ينطلق العروي من أن” المؤرخ عدو السياسي” إذ يعريه ويكشف  لاتاريخية أفكاره، ويحدث أن يكون الذي يكتب التاريخ “آلة تصوير تنقل ما يجري ويحدث دون زيادة أو نقصان” يقول رايموند آرون.

في حوارهما المشترك مع مجلة” جون أفريك” مباشرة بعد إقالة حكومة مولاي عبد الله إبراهيم قال المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد أن مشكل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ليس مع رضا اكديرة بل مع الحكم الفردي المطلق.

كانت فترة خاصة بكل المقاييس، فالإتحاد الوطني للقوات الشعبية كان يشكل قوة معارضة حقيقية مستفيدا من تفاهمات بين الجناح السياسي والجناح النقابي وجناح المقاومة، ومستفيدا من زخم الإنجازات الحكومية خصوصا ما يتعلق بالوضعية المالية للمغرب.

إذن، كان الحزب في موقع قوة وكانت الموازين تميل نسبيا لصالحه، أو على الأقل تمنحه هامشا أكبر للمناورة، ولهذا كان من الطبيعي أن يرتفع سقف الخطاب ويتخذ شكل مواجهة صريحة مع النظام.

وبين   1960و1975  تعرض الحزب لعنف مادي مكثف ومتنوع فاق المعايير المسموح بها في إطار التدافع حول السلطة، كان  من نتائجها  المرور الطبيعي الى مراجعة الطريقة والأداة دون مراجعة الهدف والغاية، إذ سيتم الالتجاء الى الإصلاح عن طريق العمل من داخل المؤسسات عوض الاختيار الثوري  الجذري . ستتم تغليب الأطروحة السياسية التي قادتها مجموعة  محور الرباط – البيضاء عوض الأطروحة الثورية بقيادة محمد الفقيه البصري وعبد الفتاح سباطة والمهدي بنونة والتوزاني ودهكون.. في هذه الظروف الجديدة التي أرغمت الحزب على تقدير تصور للمرحلة يراعي موازين القوى آنذاك التي كانت تميل كليا للنظام، وكان الحزب آنذاك محتاجا إلى أفكار تستقرئ التاريخ كما يجب، وليس خلافيا أن تميل كليا للنظام، وكان الحزب آنذاك محتاجا إلى أفكار تستقرئ التاريخ كما يجب، وليس خافيا أن التحليل الملموس الذي مورس على واقع المرحلة كان موفقا جدا وكان تاريخيا تماما.

والحال أن محمد عابد الجابري وعبد الرحيم بوعبيد وعمر بنجلون استقرؤوا المرحلة كما يجب واستبقوا تداعيات الاستمرار في اختيار جذري يواجه بنية الاستئصال الكلي والنهائي. ولا يخفى في هذا الباب أن الجابري عندما كلف بصياغة تقرير اللجنة المركزية توقف مطولا عند تجربة ومآل الأحزاب الشيوعية والحركات الماوية خصوصا التي تصلبت في أدواتها وأهدافها، وحذر من سوء فهم التاريخ وعدم التجاوب مع إشاراته، وهو الطرح الذي سيكون مؤثرا في التوجه نحو المراجعة  الاستثنائية لاحقا في 1975.

بتزامن مع منعطف 1975  الذي أنتج خطابا خاصا أكثر عقلانية يهدف بالدرجة الأولى إلى إنقاذ جزء من حركة التحرر الوطني من الانمحاء التاريخي نتيجة تعسف النظام، ولهذا سيتم تشجيع الخطاب حول الدولة الوطنية وحول أسبقية الوطن على الحزب، وهو نفس التقدير الذي سيذهب اليه الحزب في بداية التسعينيات وسيختتم بين سنتي 1996 التصويت السياسي على الدستور و 1998 قبول قيادة حكومة بصلاحيات محدودة).

إذن بين 1975 و1998 تم إنتاج خطابين معقولين يلائمان طبيعة المرحلة وملابساتها، في الأول تم إنقاذ الحزب وفي الثاني تم الإسهام في إنقاذ الوطن.

اليوم نعيش مرحلة خاصة خارجيا وداخليا، فالمملكة تتعرض  لمزيد من الانتقاد الخارجي على خلفية فشل مشروعها التنموي بعد خمسة عشر عاما من اعتلاء الملك محمد السادس الحكم، ورغم المجهودات المبذولة من قبل المملكة لتحسين ظروف عيش مواطنيها، فإن النتائج تبقى محدودة رغم التحسن الظاهر في مؤشرات الثروة اللامادية التي يعكسها جو الاستقرار الاجتماعي والأمني والسياسي الذي تعرفه المملكة. وأمام وضع كهذا فجهود الدولة ستتجه حتما الى تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية أساسا مقابل تأجيل للإصلاح السياسي. كما أن الدولة ستعمل بكل الوسائل لتوسيع قاعدة الإجماع الوطني حول النظام السياسي وحول المصيرية للمملكة.

