لماذا هذا الرد القوي والساخن على سعد الدين العثماني؟

لقد اخترت أن يكون ردا على العثماني وحوارا مع الحزب، والذي دفعني إلى ذلك هو أنني أنصت إلى خطابه الذي وصفته بالنشاز، فأرعبني من حيث حمولته التي تذكر بزمن الفتن الإيديولوجية التي وصفتها بالمستنقعات، والتي ترتكز من جهة على ما أسميته بالأساطير المؤسسة، والتي غالبا ما تحتاج إليها الحركات خلال تأسيسها، خطابات لا يهم فيها مطابقتها للحقيقة، بقدر ما تهتم بالتحريض والتعبئة، وكنت تصورت أنه تجاوزنا كل هذا، سواء عن طريق المؤتمر القومي الإسلامي، أو عن طريق الحوارات التي أجريت في المغرب على عدة مستويات والتي منعت الاصطدام، بناء على ما أنجزه التقدميون والإسلاميين المغاربة، والتي توجت بدستور 2011 وتشكيل هذه الحكومة، لكنني لاحظت أن خطاب العثماني يمثل ردة.

أين عثرت على هذه الردة بالضبط؟

في القضايا التي ذكرتها في الرد، والبداية بقوله إن الزعيم الخطيب هو الذي أسس للتعددية وحماها، وهذا خطاب فيه تغليط كبير.

