إن المتتبع لسيرة المهدي يكتشف أنها سجل حافل بالنضال ضد هذه القوى، التي تعتبر ثالوثا مرتبط المصالح، يخدم بعضه بعضا بهدف الاحتكار والاستحواذ على مقدرات الشعوب، واستغلال طاقاتها المادية والبشرية، وإن بدرجات متفاوتة، وفي نطاق تحالفات مرحلية تقتضيها مصالح آنية لا تلبث أن تتصادم بفعل الطمع والجشع وحب الهيمنة، ومهما يكن بين مكونات هذا الثالوث من تناقض في المصالح، فإن القاسم المشترك بينها هو تكريس التخلف في البلدان التي ترزح تحت وطأتها. والمهدي باعتباره من أقدم نشطاء الحركة الوطنية، وبحكم تكوينه الحداثي وتوجهه التقدمي كان منذ انخراطه في هذه الحركة أكثر وعيا بما لهذا الثالوث من خطورة على البلاد ومستقبلها. فالرجعية مكرسة للجمود، والإمبريالية عامل من أخطر عوامل تخلف الشعوب المستضعفة، ومن أشدها عرقلة في وجه نهضتها وتقدمها، أما الصهيونية فيكفي ما وصفت به من أنها أفظع أشكال الاستعمار وأكثرها خطورة على تحرر الوطن العربي شرقه وغربه إن لم يكن على العالم الإسلامي بأجمعه. فما هي مواقف المهدي من الرجعية والاستعمار والصهيونية؟
قبل الاستطراد في سرد هذه المواقف لتذكير من يكون قد نسيها من أبناء جيله بها أو من لم يسبق له الاطلاع عليها من أجيال ما بعد عصره، وهو استطراد يعتمد على نفس ما تم الاعتماد عليه في ذاكرة صاحب هذه المقالة، والوثائق التي لا يزال يحتفظ بها علاوة على مراجع أخرى لا شك في صدقيتها، قبل ذلك أشير إلى أن المهدي كان في كل مراحل حياته النضالية يمثل تيارا التفت حوله شخصيات وفعاليات لها نفس التوجه، وتجمعها نفس القناعة وتحدوها نفس الأهداف وإن اختلفت فيما يتعلق بأسلوب الإنجاز، والمهم هنا أن المهدي بشهادة كل من تناولوا سيرته النضالية بموضوعية أجمعوا على أنه “قائد سربه” وهكذا فحديثي عن مواقفه بشأن الرجعية والاستعمار والصهيونية لا يخرج عن كونها مواقف تيار استرشد بفكره ونظريته أو يتبنى آراءه ومبادراته، وهذا لا يعتبر لا تقديسا للمهدي ولا هضما لحقوق “أنصاره” فالفضل في آخر المطاف للجميع، وإن دأب الناس في بلادنا على أن ينسبوا الفوز للجميع، والإخفاق للقائد إلا فيما نذر من الانتصارات والانهزامات. وهذا جار به القول والعمل في كل المجالات، في السياسة، في الرياضة، في الإدارة… إذن ما هو موقف المهدي من هذا الثالوث: الرجعية والاستعمار والصهيونية؟ تمر على مجتمع ما، فترة سكون وانصياع للواقع، بما فيه من موروث وعادات وتقاليد وطقوس وأعراف، ونظام إن كان له نظام، حتى إذا ظهرت دعوة للإصلاح تمس بعضا مما هو سائد أو كله، انقسم أفراد هذا المجتمع إلى مؤيدين ومعارضين، أولئك يدعون إلى التجديد، وهؤلاء يتمسكون بالقديم فينشأ بين الفريقين خلاف قد يصل إلى صراع. ليس هذا ما يهمنا في هذا المقام، فالمراد هنا هو النعوت التي دأب الباحثون من دارسين ومؤرخين إطلاقها على كل من الفريقين ولو لم تكن متداولة في حينها. واتكاء على ما هو متداول اليوم في شأن ما نحن بصدده، هو