الشعب ‘يعاقب’ الحركة على فترة حكمها السابقة رغم محاولات التزوير خاصة في معاقلها التقليدية مستعملة بأساليب الترغيب والترهيب.

تونس/خاص ـ أكدت تسريبات من الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن حركة النهضة حلت بها “خيبة انتخابية” لم تكن تتوقعها حيث لم تفز سوى بـ 65 مقعدا في البرلمان الذي سيضم 217 مقعدا فيما فاز حزب نداء تونس 82 مقعدا وفقا لنتائج أولية لعملية الفرز.

وبحسب نفس التسريبات فإن حركة النهضة “لم تفز في عدد من معاقلها التقليدية” مثل الجهات المحرومة والأحياء الشعبية “إذ صوت الناخبون لصالح نداء تونس” وهو ما يعد “نكسة” للحركة التي تقدمت للانتخابات بحظوظ “ضئيلة” بعد تزايد سخط التونسيين عليها ما جعلها في عزلة شعبية وسياسية.

ولم تفز النهضة في دائرة بنعروس التي تعد أحد أهم معاقلها منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي حيث كان سكن راشد الغنوشي إلا بـ 3 مقاعد فيما فاز نداء تونس بـ 4 مقاعد، وذلك بحسب ما أعلنه عضو الهيئة الفرعية للانتخابات بدائرة بنعروس ضو ناجي.

وقالت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أنها ستعقد مؤتمرا صحفيا مساء الاثنين لتعلن عن النتائج النهائية.

وبلغت النسبة الجملية للمشاركة في التصويت للانتخابات التشريعية التونسية التي جرت الأحد 61 فاصل 8 بالمائة وهو ما يمثل حوالي ثلاثة ملايين ناخب من جملة 5 فاصل 2 ملايين ناخب فيما أظهرت استطلاعات الرأي تقدم حزب حركة نداء تونس محققا نسبة 37 في المائة مقابل 26 بالمائة لحركة النهضة الإسلامية.

وهيمنت على سير عملية الاقتراع أنباء حول محاولات حركة النهضة الإسلامية تزوير الانتخابات خاصة في معاقلها التقليدية مثل الأحياء الشعبية والجهات المحرومة ولجوئها إلى القيام بحملة دعائية أمام مراكز الاقتراع مستعملة أساليب مختلفة تراوحت بين الترغيب والترهيب.

وأعلن رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات شفيق صرصار أن النسبة الجملية للمشاركة في التصويت قد بلغت 61.8 بالمائة ما يعني أن نسبة العزوف بلغت 38 فاصل 2 وهي نسبة هامة تعكس عدم ثقة أكثر من ثلثي الناخبين في العملية الديمقراطية.

وبدأت إثر انتهاء التصويت عملية فرز الأصوات بحضور أعضاء القائمات المترشحة والمراقبين.

وأظهرت عملية استطلاع للرأي أجرتها مؤسسة “سيغما كونساي” المعروفة أن حزب نداء تونس الذي يتزعمه المرشح للرئاسة الباجي قائد السبسي يتصدر قائمة الفائزين بحصوله على 37 بالمائة من الأصوات (81 مقعداً من أصل 217)، تليه حركة النهضة بـ 26 بالمائة من الأصوات (56 مقعداً)، ويأتي الائتلاف اليساري “الجبهة الشعبية” في المرتبة الثالثة بحصولها على 5.4 بالمائة من الأصوات (16 مقعداً).

وقال قائد السبسي، في تصريحات إثر غلق مراكز الاقتراع، إن “نداء تونس” لديه “مؤشرات إيجابية” تفيد بأن حزبه في الطليعة، غير أنه شدد على أنه لا يمكن الحديث عن النتائج الرسمية قبل إعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عليها.

ومن جهته أعلن رئيس الهيئة شفيق صرصار مباشرة بعد غلق مراكز الاقتراع، استحالة الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات ليلة الأحد-الاثنين، باعتبار أن آخر صندوق اقتراع يصل إلى مقر اللجنة الاثنين العاشرة صباحا بالتوقيت المحلي.

وبدت قيادات حركة النهضة مرتبكة وهي تتابع عمليات الفرز، ورفض راشد الغنوشي تقديم أي توقعات بشأن حظوظ الحركة .

غير أن المراقبين يشيرون إلى أن نداء تونس وحركة النهضة هما الحزبان الأوفر حظا بالفوز بأغلبية مقاعد البرلمان.