لماذا؟

لأن تأسيس الحركة الشعبية كان في سياق تمييع العمل الحزبي وليس بهدف إغناء التعددية، وذكًّرته بأن قانون الحريات العامة لسنة 1958 يعد في حينه أرقى ما هو موجود عالميا، لكن الذي حدث ويحدث اليوم هو التلاعب بالقانون وبالحقوق بما في ذلك المبادئ والتعددية، لأهداف لا علاقة لها بالتعددية، ثم تحدث عن اليسار الانقلابي وكان غامضا في خطابه، حيث تحدث عن الماركسيين ففهمت أن المقصود بكلامه هم الشيوعيين، والحال أنهم الأبعد عن الإيديولوجيا الانقلابية، ولذلك بقي من هذا الخلط الحركة الاتحادية، فأوضحت أنها لم تكن انقلابية، ثم جاء بالحديث المصطنع عن كون علال الفاسي مورست عليه من قبل اليسار ممارسات مسيئة إليه، فكانت مناسبة لكي أوضح بأن الصراع لم يكن مع علال الفاسي وإنما مع الإطار الذي قبل الزعيم أن يلقي محاضرته ضمنه، ما يسمى بـ”الاتحاد العام لطلبة المغرب”، وقلت إننا كنا ضد هذا الإطار من باب وحدة الحركة الطلابية، ولأن تفكيك النقابات إضرار بها ومخطط مخزني استعماري سقط فيه حزب الاستقلال للأسف كما سقط فيه حزب العدالة والتنمية لاحقا، كما سقط فيه الاتحاديون في ما بعد بمزيد من التشتيت، حيث كنا كحركة طلابية متشبثين بالوحدة النقابية ضد أي تفتيت، وبالتالي فالخلاف لم يكن مع شخص علال الفاسي ولا مع فكره أو توجهاته، وإنما حول هذا الإطار الطلابي التقسيمي والاستضعافي زمنئذ.
ثم تحدث عن قضية الصحراء التي اعتبرها منتوج الحرب الباردة، وكأن الجزائر تصرفت باعتبارها في المعسكر السوفياتي ونحن في المعسكر الإمبريالي، وهذا غير صحيح، حيث أوضحت بالدلائل التي تثبت أن قضية الصحراء لا علاقة لها بالحرب الباردة، بل هي بالضبط منتوج الصراع الأمريكي الأوربي في المنطقة، وأن المسؤول عنها هو الإمبريالية الأمريكية، وأن الجيش الجزائري وقع في هذا الفخ، وخلصت وقلت أن خطاب العثماني في هذا الموضوع تغليطي وإيديولوجي يريد أن يخفي حقيقة العدو في الماضي كما في الحاضر، وهو الولايات المتحدة الأمريكية.
أما الذي حفزني أكثر على الرد، فهو علمي أن الكونغرس الأمريكي، في نفس اليوم، أوصى الحكومة الأمريكية بالعودة إلى الحرب الباردة ضد روسيا، وقاطعت بين الخطابين، وسواء أكانت بينهما علاقة أم لا، فإن التطابق حاصل ويوحي بنفس التوجه، ألا وهو العودة إلى الصراعات المؤدلجة والتي تنذر بالحرب القذرة، وبعد أن خاطبت أحد الإخوة في العدالة والتنمية، تأكد لي أن هذا الخطاب مازال منتشرا وسط الحزب ولا يخص العثماني وحده، فلم يعد همي الرد على العثماني، ولكن الحوار مع قواعد الحزب والتوضيح للشعب المغربي، لأحذره من مثل هذا الخطاب، خاصة أننا ملغمون بألغام كثيرة في ما يدبر للمنطقة العربية بأكملها، تبدأ بالكلام وتنتهي بالإجرام.
إذا كان الخطيب قد ساهم في تمييع العمل السياسي من خلال ظهور الحركة الشعبية، فعلى الأقل يحسب له موقفه في رفض حالة الاستثناء في منتصف الستينيات كما يقول زملاؤه والمؤرخون..
لقد تحدث العثماني عن الحركة الشعبية باعتبارها تأسست في سياق الدفاع عن التعددية الحزبية ومواجهة خطر الحزب الوحيد، لكن الحقيقة التاريخية تؤكد أن ظهورها، كان مخططا لتمييع العمل الحزبي وإضعاف الحركة الوطنية-الاستقلالية، ثم أظهرت أن التحاق زملاء العثماني بالحركة الشعبية كان اضطراريا، وقد جاء بعد أن ذهبوا في البداية إلى عبد الله إبراهيم واشترط ما يشترطه أي حزب يحترم نفسه. وذلك فضلا عن اتصالهم بحزب الاستقلال نفسه، والذي يطعن في تاريخه راهنا(؟!). وذلك قبل التحاقهم بالحركة الشعبية اضطرارا، والمرجح أنه قرار الإدارة وليس اختيارهم، وإذا كان بعضهم يريد أن يتخلص من هذا الإرث، فإن العثماني يتشبث به، وذلك نظرا لدلالاته التي تفيد أنهم حزب إداري لا إصلاحي أو شيء من هذا القبيل، وهذا بعض من التناقضات التي تعتمل في البيت الداخلي لحزب العدالة، ثم لا تنسوا أن للعثماني علاقة بالمخطط الإمبريالي الصهيوني في فتنة المشرق العربي.
وأوضح بالمناسبة أن علاقة الخطيب بجيش التحرير، فيها التباسات كثيرة، لقد كان مسؤول التنسيق الخارجي في جيش التحرير (المفترض أن يكون له إلمام بلغة أجنبية ووعي سياسي) هو عبد الرحمان اليوسفي، ولكنه حدث أن اضطر لعملية جراحية حينها على الرئة، فأزال واحدة، بسبب، مآسي النضال مع الطبقة العمالية في المناجم، فبقي المكان فارغا وفاتحوا عبد الله إبراهيم في الأمر، فاعتذر، وسألته يوما عن سبب الاعتذار، فقال لي: إن جيش التحرير بدون رؤية فكرية، والسلاح بدون نظرية يرتد حتما على صاحبه (ما يحدث الآن في القاعدة و”داعش”)، لذلك ركز هو وأمثاله على الطبقة العاملة وحزب الاستقلال والصحافة “العلم”، وعندما تخرج الخطيب طبيبا وعاد إلى المغرب اتصلوا به ليشغل الموقع الذي لا علاقة له به سابقة، لأن الخطيب لا تاريخ سياسيا له، فبالأحرى أن يكون له تاريخ عسكري، وما أن التحق بسكرتارية جيش التحرير وانطلقت المفاوضات، حتى سارع إلى تنفيذ الدور الموكول إليه، وهو أن يشرف على التآمر على جيش التحرير بحله.
وأما مسألة الفضيلة المتعلقة بنقده لقرار الحسن الثاني في إعلان حالة الاستثناء وحل البرلمان (1965)، والتي يبدو فيها الخطيب وكأنه يدافع عن الشرعية والمؤسسات والدستور.. فهذه “الشجاعة” قابلة للمناقشة، فلقد كانت لديه مصلحة شخصية أولا وذلك باعتباره كان رئيسا للمجلس، وحل المجلس يعني فقدانه موقعا دستوريا معتبرا في هرم السلطة، لكن الأهم في هذه “الفضيلة” أنها تنتمي إلى نفس منطق جبهة “الثورة المضادة” والتي عرقلت أي تقدم نحو الانتقال الديمقراطي وبناء المؤسسات وسيادة القانون.

