مصطفى المتوكل / تارودانت

22 اكتوبر 2014

قال تعالى :﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين ﴾ سورة القصص

﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ النساء

 يقول تعالى  ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ سورة النساء

ان قراءة عامة  في السياسات المالية المعتمدة في العديد من الدول التي تنتمي الى العالم الاسلامي  كما هو الحال في العديد من دول العالم التي تعاني من مشاكل اقتصادية ومالية نتيجة السياسات المتبعة والتي تخالف في فلسفتها مقتضيات العدالة الاجتماعية المحققة للتوازن الاجتماعي الضامن للحق في الاستفادة من مقدرات الامة وعائدات الدولة التي اودعها الله تحت الارض وفوقها باليابسة والبحر والجو … – قلت ان قراءة عامة في ..- تبرز اختلالات كبيرة في الياتها وتقع في تناقض بين الخطاب المدافع عن السياسة المالية وواقع حال الناس وما سينجم عنها …فاذا كان كل ما في الارض من ثروات وغيرها لله سخرها للبشرية من اجل خيرها ورخائها واستقرارها …فان تدبير وادارة كل تلك الخيرات يجب ان يكون في خدمة الناس كافة كما امر بذلك الله ورسوله …

 واذا علمنا يقينا انه لولا الناس بقدرات العطاء والعمل والانتاج التي لاتتحقق الا بسواعدهم وافكارهم لهلك الناس وافلس الاثرياء وانهارت الدول …انهم من يكد ويشقى ويتعب ويحول المواد الخام الى اموال ومواد جاهزة للاستهلاك والاستعمال …انهم من يستهلك وينشط الدورة الاقتصادية ..انهم من يتجند للدفاع عن الوطن ويحقق الامن ويضمن الاستقرار …ان منهم  من ساهم في بناء اقتصاديات اوروبا وساهم في تحقيق ازدهارها ..كما انهم من خلق بالتضحيات  العظام ثروات هائلة في جميع المجالات ببلادنا فانهم  لم يحظوا بنصيبهم المستحق  العادل منها الذي يضمن  العيش الكريم والتعليم الافضل والخدمات الصحية اللازمة و….تلك العطاءات التي يقدمها العمال والفلاحون والكادحون لايعود نفعها عليهم بل يتقاضون  فقط اجورا ودخلا ضعيفا يجعلهم دائما مستضعفون .. في مقابل تراكم الثروات في ايدي فئة  قليلة من الناس  …والاعجب هو انه عندما تتسبب طرق تدبير الاقتصاد والموارد المختلفة وتحصل ازمة حيث يكون المتضرر الاول منها هم اغلبية  الشعب  يلتجئ الحكام الى الشعب الفقير المستغل اصلا والمعرضة حقوقه للضياع والمهددة حتى مكتسباته الهزيلة ..ليلزموه بدعوى انقاد البلد من المحظور والامة من  الهلاك.. بدفع فواتير تكلفة السياسات الفاشلة ..باستنزاف   جيبه واجرته وكدحه وكرامته وحقوقه بالاقتطاع  الضريبي المباشر وغير المباشر.. وبالزيادة في اسعار المواد الغذائية وبتعطيل كبير لسوق الشغل و…

فهل المستضعفون من الناس في البلد هم مجرد قرابين يدفع بها  لخلق الثروات كما يلتجا  لجيوبها  لسد الخصاص ..ولاصواتها عند كل استحقاق …؟؟

…ان من دلالات  الأحكام الشرعية  الاقتصادية في الإسلام إن تعود بالنفع على الناس كافة دون ظلم او احتكار للانتفاع وذلك بجعل  الثروة تحقق الكرامة وتقضي ان لم تحد من الفقر …

… ان تدبير امور المال والثروة في الإسلام  لايمكن ان تكون عادلة الا بضمان تيسير  تحقيق  المتطلبات الضرورية والاساسية للجميع   والسعي الحثيث لاشباع حتى  ما يطلق عليه الكماليات والتي اصبحت من الضروريات بل من الحقوق في المجتمعات المتحضرة …

وللوصول الى ذلك لابد  أن  تصل خيرات وثروات الدولة الى كل افراد المجتمع  بنحو عادل …من اجل  الحد من الفوارق الطبقية والقضاء على الفقر …وليس تبريره بخطابات  تتخفى وراء التاويل السلبي للنصوص الشرعية  باغفال  جلي لاهداف الاسلام الجوهرية  المتجلية  في سياسة الخليفتين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز اللذين بعدلهما  وتوزيعهما للثروات لم يتبق فقير واحد بالدولة الاسلامية بما فيهم الفقراء من الديانات الاخرى …

