يعتبر كتاب معالم في الطريق لـ “سيد قطب” من أهم الكتب الفكرية التي أسست ولم تزل لفكر الإخوان وممارساتهم العملية.. فهو في الحقيقة يشكل المنهاج الفكري الذي يرسم معالم الطريق للإخوان المسلمين, من أجل إقامة الدولة الإسلامية المنشودة التي يطمح إليها قادة هذا التنظيم الإسلامي السياسي. ونظراً لما يمثله هذا الكتاب من أهمية فكرية سأحاول تسليط ضوء النقد على أهم الأفكار التي جاءت في هذا الكتاب, والتي كما قلت تشكل المنطلقات الفكرية لتنظيم الإخوان. وخاصة في مسائل (الحاكمية – الإلوهية –الجيل القرآني الجديد – طبيعة المنهج القرآني – والجهاد في الإسلام).
الحلقة الأولى: الحاكمية لله:
(إن الحكم لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه, ذلك الدين القويم.) .(يوسف- )40. (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). المائدة- 44.
يقول سيد قطب في افتتاحية كتابه التي عنونها بـ (معالم في الطريق), بأن البشرية تعيش اليوم على حافة الهاوية بسبب الإفلاس الذي انتابها في عالم (القيم) التي يمكن لحياة هذه البشرية أن تنمو بها نمواً سليماً وتترقى بها ترقياً صحيحاً.
فالحضارة الغربية برأيه قد سقطت لأنها انتهجت النهج المادي على حساب ألقيمي, وقد سقطت كل شعاراتها وعلى رأسها (الديمقراطية) التي بشرت بها لتحقيق العدالة والمساواة بين الناس. وكذلك الحال بالنسبة للنظريات الجماعية وفي مقدمتها الشيوعية, التي لم تستطع أيضاً أن تخلص الإنسان من معاناته, كونها تناهض طبيعة الفطرة البشرية ومقتضياتها, ولا تنمو إلا في بيئة محطمة, أو بيئة ألفت النظام الديكتاتوري, الأمر الذي أدى إلى فشلها المادي والاقتصادي. كما فشلت أيضاً “الوطنية” والقومية” التي برزت خلال هذا القرن – أي القرن العشرين (1) – وبالتالي لم يعد أمام البشرية للخلاص من مأساتها إلا الإسلام, الذي جاء دوره برأيه في اشد الأوقات حرجاً وحيرة واضطراباً..هذا الدين الذي وعد الإنسان بخلافة الأرض . (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) – البقرة 30. ومن جهة أخرى فإن كل ما يقوم به هذا الخليفة من أعمال فهو يصب في عبادة الله لاغير. (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون).- الذاريات- 56 .
أما الذين اعتنقوا الإسلام من هذه البشرية, ممن اختارهم الله وخيرهم على غيرهم, فقد اختارهم كي يتحملون رسالة إلهية تتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وليكونوا أيضاً أمة وسطاً وشهداء على الناس (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باله.)- آل عمران – 110. ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً).- لبقرة – 143. بيد أن هذه الأمة الإسلامية التي يبشر بها القرآن لم تكن أمة محددة كما يرى سيد قطب, أي هي أمة ليست لها (ارض) محددة كان يعيش عليها الإسلام, وليست (قوماً) كان أجدادهم في عصر من العصور التاريخية يعيشون بالنظام الإسلامي..( إنما هي جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي.. وهذه الأمة قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق الأرض جميعاً. ). لذلك هو يقول: لابد من إعادة وجود هذه (الأمة), وبعثها من ركام الأجيال والتصورات والأوضاع والأنظمة التي لا صلة لها بالإسلام ولا بالمنهج الإسلامي أصلاً, وإن كانت تزعم بأنها قائمة فيما يسمى (العالم الإسلامي). لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى. (2)
إن العالم كما يراه القطب يعيش اليوم كله في حياة “جاهلية”, من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. إنها جاهلية لا تخفف منها شيئاً هذه التيسيرات المادية الهائلة وهذا الإبداع المادي الفائق. إنها جاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض, وعلى أخص خصائص الألوهة. وهي (الحاكمية). (3)