كيف؟

حالة الاستثناء التي قررها الحسن الثاني في خطاب، تعني رفضه لكل ما دبره أوفقير ومن معه منذ الاستقلال إلى منتصف الستينيات، وهي شبيهة بالقرار الاستدراكي الذي اتخذه بعد عقود بمقولة “السكتة القلبية” وتشكيل حكومة التناوب التوافقي الأولى (1998).
الملك الراحل أراد بقرار حالة الاستثناء أن يقول للجميع أنه غير راض على ما وصلت إليه البلاد بعد مسلسل دستور (1962) الممنوح و”جبهة الدفاع عن المؤسسات..” والتي كان من مؤسسيها الخطيب، وادعاء مؤامرة 1963 واعتقال الاتحاديين بالآلاف (الفقيه البصري وعمر واليوسفي…) ومن تم تراجعه عن ذلك النهج بكامله، بعدما انتهى إلى كارثة وذلك بانتفاضة 23 مارس 65 (التي ساهمت فيها واعتقلت بسببها)، لقد قرر القصر فسخ تحالفاته مع أنماط أوفقير وكديرة وبالتالي الخطيب، واستئناف العلاقة مع القوى الوطنية والديمقراطية. سيتعثر المسعى عن قصد حتى نهاية العقد التاسع، لينتصر متأخرا مع عبد الرحمان اليوسفي وحكومة التناوب.
ولذلك فحينما قرر الملك الراحل حالة الاستثناء، فلكي يراجع الإدارة والسياسة والدستور والمؤسسات، ويعيد الاعتبار للتحالف الأصلي والموثق في وثيقة المطالبة بالاستقلال مع الحركة الوطنية، والتي تم التخلي عنها من قبله، ومن تم التحالف مع الاستعمار الجديد وعملائه في الإدارة والمجتمع، فكان من نتائج ذلك مآسي 23 مارس 1965، والتي كان بطلها الإجرامي هو أوفقير، وقبلها حملة اعتقالات 16 يوليوز 1963، والتي اعتقل فيها ما لا يقل عن 10 آلاف من خيرة مناضلي ورموز الديمقراطيين المغاربة، ولذلك حينما أحس الجناح اليميني في السلطة بأن القصر بصدد إعادة تحالفاته في اتجاه القوى الديمقراطية، اختطفوا واغتالوا المهدي بنبركة لمنع التحالف بين القصر والحركة الديمقراطية، فتوقف الحوار (إفران)، وعاد العنف وأضحى القصر أكثر ارتهانا لقوى اليمين الإداري والطبقي، وحتى إذا ما عاد للتفكير لاحقا في الإنقاذ، وذلك بالتحالف مع الذين أنقذوه سابقا، وأعادوه إلى العرش (1955)، دبروا له مباشرة أو بشكل غير مباشر، محاولتي انقلاب (71 و1972) وبهذا الشرح والتدليل يصبح موقفه من حالة الاستثناء منسجما مع منطق الذين اغتالوا المهدي بنبركة والذين عرقلوا به، حوار التحالف بين القصر والقوى الديمقراطية عهدئد.

