هناك حقيقتان بارزتان تلخصان  , منذ أوائل القرن الماضي, الوضع الصحي بالمغرب…


الحقيقة  الأولى؛ تمثلها المؤشرات العامة… وهي  مًطَمْئِنَة ومُغْرِية في آن واحد…
الحقيقة  الثانية؛  يختزلها واقع تفاوت الولوج المجالي والاجتماعي والاقتصادي والمالي للخدمات العمومية الأساسية… وهي  مزعجة، وغير مُطَمْئِنة  على الإطلاق.
الحقيقتان  معاً، تلتقيان في البحث  عن  سد  الثغرات،  والثبات على ذات الاختيار… بيد  أن الثبات على نفس الوضع - وفي أوائل القرن الواحد والعشرين - يطرح سؤال المصير: ماذا  نعمل ؟  وإلى أين  نسير؟ ويضع استحقاق الترشيد على رأس الأولويات والمهام والتحديات الصحية الوطنية والأمن الصحي عموماً…
… وبالنظر إلى تركيز جل  الفرقاء  والمتدخلين-  ومعهم المتضررون -على ما أصبح متداولاً تحت اسم «الحكامة» ثم «الحكامة الجيدة»، فإنها،  في البدء والمنتهى، تقتضي- من جملة ماتقتضيه- وضع التصورات والاختيارات  السائدة، في عين العقل وصميم  المعقول، وذلك بما يؤسس للتصحيح المنشود…
التأسيس  المنشود يمر عبر قراءة موضوعية للواقع  الملموس، منظوراً إليه كمنطلق لمراجعة نقدية  واعدة، وكحتمية لا بد  منها،بغرض التأسيس للأفضل…

 تغير مضامين «الحكامة»  أم صحتنا في مجرى التاريخ ؟

في أواسط ثمانينيات القرن العشرين، ارتبط لفظ  الحكامة صحياً-  كما هو معلوم-  بتوفير تمويلات العرض الطبي… وفي هذا السياق تبنى المغرب ما عُرِفَ ب «برنامج التقويم  الهيكلي»،المفروض من لدن البنك الدولي… وباسم «الواقعية» و»التأقلم» مع المستجدات، أنساق المغرب مع التوجهات المعاصرة المجسدة في نظام السوق…
وفي 2011،  اعتمد المغرب دستوره  الحالي، الذي جعل الحق في الصحة وولوج العلاج لجميع  المغاربة، حقاً وطنياً  أساسياً، به تكتمل مواطنة كل مغربية ومغربي… وذلك  تنفيذا  للدستور، ولما نصت عليه المواثيق الدولية ابتداءً من سنة 1948…
بتزامن مع هذا وغيره، ارتفعتْ وتيرة الاكتشافات والاختراعات في  العالم، وتغير نمط العيش وتفاقمتْ سلوكياته الاستهلاكية وتوسعتْ بصفة لافتة… وهو ما أسس  ويؤسس، ليس فقط لتنامي الحاجيات والمطالب المرتبطة بالعلاج واستصلاح البيئة ومحيط العيش، ولكنه أسس ويؤسس أيضاً، لتكاثر المخاطر المرضية كذلك، المتوقعة وغير المتوقعة…
وهكذا،  نلاحظ ونعيش  اليوم،  ما يصح نعته باستقرار الرأي على ما  يؤطر  للبحث عن التكفل بالآليات المتأخرة والمكلفة والمتفاوتة الجدوى في إنعاش الصحة ببلادنا…
قد تفي هذه الإحالات  بالغرض، دونما حاجة إلى أخرى، لفتح العيون والأذهان على أن التقدم  أماماً، يُلْزِمُ بضرورة مساءلة الإجراءات السارية  المفعول، وبمدى حيوية إخضاعها  للملاءمة المطلوبة..

مدونة  »التغطية الطبية  الأساسية « وكارثة النصوص التطبيقية؟

بهذا  الصدد، ومن خلال التراكمات  الماثلة، يصح توصيف المدونة المشار  إليها، أو القانون 00 -65 المصادق عليه في 2001،بالنموذج المنسجم عن طواعية مع «الواقعية» المتوخاة  في حماية الصحة…
المكسب الوارد والمتضمن في المدونة والقانون  معاً، والمتمثل في التغطية الطبية الأساسية كضامن للحق في العلاج وولوجه… هذا المكسب أُفْرِغَ من  روحه،  وكرس  -صحياً - مفارقة  علاجية اجتماعية عجيبة، عجيبة جداً… بماذا؟ وكيف؟