إذاَ ووفقاً لرؤية قطب, فإن ما يجري اليوم على الساحة البشرة من معطيات, فهي تستند على حاكميه البشر, فتجعل البعض أرباباً لبعض, لا في الصورة البدائية الجاهلية الأولى الساذجة, وإنما في صورة إدعاء الحق ووضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة بمعزل عن منهج الله للحياة, وفيما لم يأذن به الله…فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده , وأن كل ما عاشه الإنسان في هذه المجتمعات من اعتداء على الإنسان وكرامته واستعماره وقهره في كل الأنظمة التي عرفتها البشرية إلا أثر من آثار الاعتداء على سلطان الله, ولإنكار الكرامة التي قررها الله للإنسان. وبالتالي فإن المنهج الإسلامي هو وحده الذي سيحرر الناس جميعاً من عبادة بعضهم بعضاً, وذلك بعبادتهم إله واحد, والتلقي من الله وحده, والخضوع لله وحده. وهذا هو خشبة الخلاص للإنسان, وهو الرصيد الذي لا تملكه البشرية لأنه ليس من منتجات الحضارة الغربية ولا العبقرية الأوربية شرقية كانت أو غربية.
إن كل ما يحلم به سيد قطب في تصوره لبناء ذاك العالم الإسلامي, ولكي يتحقق على الواقع لابد من الإعداد له انطلاقاً من:
مسألة البعث الإسلامي: وهذا البعث يحتاج برأيه إلى “طليعة” قادرة على تحمل مسؤولية هذا البعث, والقدرة على المضي قدماً في خضم الجاهلية الضاربة أطنابها في إرجاء الأرض كافة. وإن ماضيها هذا يتطلب منها العزلة من جهة, والتواصل من جهة أخرى مع هذه الجاهلية. أين تلتقي مع الناس في جاهليتهم؟ , وأين تفترق عنهم؟. وهذا كله يتطلب منها معرفة دورها وحقيقة وظيفتها وصلب غايتها ونقطة البدء في هذه الرحلة الطويلة.. إن هذه المعارف كلها التي على الطليعة تبنيها لتحقيق مهمتها, تأتي من العقيدة الإسلامية .. من القرآن وتوجهاته الأساسية التي جسدها الرسول محمد (ص) في حياته, ومن التصور الذي كونته هذه العقيدة في نفوس الصفوة المختارة, التي سيصنع الله بها في لأرض ما شاء أن يصنع في تحويل خط سير التاريخ إلى حيث شاء الله أن يسير. (4)
هكذا نرى من خلال هذه القراءة كيف ينظر “سيد القطب” أولاً وكل تيار الإخوان المسلمين ثانياً إلى مسألة (الحاكمية), التي تقر بان أمر رسم خط سير البشرية هو الخط الذي رسمه الله عز وجل في كتابه الكريم “القرآن) وطبقه الرسول, هذا الخط الذي يشكل المنهج الصحيح الرباني الذي سيخلص البشرية من حالات الجهل التي تعيشها اليوم.
إذن إن كل ما أوجدته البشرية عبر تاريخها الطويل من قيم فكرية وروحية بما تتضمنه هذه القيم من أنساق سياسية وقانونية وأدبية وفنية وفلسفية وغيرها, هي جاهلية في شكلها ومضمونها, ولا يمكن أن تحقق العدالة والمساواة للإنسان, بل هي سبب شقائه وتشيئه واستلابه. وبالتالي تعبر كل هذه الإنجازات الحضارية عدا الجانب التكنولوجي فيها الذي يجب أن يسخر لخدمة “إنسان العقيدة” في نظامه الإسلامي, هي إنجازات باطلة لأنها لم ترسم من قبل الله كما جاء في العقيدة الإسلامي. وبهذا الموقف يوصلنا سيد قطب إلى مرحلة تغييب فكر الإنسان وإرادته وحريته في الاختيار, فهو هنا ليس أكثر من آلة يقوم بتنفيذ ما برمجته عليه العقيدة الإسلامية التي هي رغبة الله ومشيئته التي حددت مسار هذا الإنسان. هذا ونجد هنا حتى النخبة التي عوّل عليها سيد قطب بناء هذا المشروع الإسلامي لإخراج الإنسان من جاهليته, هي نخبة مبرمجة أيضاً بشكل مسبق بما تحمله من العقيدة التي عليها أن تقوم بتنفيذها في حياة الإنسان دون زيادة أو نقصان, أو إدخال للرأي الخاص بما تقوم به.
أما القضية الأخرى التي تناولها سيد قطب هنا فهي القول بأن هذه “الحاكمية” ليست خاصة بشعب محدد أو منطقة محددة, وإنما هي حاكميه للبشر جميعاً وفي كل بقاع هذه المعمورة, وهنا تذوب عند سيد قطب فكرة الأمة والقومية بمفهومها الوضعي, لتحل بدلاً عنها الأمة الإسلامية بمفهومها ألأممي, وبالتالي فالأرض كلها للإسلام والنخبة لا تحدد بأمة أو قومية محددة وإنما هي نخبة أممية أيضاً.
إن فكرة الحاكمية هذه, تريد في الحقيقة وفقاً لرؤية سيد قطب أن تعيد صياغة دولة تعود بكل قوانينها وأنظمتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية إلى العصر الجاهلي, الذي انطلقت منه بداية هذه الحاكية, ووجد فيها جيل الصحابة المتميزون في تاريخ الإسلام كله وتاريخ البشرية كلها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر. ص 3و4 .
2- المرجع نفسه . ص 6
3- المرجع نفسه. ص7.
4- المرجع نفسه- ص9

**********

لنشرة المحرر

الخميس 23 اكتوبر 2014