وهم يعزون ذلك إلى أن الحزبين راهنا على قواعدهما الانتخابية الثابتة التي تتكون من نشطاء منضبطين فيما تراهن بقية الأحزاب على كسب أصوات المتعاطفين معها.

تزوير

وعلى الرغم من أن عملية التصويت “جرت في ظروف عادية وملائمة” في مختلف مراكز الاقتراع إلا أن الهيئة العليا المستقلة قالت إنها “سجلت تجاوزات” من دون تقديم إيضاحات حول مدى تأثير تلك التجاوزات على شفافية الانتخابات ونزاهتها.

وعاين “ميدل ايست أونلاين” في حي التضامن الذي يعد معقل حركة النهضة أن عناصر منتمية للحركة قاموا بالدعاية الفجة أمام مراكز الاقتراع في اختراق واضح للقانون، حيث تولوا التأثير على الناخبين داعين إياهم إلى انتخاب الحركة الإسلامية.

كما عاين “ميدل ايست أونلاين” أن عددا من مراكز الاقتراع في الأحياء الشعبية مثل حي التضامن ودوار هيشر وسيدي حسين السيجومي وبن عروس مخترقة تماما من النهضة حيث أشرف نهضويون مندسون على عدد من المراكز.

وقال معز بوراوي ممثل منظمة “عتيد” التي تُراقب الانتخابات “لقد سجلنا العديد من التجاوزات في بعض مراكز الاقتراع”، مشددا على أن “عددا كبيرا من مراكز الاقتراع يُشرف عليها مندسون لصالح حركة النهضة”.

ولفت بوراوي إلى أن منظمة “عتيد” سجلت عمليات شراء الأصوات أمام عدد من مراكز الاقتراع، موضحا أن المشرفين على تلك المراكز قاموا بتوجيه الناخبين من أجل التصويت لحركة النهضة”.

وشهدت مدينة بن عروس جنوب تونس العاصمة والتي تعد أحد المعاقل التقليدية للنهضة حركة احتجاجية قام بها الناخبون بعدما لاحظوا أن رئيس مركز الاقتراع يتعمد توجيه الناخبين للتصويت لصالح الحركة الإسلامية.

وقام عناصر حركة النهضة بإرسال قصيرة عبر الهواتف النقالة تحث فيها الناخبين للتصويت لصالح الحركة.

واتهم القيادي في نداء تونس خميس قسيلة النهضة بالسعي إلى تزوير الانتخابات.

عزوف ناخبي المناطق المحرومة

لا تعكس نسبة التصويت الجملية والتي بلغت 60 فاصل 8 بالمائة انسجاما في نسب التصويت على مستوى الدوائر الانتخابية بل بالعكس تظهر القراءة في نسبة المشاركة في التصويت فوارق تعكس “اختلال” ثقة الناخبين في العملية الديمقراطية.

فقد أظهرت نسب المشاركة حسب الدوائر الانتخابية أن الجهات المحرومة كانت مشاركتها في عملية التصويت ضعيفة نسبيا حيث لم تتجاوز 48 بالمائة في سيدي بوزيد مهد ثورة يناير 2010 ما يعني أن 52 بالمائة رفضوا التصويت “تأكيدا على عدم ثقتهم في السياسيين وفي العملية الديمقراطية واحتجاجا على أوضاعهم الاجتماعية التي ما انفكت تدهور خلال السنوات الأربع الماضية”.

ولم تتجاوز نسبة التصويت في جندوبة 54 بالمائة وفي سليانة 53 بالمائة

وفي القيروان 52 بالمائة وفي القصرين 52 بالمائة وفي قفصة54 بالمائة وفي مدنين 56 بالمائة وفي تطاوين 56 بالمائة وفي توزر 52 بالمائة وهو ما يعني أن نصف الناخبين بتلك الجهات عزفوا عن التصويت، تعبيرا منهم عن الاحتجاج على الأحزاب السياسية التي خذلتهم ولم تقدم لهم برامج انتخابية من شأنها أن تحل مشاكلهم الاجتماعية الاقتصادية.

ويشعر أهالي تلك الجهات بالتهميش الاجتماعي والسياسي جراء السياسات الفاشلة التي انتهجتها حكومة النهضة حيث ازداد الفقر ليشمل أكثر من 30 بالمائة من السكان فيما ارتفعت البطالة في صفوف الشباب لتبلغ 50 بالمائة.

وألقى “العزوف العقابي” على التصويت بضلاله في تونس العاصمة، وخاصة في دائرة تونس 1 حيث لم تتجاوز نسبة التصويت 55 بالمائة ما يعني أن 45 بالمائة من الناخبين لم يدل بأصواتهم.