أ- بواسطة النصوص التطبيقية لنظام « التأمين الإجباري على المرض «، ابتداء  من2005… ومن خلال أجرأة نظام « المساعدة الطبية للمعوزين «، في 2002.
لذلك، يصح القول مع الممارسين  والمتخصصين، أن هذه»النصوص»، كما أجرأة نظام المساعدة الطبية  للمعوزين،يتعارضان-  وبكل  جلاء-  مع روح المكسب المذكور…
في النظام  الأول، التأمين  الإجباري على المرض، انتقلت نسبة عدد المنخرطين (بين 2005 و 2010)، من25 إلى 33 في المائة،بينما تحركت مساهمة صناديق استرجاع المصاريف من17 إلى 18,3 في المائة في نفس الفترة، كنسبة في النفقات الإجمالية للصحة.

ب- وهكذا، وبالرغم جهود الدولة الرامية إلى توسيع دائرة المندمجين في النظام، تظل وضعية ثلثي الساكنة خارج الشروط المطلوبة…
وبالمقابل، فإن استرجاع المصاريف بالنسبة للثلث المندمج يطرح أكثر من  تساؤل، حيث - مثلاً  – تقتصر التغطية بالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على «سلة  علاج» محصورة في 42علامة  فقط،  مرتبطة بالأمراض الطويلة المدى أو الخطيرة والمكلفة.

ج- علاوة  على  ذلك، وعلى استثناء بعض الخدمات الطبية ومواد العلاج (أدوية وتحاليل…)، يشترط في استرجاع  المصاريف-  بعد الاستناد  للتعرفة  المرجعية ,  أداء مقابل/ ثمن» التذكرة الاعتيادية»
ومن  ثمة، تتضح  جلياً؛ مفارقة إجبارية أداء واجب الانخراط مقابل تعليق حق العلاج أو الحق في استرجاع  المصاريف،بشروط تقصي ذوي الدخل المحدود من الاستفادة من هذا النظام على كل علاته…

… لذلك، يحق توصيف الواقع بما نعتناه ب»المفارقة  العجيبة»:تضامن الفقراء مع  الأغنياء، عكس «المعلن» ومنطق الأشياء وما هو متداول في بلدان أخرى…
أما النظام  الثاني، نظام المساعدة الطبية  للمعوزين،  فواقع  الأجرأة والتنفيذ اتجه ويتجه نحو إلغاء ما يسمى ب»مجانية العلاج»… إنه يشمل طبقاً للإحصاءات  الرسمية 8,5 مليون حالة  إيعاز، بميزانية في حدود 03  ملايير درهم، وذلك بمعدل 07 في المائة من النفقات الإجمالية للصحة…( 47,8  درهم  سنة 2010 حسب الحسابات الوطنية للصحة)، أو ربع المعدل الوطني (350 درهم مقابل1450درهما للفرد في السنة استنادا لنفس الوثيقة ).

د- النظام الأول والثاني  معاً، «التغطية» و»المساعدة» الطبيتين-وهذا ما يتضح  بجلاء- لا يغطيان  وبتفاوتات  بينة، سوى ما يعادل 58 في المائة من المواطنين والمواطنات، بميزانية إجمالية هي حوالي ربع النفقات الإجمالية للصحة… فما وضع ومصير الباقي؟
إنه الأداء القبلي المباشر ( 53,6 في المائة سنة 2010 )، علماً أن واجب  الانخراطات- ومن دون احتساب تكاليف التأمين الحر على المرض-  يمثل8,8 في المائة من النفقات الإجمالية للصحة.

ذ- وعليه، فإن الإجراءات التطبيقية لمدونة التغطية الصحية الأساسية، اتجهت وتتجه صوب تقليص الميزانيات العمومية إلى حدها الأدنى… وذلك  بتزامن مع استحواذ كل من الاستهلاك الطبي على 89 في المائة من النفقات الإجمالية، والتدبير الإداري على ما يناهز 10 في المائة…

ح- عموماً، ومهم كانت «النيات»، فإن النموذج  الصحي،  الطبي والعلاجي الساري المفعول،  يبقى بعيداً كل البعد عن النظام الصحي بمفهومه  الشمولي، المندمج  والناجع، ومعرض-  بصفة مستدامة-  لتعثرات  جمة، وناجمة عن ارتفاع تكلفة العلاج في محيط  معولم  ومدعم لإغراءات العرض الطبي السالكة لمنطق «البحث عن الترميم» ومسلسل «الانغماس في الترقيع»، باسم الإصلاح و»الحكامة  الجيدة»…
وعلى سبيل المقارنة, رغم وجود  الفارق، تنفق الولايات المتحدة في الصحة والعلاج 60 مرة أكثر من المغرب (8534 دولار للفرد في السنة )، من دون ضمان الولوج إلى العلاج لحوالي سُدُسِ الأمريكيين…