وما علاقة العثماني مع المخطط الصهيوني التي جاءت في كلامكم قبل قليل؟

العثماني كان وزيرا للخارجية، واندمج بشكل مطلق في مخطط “الربيع”، بل أكاد أقول إنه كان من بين شروط تشكيل الحكومة، وبإشراف غير مباشر من قبل حكومة قطر أن يكون العثماني وزيرا للخارجية، وبالتالي فإن الجناح الوطني داخل حزبه، كان ذكيا حينما قدم له تلك الهدية “المسمومة”.
لاحظ أنه حينما سقط العديد من الرموز الذين كانت لهم علاقة بالمخطط الأطلسي الصهيوني ومن بينهم هيلاري كلينتون التي دعاها بالمناسبة إلى مراكش ودنس بها هذه المدينة وسقطت، وسقط مباشرة بعدها، دلالة خروج العثماني من الحكومة، مرتبط بفشل المرحلة الأولى من المخطط الأطلسي الصهيوني، والذي سقط العديد من رموزها من الإبراهيمي إلى الأمير بندر وأمثاله في المملكة والحمدين في قطر، وروبرت فورد… وساركوزي قبلهم. وهكذا إلى أن وصل الدور على الإخوان (مصر، اليمن وتونس)، ويبدأ التحضير، لما نحن بصدده من الإرهاب المتأسلم بأسماء متعددة لمسمى واحد.

وبماذا ارتبط هؤلاء الرموز؟

ارتبطوا بالمخطط الأمريكي-الصهيوني حول “الشرق الأوسط الجديد”، ولذلك فإن خروج العثماني من الحكومة لا علاقة له بالسياسة الداخلية، وإنما بسقوط المرحلة الأولى من تلك الاستراتيجية التي تورط فيها الإخوان بدرجات مختلفة. “وتبييضة” لأجل مهمة لاحقة، حزبية غالبا (؟!)
وبالمناسبة فإن للعثماني علاقة أخرى بسوريا تستحق أن تحكى، فعندما صعد بشار الأسد إلى السلطة، اتصل بحزب العدالة والتنمية، وطلب من قيادييه زيارة سوريا، وربط العلاقة مع “حزب البعث” بها. وكان موقف العثماني متحفظا، لكن حينما طرح الموضوع في قيادة الحزب برز توجه الاستجابة.
وحسب الراوي المسؤول من الحزب، فإن الأسد تطارح مع الوفد القضايا التي كانت تؤرقه، وهي تقريبا نفس قضايا تولي الملك محمد السادس، كيفية تدبير الإرث الصراعي الذي تركه والده، كان يبحث عمن يساعده في تجاوز النزاع مع الإخوان المسلمين، وبما أن الحركات الإسلامية المشرقية لا يمكنها ذلك، لأنها معنية ومرتبطة بالصراع، فقد فضل توسط حزب العدالة والتنمية، خاصة أنه بعيد عن تلك الصراعات جغرافيا وتاريخيا وعقديا، وأقرب إلى الحركة الوطنية والديمقراطية المغربية.

وماذا كان موقف وفد الحزب؟

للأسف، وحسب علمي، فإنهم لم يقوموا بشيء. في هذا الخصوص في حين كان يمكن أن يلعبوا دورا مهما في الحوار، وذلك خاصة بالنظر لخلاصات ومحفزات الحوار القومي الإسلامي الذي دخله الحزب، وهو ما قد يدل على أن مشاركة الإخوان في الحوار القومي-الإسلامي لم تكن صادقة، وذلك مقارنة إلى حوارهم مع أمريكا.