ويعزو المراقبون “العزوف العقابي” إلى “احتجاج أهالي الأحياء الشعبية” التي تحيط بالعاصمة و”عدم ثقتهم” في الأحزاب السياسية التي روجت لخطاب سياسي أجوف ولم تتقدم ببرامج انتخابية تشخص مشكلاتهم الحقيقية وتقدم لها الحلول الناجعة.

وبالمقابل يفسر المراقبون ارتفاع نسبة المشاركة في التصويت في صفاقس التي تعد العاصمة الاقتصادية في تونس بـ”تأثير المال السياسي” على الناخبين، حيث راهنت الأحزاب السياسية الكبرى على “دور رجال الأعمال” في جذب أصوات الناخبين لدلك بلغت نسبة التصويت أكثر من 62 بالمائة.

وتظهر القراءة في توزيع نسبة المشاركة في التصويت أيضا أن الجهات التي تعد معاقل “الدستوريين”، نسبة إلى الحزب الدستوري الذي أسسه الزعيم الحبيب بورقيبة في الثلاثينات من القرن الماضي، سجلت نسبة تصويت مرتفعة نسبيا حيث بلغت في سوسة 65 بالمائة وفي المهدية 65 بالمائة وفي المنستير61 بالمائة.

ويعود ارتفاع نسبة تصويت أهالي الساحل إلى عاملين اثنين، أولهما عراقة العمل السياسي في الجهة ومشاركة الأهالي في الشأن العام، وثانيهما الولاء للأحزاب الدستورية التي تحظى بتأييد شعبي مثل حزب المبادرة الذي يرأسه كمال مرجان آخر وزير للخارجية في عهد الرئيس زين العابدين بن علي.

مغالطة

ويتحدث الخبراء عن “مغالطة كبرى” بخصوص النسبة العامة للمشاركة في التصويت مشددين على أن نسبة 61 فاصل 8 بالمائة التي أعلنتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات غير دقيقة بالمرة إذ هي “تمثل نسبة الذين أدلوا بأصواتهم من الناخبين المسجلين بالقائمات الانتخابية فقط وليس من مجموع من يحق لهم الانتخاب”.

ويؤكد الخبراء هنا أن عدد التونسيين الذين يحق لهم الانتخاب يتجاوز 8 ملايين شخص لم يتقدم منهم للتسجيل سوى 5 فاصل 2 ملايين وهو ما يعني أن ثلث التونسيين كانوا على هامش العملية الانتخابية قبل انطلاقتها.

ووفق عملية حسابية بسيطة تجمع عدد التونسيين الذين لم يسجلوا أصلا أسماءهم في القائمات الانتخابية مع عدد الذين سجلوا لكنهم لم يدل بأصواتهم، فإن حوالي 5 ملايين تونسي ممن يحق لهم الانتخاب رفضوا المشاركة في الانتخابات التي يفترض أن تنهي آخر مراحل الانتقال الديمقراطي.

ويشدد الخبراء هنا على تهميش 5 ملايين ناخب “هو تهميش ممنهج ومقصود” لافتين إلى أن “المستفيد من دلك هي حركة النهضة لأنها راهنت قبل كل شيء على قاعدتها الانتخابية الثابتة في وقت تعيش فيه عزلة شعبية وسياسية”.

ويضيف الخبراء أن النهضة خاضت الانتخابات “وهي فاقدة الثقة في غالبية التونسيين في أن يمنحوها أصواتهم لدلك حرصت على استبعاد غالبية الناخبين مخافة أن تؤول أصواتهم إلى خصومها وفي مقدمتها حزب نداء تونس”.

وعلى الرغم من ذلك فإن غالبية التونسيين الذين ينتظرون النتائج النهائية والرسمية يخشون من عودة النهضة إلى الحكم وتساورهم مخاوف جدية من أن تعمق الحركة الإسلامية الأزمة التي تتخبط فيها منذ سنوات في وقت تواجه في تونس تحديات كبيرة وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب وإنعاش اقتصاد منهار وتحقيق التنمية والشغل لفئات واسعة من المجتمع.

لكن يبدو أن الحركة الإسلامية “خسرت” رهانها أمام عزم التونسيين على إنزال الهزيمة بها لصالح نداء تونس الذي بدا الحزب “الأقرب” للتونسيين باعتباره يقود مشروعا وطنيا ديمقراطيا يؤمن بمدنية الدولة وبحق التونسيين في التعايش في ظل مجتمع تعددي ديمقراطي.

27 اكتوبر 2014