مـن الأول:  ثبات النظام و«تبضيع» الصحة والعلاج…

«خطوة كبرى» لتبضيع  الصحة  وتشييئها  في بلادنا، ولتراجع الدولة عن  التزاماتها، من خلال عزم الحكومة على تحرير الاستثمار في المصحات الخاصة أو الخصوصية، ابتداء من2014، عبر البحث الغامض عن تمويل معلق للعلاج…
… لقد حان وقت المراجعة  والتصحيح، بل دقت ساعة اجتراح البديل المتمثل في استئصال «الداء الفكري والثقافي والمؤسساتي المنتشر»، وهو ما يقتضي- من جملة ما يقتضيه- تشريح جوهر النظام الصحي وبنيته التحتية…
لقد تحول الثبات على الإطار المؤسساتي الموروث عن الاستعمار،منذ أوائل القرن العشرين، إلى عائق  بنيوي- في الفكر والممارسة-وكابح  للتطلعات، للأهداف  التنموية، ولكل الأحلام في مغرب الألفية الثالثة…
في زمن الاستعمار المباشر  وقبله،  تميز الوضع الصحي  بالكارثية،حيث مهد الطريق للغزو الاستعماري ويسر اختراقه وبيض وجهه.
وفي أوج التحضير لقبضة استعمارية عميقة على المغرب، فالليوطي  الباحث عن «التحكم في الأبدان والنفوس  معاً»، مخاطباً كل  فرنسا: «اِعطوني مقابل كل  تجريدة عسكرية طبيباً واحداً فقط»…
ليوطي، ومن بعده  وقبله، كان عارفاً بما يريد… ذلك أن فتح الباب للاستثمار الأجنبي وتشجيعه، رهين  بتهدئة الأوضاع  الأمنية،بتلطيف  الأجواء، وبحماية المغاربة صحياً كيد عاملة «معافاة»،رخيصة أو بالمجان… لقد  سارع، تفعيلاً  وتنفيذاً  لمنظوره، وتفادياً للمقاومة  بفاس  ومحيطها  الجبلي، إلى نقل العاصمة للرباط سنة 1913. كما عمل على خلق قطب اقتصادي رائد بالدار البيضاء،وفتح ورش البنية التحتية لاستغلال الثروات والعباد (السكك الحديدية- الطرق المربحة- التكوين المهني- التطبيع الثقافي…).
وباسم « الواقعية» و»التدرج»، وضع على صعيد العقود والالتزامات  والقوانين، الترسانة والوسائل المؤسساتية المناسبة لبلوغ الأهداف المرسومة للاستعمار… وبالفعل حقق المشروع،  في حينه  وإبانه، تحسناً ملموساً وملحوظاً في الوضع الصحي والاجتماعي بالمناطق المحظوظة، وذلك بتزامن مع استنزاف الثروات وارتفاع الهجرة بالمناطق المعزولة نحو محيط « المغرب النافع»…
حصل المغرب على استقلاله  السياسي، ورافقته سلبيات فترة الاستعمار المباشر، وضعف  التأطير الوطني، واتساع الفوارق المجالية (المغرب النافع وغير النافع)  والاجتماعية (أقلية محظوظة مقابل أغلبية مفقرة)، وعدم تكافؤ الفرص في ولوج الخدمات الأساسية، وضعف الإنتاج  والإدخار الوطني والميزانيات المرصودة لها، وعدم تطابق العرض الطبي- على الخصوص- مع حاجيات أوسع الفئات…
بعد «الاستقلال»، وباسم «الواقعية»، استقر المغرب على «تقليد سد  الثغرات»، من دون المس بثبات  النظام الموروث عن الحماية… وبواسطة «الترميم» تحت «شعارات  الإصلاح»، انطلق التعامل مع هذه الملفات بزعامة الدولة المباشرة حتى أواسط ثمانينيات القرن الماضي، وبصفة غير مباشرة بعدئذ…

5 - الصحة عمق استراتيجي: من «الثبات» إلى «التغيير»، ومن معالجة الأعراض إلى التصدي لأصل الداء…