وما علاقة حكومة عبد الإله بنكيران بقطر؟

قطر هي التي أشرفت على كل التدبير العربي في تطبيق استراتيجية “الشرق الأوسط الجديد”، وأنتم تعلمون كيف أن دولة “قناة الجزيرة” طبقت استراتيجية الفوضى الخلاقة من خلال برامج تساهم في الفوضى الذهنية والمفاهيمية… أما القرينة التي تؤكد العلاقة بين تشكيل الحكومة الحالية بقطر فهي وصول أميرها ليلة الاقتراع، ومعه عربون مالي سمين مقابل احترام نتائج صناديق الاقتراع، قامت قطر بهذه المهمة كوسيط للولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الحزب الفرنسي المسيطر في المغرب، علما أن هذه الأخيرة تعرف (وربما شرطت سلفا) أن الدستور الجديد يشترط الحزب الأغلبي قائدا للحكومة، لقد تم تخيير المسؤولين بين أن يتم احترام صناديق الاقتراع، أو يعلن المراقبون الأمريكيون أن الانتخابات مزورة، ويغير حزب العدالة والتنمية موقفه من حركة عشرين فبراير ويلتحق بها، وتنقلب كل الموازين والتوازنات، ولذلك فقد فوجئ حزب فرنسا بالنتيجة المعلومة، ولذلك أيضا تتم عرقلة هذه التجربة من قبله، وذلك باعتبارها صناعة أمريكية في نظرهم.

وماذا عن مسألة “المساندة الناقدة” وعدم تجسيدها من قبل حزب العدالة عن طريق تمثيله في ديوان الوزير الأول السيد اليوسفي؟

كنت أنا من اقترح على الوزير الأول المعين، السيد اليوسفي، ذلك خلال مفاوضات تشكيل حكومة (98) التمثيلية المتبادلة بين جميع الأحزاب المشاركة في دواوين وزرائها، وخاصة منها ديوان الوزير الأول. وأجابني “صار بالبال” وبالفعل وبعد تنصيبها اتصل بي السيد الحليمي لتنفيذ الاقتراح. وحيث تعذر الأمر على الحبيب طالب. عينت أنا وشبيبة ماء العينين عن حزب الاستقلال. أما الإخوان “المساندون” فلقد اعتذروا، باستثناء بنكيران (وقد كان أصلا مع المشاركة) وربما غيره أيضا، ما يعني أن الأغلبية في “العدالة” كانت تعلن “المساندة” شكلا ومؤقتا في حين هي تبيت قرار “المعارضة” فعلا.

نعرف أن علاقتك بسعد الدين العثماني قديمة..

جدا، وهو أول صديق لي في الحركة الإسلامية، وقد بدأت هذه الصداقة وليس العلاقة، مع مشكلاته في طبع مجلة “الفرقان” التي كانت المخابرات تضيق عليها، وقد صادف أن أسست رفقة بعض المثقفين “مطبعة قرطبة”، فتبنينا مسؤولية طباعتها (أواسط الثمانينيات)، ومن المفارقات، التي أثبتت الوقائع أنها غير غريبة، أن المجلة نشرت افتتاحية مباشرة بعد نشر المطبعة لكتاب “قبل السقوط” لفرج فودة، تقول “ناشر الكفر كافر”، فقلت للعثماني كيف يجوز هذا الحكم، ونحن نقدم لك المساعدة في عز الملاحقة ما يعني، أنه في الوقت الذي كنا صادقين في التعامل معهم، كان سلوك بعضهم غير ذلك.
من بين القضايا التي أثارت انتباهنا ونحن نعد لهذا الحوار، حديثكم عن الدعم المفترض الذي تلقاه المهدي بنبركة لتغيير نظام الحكم في المغرب، فما حقيقة الموضوع؟
هذا خبر، والذي أخبرني به هو الحبيب الفرقاني، الولايات المتحدة الأمريكية عرضت على المهدي بنبركة دعمه لتغيير السلطة في المغرب، تم ذلك في شروط بناء “طريق الوحدة” (1958) في الشمال ومحاضرته الشهيرة بتطوان والتي اتضح من خلالها، ولأول مرة، أن بحزب الاستقلال يسار لديه وضوح في الرؤية وفي قراءة الأحداث واستشراف المستقبل برنامجيا، والموقف خاصة من فرنسا وتجديد استعمارها للمغرب من خلال إعادة التحالف مع المخزن المركزي منه والمحلي، ونقده لمفاوضات إيكس ليبان وما لحق من تواطؤات ضدا على الحزب، وهو الخطاب الذي مهد لوثيقة “الاختيار الثوري” (1962)، ولذلك تم الاتصال به من قبلهم، ولا أدري شيئا عن مستوى الاتصال ومحتواه، والغالب أن الأمر اقتصر، كما العادة، على محض إشارات، في انتظار ردود الفعل.

