدو عارية من كل بعد سياسي و لا فكري…بحيث أن المجموعة التي شكلها الغضب في شتاء 2013 تناقصت عددا و نوعا في هذا الخريف، جراء فقدانها للهدف السياسي و التميز الفكري المحرك و الموحد … إذ لا يمكن توليد صراع سياسي بأثر رجعي ( كل مقررات المؤتمر صودق عليها بالإجماع )… و لا يمكن افتعال خلاف سياسي بين أطراف تربت في نفس المدرسة التي أسسها عبد الرحيم بوعبيد، و تلقت فيها الدروس من نفس المعلمين و نهلت من نفس المنهاج السياسي لعقود. كلما في الأمر “لجاجة” و تصادم طموحات ( و بعضها مشروع ) و تنافر أساليب ( و بالإمكان تناغمها ).

بالإمكان أن لا يذهب الإخوة بعيدا في “أرض الله الواسعة”، كما كان قد قال عبد الرحيم بوعبيد، و يومها كان الصراع سياسيا بين من يريد مقاطعة العمل في المؤسسات و بين كل من هم اليوم على حافة القطيعة و دافعوا، عن حق، على خط النضال الديمقراطي المؤسساتي و الإنتخابي… بالإمكان عدم نسف جسور العودة إلى الوحدة، إذا هم تبصروا أنهم لن يتوغلوا بعيدا عن موقعهم الأصلي و الطبيعي، إلا في عراء سياسي، سيضيعهم و يبدد طاقاتهم و خبراتهم في ما لا يفيدهم، و يضر بحزبهم الذي شبوا فيه و ضخوا فيه أنفاسهم و أحلامهم…. 
الأمل أن الحس الإتحادي الديمقراطي و الوطني سيمتص ما خالفه من نزوعات ذاتية عابرة…إذ الإتحاد المتماسك و الفاعل يزخر بالمعنى في السياسة المفيدة للوطن