… لابد  من  القول؛ « حصادنا  الصحي، وغيره، محصلة ما زُرِعَ وما نزرع»… يتضح  ذلك مثلاً في جوهر «الاستراتيجية القطاعية للصحة 2012 - 2016» ، الوفية لمنطق الثبات على موروث تشكل في فترة  الاستعمار، واكتمل  بعده، على امتداد قرن وزيادة من الزمن…
إن السلبيات  المتراكمة، التي يسلم الجميع  باستفحالها، هي- في البدء  والمنتهى- نتائج  لأسباب، أعراض ا لداء، ومخلفات طبيعية لاختيارات غير طبيعية، وفي أحسن الأحوال متجاوزة… وبما  أن التوجهات المعاصرة تدعم الانزلاق، فإن التحكم في المصير وضبطه يمر عبر مراجعة المبادئ والأسس الرافعة للاستحقاق الصحي الموثوق في صحته، لا عبر «سد  الثغرات» و»ترميم المرمم»…
عمق الصحة استراتيجي في كل شيء. لذلك يستلزم البديل الموثوق، من جملة ما يستلزم، الالتزام المشترك والمتشارك بالحكمة في تحديد آليات «الحكامة  الجيدة»…
وبما أن كسب  الرهان، والصحة رهان  وطني، يقوم على تكامل الأدوار على صعيد الاحتراس والوقاية قبل العلاج، فإنه يرتبط -في آن  واحد-  بالتجنيد، وبالتالي بالتحفيز… ويتوهم مَنْ يعتقد في إمكانية تجنيد الناس في غياب المحفزات  الملموسة، أو ضد أنفسهم ومصلحتهم…
إن الصحة ومنظومة التطبيب والعلاج عموماً، وسيلة وهدف للتنمية المستدامة، حيث أقر توافق المنتظم الأممي عام 1988 ذلك، في تقرير السيدة  برينتلاند (رئيسة المنتدى العالمي للبيئة آنذاك)،كمكسب من مكاسب البشرية الكبرى لحظتها…
غير أن الانسجام مع منظور « التنمية الكفيلة بتلبية الحاجيات الآنية، دون رهن قدرات الأجيال المقبلة على تلبية  حاجاتها»، لا يعبر عنه، ولا يجسد رؤيته  أبداً، منطق «سد الثغرات»… إنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً، بسلامة الاختيارات النظامية والفكرية والثقافية… المنطلقات والمقدمات  الصحيحة، تقود إلى النتائج  الصحيحة،وترسم الطريق إليها في آن واحد.
عند الاقتناع بجدوى التغيير والتشييد، يصبح التعاطي الواعد مع إنعاش الصحة استحقاقاً وطنياً ممكناً، ليمر عبر مراجعة جذرية للتنظير والتشريع، ولتوزيع الحقوق والواجبات بين الفاعلين والمستفيدين من الخدمات  الطبية، وقبلها بين الحاكمين والمحكومين على صعيد الوقاية والاحتراس…
وفي غياب توجيه النظام الصحي بالعمق الاستراتيجي اللازم…العمق الذي يمليه العلم  الملتزم، وتفرضه القوانين الطبيعية الأزلية على البشر… يتحول البحث عن رفع جودة هذا النظام، إلى أمنية مستحيلة المنال.
لا مفر  إذن، من التصدي للأسباب  والمسببات، لأصل الداء والمرض، ولجذور الأزمة  وعواملها، قبل كل شيء وأي شيء…

 التطلع للأفضل  قدرنا، واجبنا، وهو بأيدينا وعقولنا، وفي متناولنا…

إن التطلع إلى الأفضل هو قدر مغربنا وكل الفعاليات والقوى الحية  ببلادنا، في الصحة وغيرها… هو مهمة الأطر الطبية  أولاً،وكل الفاعلين والمؤسسات والمنظمات العاملة في الصحة وخارجها(…)، شريطة تحمل مسؤولية الاختيارات في التشخيص والاقتراح والتنفيذ بواسطة «النقد والنقد  الذاتي»، ومنظومة للتقييم والتقويم موثوق في علميتها وموضوعيتها… وذلك تأسيساً وتشييداً لصرح وشروط وقواعد ومستلزمات استرجاع الثقة والتحفيز على المشاركة، واستعادة المصداقية  وصونها، واكتساب القدرة على التأثير الإيجابي في مجرى المستجدات والأحداث…

* المداخلة التي ألقاها مولاي أحمد العراقي، عضو المكتب السياسي، في لقاء مفتوح بالجديدة