في هذه الحالة اي خطاب كان الحزب سينهجه في مواجهة الدولة؟ هل كان سيرفع سقف خطبه الى مستوى خطاب الستينيات حيث سينتقد أداء النظام صراحة؟ أم كان سيكون أكثر تقية وبراغماتية كما هو الحال في 1975″ أم أكثر وطنية كما هو الحالة في 1998؟

في 1960-1961 كان الحزب قويا، بتنظيمه ونقابته ومقاومته والتكتل الشعبي حوله، وفي 1975 كان قويا بحجم التضامن الدولي معه وصلابة مناضليه، وفي 1998 كان قويا برصيده النضالي والتاريخي وبحجم الإنتظارات الشعبية المعقودة حوله لإنقاذ البلاد.ولا يجب أن ننسى أنه لأول مرة ستتحول انتظارات المواطنين من جهة إلى أخرى.

يجب أن نعترف اليوم أن الحزب ضعيف جدا والقيادة التي ترث حزبا منهوكا في ظروف تاريخية وتنظيمية صعبة كهذه هي قيادة محظوظة نهائيا، تم أن هوامش المناورة ضيقة أمامها، إذ أن عملية إحياء خطاب الستينيات والسبعينيات سيكون بمثابة قفزة في الهواء إن لم يكن انتحارا حقيقيا.

يجب الاعتراف ان الدولة العميقة رسمت الحقل السياسي بما يكفي ولم تعد لمحاولات التغيير المقابلة إلا آثار محدودة سرعان ما يتم الالتفاف حولها وبسرعة كبيرة، ولعل صمود الدولة أمام حراك ما يسمى بالربيع العربي وتكيفها مع شروطه وقدرتها  على توجيهه مثال بارز على ضعف هوامش المناورة لدى باقي الفاعلين.

لا يتعلق الأمر بخطاب انهزامي ومستسلم وتبريري. إن حجم الضغط الخارجي سيزداد على المملكة من طرف المؤسسات المانحة والمنتظم ألأممي في مواد التنمية والثروة وحقوق الإنسان والإصلاح السياسي، وسيكون من المفيد التنبيه إلى أن التجربة علمتنا إلى أن هذا النوع من الضغط غالبا ما يكون مقدمة لضغط مصالح عابرة للقارات يستغل تعطش الشعوب للتغيير ويدفع التعبيرات التي تمثلها إلى التحرك دون إنتاج للظروف مما يوفر لها فرصة إضافية للتدخل والتوجيه والتحكم والاستنزاف.

في وضع كهذا متسم بضعف واضح للحزب وبمخططات منتظمة للقوى الاستعمارية العظمى، يفضل أن يسلك الحزب مسلكين ويتبنى خطابين متوازنين، مزيدا من الوطنية في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، والحال أن هذا الأمر يشكل عقيدة حزبية، وأن يتصرف مرحليا بكثير من البراغماتية والنفعية السياسية، فالحكومة والمعارضة آنيا هي خلف الملك وعلى الدولة العميقة لاحقا تدبير  نتائج هذا الوضع الذي تلغى فيه حتى شخصية المعارضة لصالح الوطن. ليس من مصلحة الدولة العميقة نهائيا وضع مؤسسات الوساطة في وضعية إلغاء أو وضعية تبعية صريحة أو مقنعة،  أو جرها لمزيد من سلوك التقية والترضية والنفعية يجب الانتباه  الى أن عبارة ” كل شيء للملك” كانت قاتلة تاريخيا، فبالقدر الذي كان محيط الملوك يقدم للجالسين على العرش وليمة الإجماع كان يدس هدية مسمومة، مزيدا من قتل  السياسة  ومزيدا من مصالح البطانة ومزيدا من عزلة الملك،  وهكذا عندما ارتاح لويس 16 لتقارير مستشاريه وخطاب النخبة السياسية المحشو بالولاء المطلق، كانت ثقة الشعب في السياسة تنعدم لتتحول إلى سخط شعبي، في حالة المملكة من المؤكد أن الأمر ليس كذلك ولا حتى قابل للمماثلة والمقايسة، ومع ذلك فالدولة تعاني من أرق العزوف الانتخابي وتعاني من ديمومة وتوفر البدائل السياسية ولو لتنفيذ العمل التقني السياسي، والنخبة السياسية، أو على الأقل جزء منها يعاني صراحة من هذا الاختباء المكيافيلي وغير المقبول وراء الملك ويتنبه إلى مكاسب هذا النوع من الخطاب المغالط واستنزاف خطابها المعارض.