اننا اذا  قرانا واقع الناس ببلادنا للبحث عن العدالة المتحدث عنها وسالنا اسئلة بسيطة من مثل …هل كل الشعب متعلم ؟ وهل كل المتعلمين يحظون بنفس فرص الجودة في كل مناطق الوطن ؟ وهل كل الراغبين في اتمام دراساتهم يجدون جامعات قادرة على استيعابهم و تعليمهم في الظروف الاكاديمية المشرفة التي ما فتئ الاساتذة يطالبون بها  ؟ وهل كل من تعلم واتم دراساته يجد له مكانا في بلاده للمساهمة في الانتاج والعمل ؟

وهل كل الناس بالبلد يعملون ؟ وهل الذين يعملون يتقاضون اجرا يكفيهم لادنى الحاجيات من سكن وماكل وعلاج وتعليم و..؟ وهل الذين لا يعملون ولا يجدون من يعولهم يوجد لهم نصيب من المال العام ؟  …وهل كل الناس يستطيعون الوصول الى كل انواع العلاج لكل الامراض ..؟…الخ

…ان الاموال والموارد والثروات التي تسيرها الحكومات هي لله وهم مستخلفون فيها تطويرا ورعاية وتدبيرا وانفاقا بعدل وهم مساءلون عنها امام الله والناس في الدنيا والاخرة …لهذا فالرقابة عندنا في الاسلام والعديد من المذاهب ذاث بعد اخلاقي وتقوم على الاخلاص والنية  والعمل الصادقين …وهي عندنا باعتبار ايماننا بالله والمصير اليه للحساب استحضار لرقابته سبحانه وتعالى التي تطال السر والعلن القول والفعل  …﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء ﴾ سورة آل عمران

 ..لقد  عرف  القهاء والعلماء الاقتصاد الاسلامي بانه اخلاقي وعادل … وبناء على ذلك فان نتيجة السياسات المالية   التي تكون غير عادلة وتتسبب في الحاق اضرار واسعة بفئات عريضة من الشعب  يصدق عليها نقيض ما ذهب اليه الفقهاء في تعريفهم …

لقد دعى الاسلام الى تحريم الاحتكار  و الاتجار في القروض ..والاستغلال الجشع لجهد الناس وعملهم …كما  نهى عن ” بيع الغرر”  اي  بيع غير المعلوم من مثل بيع الطائر في السماء …وفي علاقة بهذا الا يمكن ان نعتبر الوعود الانتخابية والسياسية  و الخطابات الحكومية التي يستحيل تحققها من صنف بيع الغرر المنهي عنه ؟؟

وللتوضيخ سنسوق هنا بعض تعاريف الغرر الذي هو التعرض للهلكة والخطر

قال  ابن الاثير “الغرر ماله ظاهر تؤثره ، وباطن تكرهه ، فظاهره يغر المشتري ، وباطنه مجهول”

 وقال ” القرافي المالكي  رحمه الله ..ذكر بحثا في الفرق بين الجهالة والغرر من حيث الحقيقة والأثر ، نصه ما يلي :

اعلم أن العلماء قد يتوسعون في هاتين العبارتين ، فيستعملون إحداهما موضع الأخرى ، وأصل الغرر هو الذي لا يدرى هل يحصل أم لا ؟ كالطير في الهواء والسمك في الماء ، وأما ما علم حصوله وجهلت صفته فهو المجهول كبيعه ما في كمه فهو يحصل قطعا لكن لا يدرى أي شيء هو .”

وعرفه ابن القيم بانه .. “مالايعلم حصوله اولا يقدر على تسليمه اولايعرف حقيقته ومقداره “

 وعرفه السرخسي بانه ..” ما يكون مستور العاقبة”

ومن ادعية الرسول صلى الله عليه وسلم “…اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ …”…كان  النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستعادة من الاثم والمعاصي والذنوب وما يوجبها من الاقوال والافعال والاخلاق ..فعن عروة ان عائشة رضي الله عنهما اخبرته ان رسول الله (ص) كان يدعو في الصلاة ويقول ..((اللهم اني اعوذ بك من الماثم والمغرم ))..فقال له قائل ..ما اكثر ما تستعيد يا رسول الله من المغرم ؟ قال …((ان الرجل اذا غرم حدث فكذب ووعد فاخلف )).. وكذلك كان  (ص) يكثر  الاستعادة من الدين الذي يتعذر او يصعب ارجاعه …

والمتامل للقانون المالي لبعض الحكومات سيجدها قد وصلت الى حدود خطيرة في المديونية الخارجية والداخلية التي بلغت حدا يشارف ان يستنزف كل الدخل القومي للوطن مما سيرهن الاقتصاد لعقود ومما سيؤثر بشكل خطير على مستوى عيش الناس ومما سيعمق الازمة ويفرز العديد من الاكراهات والقيود على السياسات المستقبلية كذلك …نسال الله اللطف والفرج… فاللهم لاتكل امورنا لمن لا يرحم ضعفاءنا وفقراءنا والكادحين من شعبنا …امين