ماذا قال لك الفرقاني بالضبط؟

قال لي أن الأمريكيين اتصلوا بالمهدي للقيام بعمل يغير نظام الحكم في المغرب، ولكنه لم يستجب. وحتى إذا فكر في ذلك فلن يكون في السياق الأمريكي، وقد بقيت لدي شكوك، إلى أن التقيت الفقيه البصري في الجزائر قبل دخوله المغرب فأكد لي الخبر.
وأريد أن أرتب على هذا “الخبر” خلاصة، مفادها أن اغتيال المهدي وبمساهمة أمريكية ومشاركة من قبل المخابرات وليس الدولة الفرنسية، (الجهاز الأمني المافيوزي) بعناصره الأربعة المعروفين، لا يفسره فقط التصدي لدور المهدي في مؤتمر القارات الثلاث، ولكن أيضا انتقاما منه، وأمثولة لغيره، ولدي حالة مماثلة، تهم الجنرال الدليمي، تؤكد أن الذي كان وراء تصفيته هي الولايات المتحدة الأمريكية، لكن للوصول إلى هذه الخلاصة، نحتاج إلى المرور عبر عدد من الدروب، فهذا الذي وقف ميدانيا على استكمال الوحدة الترابية، وذلك خاصة من خلال الجدار الرملي، كان مستهدفا لذلك…
القرينة الأولى، حينما قدم إلى المغرب المفكر والأديب حليم بركات (رئيس قسم الدراسات العربية في جامعة جورج تاون)، بحثا عن أساتذة لكرسي مستحدث للمغرب (80-1981) لم أكن أتوفر على جواز، لكنني تابعت الموضوع، كان المحاضرون المغاربة من مختلف التخصصات (الخطيب–جسوس…)، وذلك لعدد قليل من الطلاب تبين أنهم موظفون يؤهلون للتخصص في موضوع “المغرب” وعلى الهامش من المحاضرات، وبعد الألفة، وفي جلسات الاستراحة صرح بعضهم بالتالي: 1-أن مغربية الصحراء ثابتة بحكم الجغرافيا والتاريخ والثقافة… 2- ولكن ما يعقدها هو الملكية، وشرحوا أن ربط الصحراء بالملك هو الذي يضر بها على اعتبار أن هذه المؤسسة تستغل الصحراء لتوطيد التقليدانية، 3-إن حل قضية الصحراء، يكمن في إقامة نظام جمهوري والشخص الملائم لذلك هو الدليمي.