وفي مستوى ثالث يجب على الحزب الاستمرار في تبنيه لمطلب الملكية البرلمانية وتنويع حلفائه داخل الكتلة الوطنية وحتى الكتلة التاريخية أن يحافظ على مسافة معقولة مع الجميع بما في ذلك النظام. ما قاله إدريس لشكر في برنامج ” مباشرة معكم” بأننا” معارضة جلالة الملك” ردا على قول” السيد نبيل بنعبد الله وزير الإسكان والتعمير في حكومة السيد عبد الإله بنكيران الذي يمثل الحركة الإسلامية يجب أن يقرأ ويفهم جيدا، وضمن هذا السياق بالذات.

في حياة الأحزاب السياسية دائما هناك خليط من المنتسبين، نشطاء واقعيون و افتراضيون، مثقفون ومنظرون وحكماء وأطر وأعيان وممولوا انتخابات، وسطاء ورسل وحاملو رسائل، دائما هناك منتسب خاص وأكثر جرأة وأكثر جدلا ويجيد البوليميك، والخطابة والمواجهة، يتم وضعه في مقدمة المدفع لامتصاص الضربات وتمنيع جسم الحزب من آثارها المباشرة.

في توصيفه مرة لنيكولا ساركوزي، وكان آنذاك وزير داخلية باسم” الاتحاد من أجل الحركة الشعبية” قال جاك شيراك إن ساركوزي هو مصد ضربات”          « Sarko est un parchoque » وفي كل الأحزاب، ولا سيما تلك التي عانت من العنف المادي، كان هناك منتسب أو منتسبون بمثابة مصدات( بارشوكات)، توكل لهم مهام الرد والمواجهة أو تعريف الضغط.

وفي مؤامرة 1963 وحالة الاستثناء واعتقادات بداية السبعينات كان عبد الرحيم بوعبيد والمهدي العلوي والسي محمد اليازغي يقومون بهذه المهمة، ومنذ بداية تفاهمات الحزب مع نظام الراحل الحسن الثاني،كان عبد الهادي خيرات وإدريس لشكر يقومان بالمهمة الحزبية وجرأة واضحة.

وعندما تعرضت تجربة اليوسفي الحكومية للهجوم كان الاثنان يتناوبان على مزيد من المواجهة، سيصطدم لشكر مع محيط الملك في مناسبتين، انتقادات مستشار الملك اندري أزولاي للأداء الاقتصادي للحكومة وانتقادات السيدة زليخة نصري للأداء الاجتماعي للحكومة، وسيتعرض لهجومات الباطرونا في شخص السيد عبد الرحيم الحجوجي، وسيوفر خيرات مزيدا من التغطية الإعلامية على خطة لجن التقصي والتحقيق في المؤسسات العمومية، كما سيغمز لاحقا في ” الأمير الأحمر”.

والحال أن من يعيش هذه التجارب من داخلها ويعرف بالضبط  الضغوط والمقاومة والاستهداف الذي عاشه الحزب كثيرا ، ويعرف بالضبط  وضع الحزب في السابق ووضعه الحالي، لابد أن يحلل الوقائع بشكل ملموس ويكيف الخطاب الملائم لها ، وأن أقصى ما يمكن إعلانه، وأركز على كلمة إعلانه، هو الاستمرار في عقيدة الوطنية والتدرج في إنجاز الملكية البرلمانية، وسلوك حق مقبول من البراغماتية والتقية. وبالمقابل يستحسن بموازاة مع ذلك، تشجيع الاختلاف الفكري أكثر والسماح بتعدد في الرأي بما في ذلك اعتبار قاعدة” التحليل الملموس للواقع الملموس” مجرد تبرير للخوف.

علق المرحوم محمد جسوس مرة على مسألة التحليل العلمي للوقائع الاجتماعية والسياسية بالقول إن الباحث في العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها ينجح في فهم الظواهر وتحليلها من تجربته العلمية وبأدواته ومناهجه العلمية، إلا أن الذي يعيش الوقائع، خصوصا في السياسة، غالبا ما ينجح ليس فقط في فهمها ولكن أساسا إنتاج وضعيات وخطابات مناسبة لها.

للإشارة السي محمد جسوس كان عالما وكان مناضلا سياسيا، التحليل الملموس للواقع الملموس.