قالوها هكذا؟

نعم، أولا لأنه في نظرهم صحراوي، وثانيا لأنه يملك سلطة ونفوذا على الجيش بحكم أنه جنرال، كما لديه ثالثا علاقة بالمقاومة وجيش التحرير، لأنه كان يمثل الجيش الملكي في العلاقة مع جيش التحرير في الجنوب (1958)، كما أنه رابعا، كان مديرا عاما للأمن الوطني، فالأمن سيكون معه، ومن ثم فإن كل الشروط مواتية ليتم الرهان علي حل المسألتين معا وفي نفس الوقت: الحكم والصحراء (؟!)
القرينة الثانية كانت بعد فوز “ميتران” بالرئاسية، حيث كتبت جريدة “المحرر” في”مانشيط” كبير “الاشتراكيون الفرنسيون ينتصرون”، “المانشيط” فهم كرسالة من الكاتب الأول للحزب (بوعبيد)، هكذا احتمل البلاط، جمع الملك مستشاريه لمعرفة ما إذا كانت فرنسا تفكر في قلب تحالفاتها ودعم الاشتراكيين المغاربة، فتح نقاش ووقع خلاف، فتقرر أن يسافر شخصان للقاء “ميتران”، كديرة والدليمي، وذلك في الأسبوع الأول لصعوده(؟!)
وعندما عادا إلى المغرب وقدما تقريريهما، اختلفا في تقدير موقف “ميتران”، كديرة قدم صورة متشائمة عن “ميتران” واحتمالات سياسته المغاربية، فيما كان الدليمي يدافع على العكس، عرفنا لاحقا، أن قلب كديرة كان مع الولايات المتحدة الأمريكية عكس ما كان يعتقد، لدرجة أنه لم تقم له جنازة لائقة، وفي ندوة صحافية، قال الملك إنه لم يعد يثق حتى في الوسادة التي يضع عليها رأسه (في إشارة إليه)، الولايات المتحدة إذن، تأكدت بالحدث، أن قلب الدليمي ليس معها، كما قد يكون أوهمها، والمخبر المزدوج لا يعرف مكنونه الحقيقي، إلا بعد موته (؟)
سيناريو الأحداث اللاحقة، روته “البايس” كالتالي:
ستبيع “إسرائيل” خبر “التآمر” إلى فرنسا (مقابل رفع الحظر جزئيا عن توريد الأسلحة لها)، وذلك بناء على ملاحظة بعثتها العسكرية التقنية في الصحراء، والتي لاحظت علاقات منتظمة وممتنعة من التنصت، يقيمها الجنرال على ظهر حوامته وفي عرض البحر ومباشرة فوق سفينة “أمريكية” ما يدل على أمر ما يدبر (؟!)
من جهتها ستبيع فرنسا الخبر الملغوم إلى المغرب(يقال مقابل إنقاذه لشركة بويغ؟).

وهل هنالك قرينة أخرى؟

نعم فإذا صح ذلك، فلن يكون بدون معنى، أن يقضي الجنرال بمراكش، في الوقت بالذات الذي كان فيه متران وطاقمه “الأمني” حاضرا أيضا في مراكش في أول زيارة له إلى المغرب [وبالمناسبة فإن إقالة البصري تمت أيضا بحضور وازن جدا للطاقم الفرنسي إياه، وذلك بعد أن فشلت في المهد محاولة سابقة لتهميشه قبل عزله (؟!)].
أرجح أن المكيدة – المؤامرة، تستهدف في الأصل إضعاف المغرب عسكريا في صحرائه، ولكن أيضا الانتقام من “عميل” مزدوج، خدعها، وتأكدت أن قلبه مع وطنه ومع نظام الحكم القائم، وأنه لذلك كان يماطلها ويضيع عليها الوقت… فاغتالته بأيدي من كان المفروض أن يحموه.
إن علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بتغيير نظام الحكم في المغرب لم تبدأ مع الدليمي وإنما مع المذبوح قبله، وانطلاقا من قضية فندق “بانام” الذي رفض المغرب السماح لأمريكا بتشييده في الدارالبيضاء، علما أن الفندق لم يكن بغاية الاستثمار بل الاستخبار، لأن الخطوط الأمريكية لم يكن يعنيها تجاريا أن تشيد فندقا في الدار البيضاء إلا إذا كان وكرا (؟!) فرنسا حينها فهمت أن أمريكا تريد تأسيس قاعدة استخبار لها في المغرب سيكون لها ما بعدها…
ولأن المغرب لا يستطيع أن يرفض طلبا لأمريكا، فقد أوعز للمفاوض المغربي أن يطلب عمولات، ولذلك فحينما سافر المدبوح إلى أمريكا اشتكوا له “الفساد” في الإدارة ولأن المذبوح لم يكن “رجل دولة”، فإنه لم يفهم صمت الملك المتكرر عندما طرح عليه الموضوع، ولا إهماله اللاحق بعد “التحقيق”، استغلت أمريكا “أخلاقية” الرجل وإحساسه بالتهميش مع المنطقة التي يمثلها في البلاط، وشحنته، كي ينفجر، ولكن في حدود “انقلاب” تأديبي، لا سياسي، ويكون من “فضائله” الجانبية، التخلص من خيرة أطره “الفرنكوفونية”، أما الهدف المباشر، فهو فرض التوازن بين مصالح الدولتين الحاميتين أمريكا وفرنسا في الأسواق المغربية (الأبناك واللغة خاصة)، ونفس الأمر تكرر في المحاولة الثانية، حيث كان ضباطها في القنيطرة، هم من استبدل القذائف بأخرى تدريبية وغير قابلة للانفجار، والتي استعملها أمقران وكويرة في قصف الطائرة الملكية دون أن يصلوا إلى هدفهم باغتيال الملك.
أمريكا لم يكن يهمها الانقلاب على الملك، بل فقط استمالته، والضغط عليه لتحقيق التوازن، مع المصالح الفرنسية في المغرب، وهو الأمر المستمر ما يزال.
-كيف يصح لكم أن تقدموا الدليمي وكأنه رجل وطني، وهو المشهور بجبروته ودمويته.
لا يجوز أن نخلط بين الأمرين، الوطنية والديمقراطية، إنه خلط كبير لا يختلف عن أضرار خلط الدين بالسياسية، فقد تكون وطنيا دون أن تكون ديمقراطيا (والعكس لا يصح) وهذه هي الحالات الكثيرة والمتعددة، في العالم الحديث والمعاصر، فهل يستطيع أحد أن يشك في وطنية الملك مثلا، وهو الذي ابتكر أسلوب المسيرة الخضراء اقتباسا من المسيرة الحمراء الصينية (ماو) وقبله والده، وما بالك بغيرهما (ستالين – ع. الناصر – بومدين – عرفات… بل وهتلر وفرنكو… الخ) الوطنية سابقة على الديمقراطية وشرط لها، والمغاربة اليوم موحدون حول الصحراء ومختلفون حول: “الانتقال الديمقراطي”.
الدليمي، مثل غيره من أمثاله، أنجز الكثير في استكمال مهمة وحدة التراب الوطني و”موته” لذلك كان خسارة كبيرة على هذا الصعيد، خاصة إذا كان قد تم حسب تلك الرواية، أما قضايا الفساد والاستبداد… فهي عيوب بنيوية وخطيرة، ولكنها، إذا حصلت، لا تلغي عن أصحابها احتمال وطنيتهم، إذا كانوا فعلا وطنيين، أي غير عملاء لأجنبي على حساب وطنهم، للأسف، فتمة اليوم “ديمقراطيون” وضد الفساد (؟!) ويرفعون عقيرتهم بذلك… ولكنهم يشتغلون في خدمة الاستتباع للخارج، وهؤلاء هم في نظري أخطر وأسوء وأجرم من وطني غير ديمقراطي.
مهمة “المصالحة” يجب أن تستمر، وإعادة الاعتبار يجب أن تتحقق لمن يستحقها وظلم بسبب أمريكا.
أمريكا بعد أن أعيتها محاولات “الانقلابات العسكرية” ابتكرت نمط “الانقلاب المدني” في أوربا الشرقية، ونجح، وهي اليوم تحاوله مع العدميين وطنيا في المجتمع المدني العربي: الحزبي – النقابي-الحقوقي والصحفي… وهو ما يطلق عليه اسم “الربيع”.

منشور بالايام العدد636

23/29 اكتوبر 2014