أن أحد الفريقين ينعت بالتقدمي والثاني يوسم بالمحافظ. فإن تتبنى مشروعا للتغيير والتجديد فأنت تقدمي، وأن تتمسك بما هو سائد فأنت محافظ وقد يظهر فريق ثالث يرى أن الإصلاح لا يتأتى إلا بالرجوع إلى ما كان عليه الأسلاف فهو رجعي، وبما أن مصطلح الرجعية هو ما يهمنا في هذا الموضوع، فإنني سأركز على موقف المهدي منها أي الرجعية، مرجئا الحديث عن ثنتي الثالوث لحين تتاح الفرصة لذلك إن شاء الله. الشائع في الأدبيات المغربية هو استعمال المصطلحين “رجعي” و”تقدمي”، أما كلمة “محافظ ” فلا تستعمل في الأدبيات المغربية إلا للتنويه بشخص كان ينعت بأنه محافظ على العهد، أو الأمانة والوقت… كما قد تستعمل للدلالة على مسؤولية إدارية: محافظ مدينة القاهرة أو محافظ الوكالة العقارية بالمغرب أو محافظ جبهة التحرير بالجزائر… وتجنبا لكل التباس لا يستعمل هذا اللفظ في بلادنا كمصطلح ذي مضمون “إيديولوجي” تتبناه طبقة أو فئة اجتماعية يعبر عنها حزب سياسي مقابل حزب آخر يعبر عن طبقة أخرى ذات مصالح مغايرة. كما نجده مثلا في بريطانيا حيث يوجد حزبان كبيران هما حزب العمال مقابل حزب المحافظين، وكما هو حال إيران التي يتنافس فيها على الحكم محافظون وإصلاحيون. ومن الملاحظ أن لفظة “محافظ ” عربية تبقى ذات صيغة واحدة مهما اختلفت في الدلالة على عكس اللغة الفرنسية “فمحافظ وكالة” مقابل conservateur ومحافظ مدينة مقابل gouverneur ومحافظ مكتبة مقابل archiviste. أما حين تذل لفظة محافظة conservatrisme على داع إلى بقاء ما هو قائم ومقاومة التجديد فيكون مقابل conservateur، وبهذا ينعت كل رافض للتجديد بالمحافظ conservatriste نحن إذن، إزاء ثلاثة ألفاظ تحول كل منها من مجرد كلمات إلى مصطلح ذي حمولة إيديولوجية معينة ينسب إليها الشخص أو الفئة فيقال “رجعي” محافظ أو تقدمي وبما أن هذه المصطلحات تكون الثالوث الذي انشغل المهدي بفضحه، واهتم به هو الرجعية- الصهيونية- الاستعمار أي الثالوث الذي لم يرتح إلا بتصفيته، فإني سأحاول قدر ما يسمح به الحيز التركيز على الرجعية في هذا المقال على أن أتناول الاستعمار والصهيونية في مناسبة أخرى بحول الله.
أولا: موقف المهدي من الرجعية: ولد المهدي وترعرع في بيئة مغربية عربية إسلامية بكل ما تنطوي عليه من عادات و تقاليد و أعراف، وبكل ما يستهدي به أهلها من إيجابيات وما يرزحون تحت آساره من سلبيات، لكنه كان من قلائل أبناء جيله الذين حظوا بولوج المدرسة العصرية وهذه الحضوة لم ينلها لانتمائه إلى عائلة من الأعيان كما كان معمولا به في تلك الفترة، ولا لوساطة أو ما إلى ذلك من السبل التي كان يلجأ إليها في مثل هذه الأمور، فقد كان المهدي بن بركة حفيدا لرجل انتقل من موطنه بالعالم القروي (الزيايدة) قريبا من الرباط، إلى هذه المدينة حيث عمل خياطا للجلاليب، أما أحمد والد المهدي “فقد اشتغل في صناعة دباغة الجلود بالرباط التي بها ولد المهدي عام 1920”. درج في أسلاك التعليم القائم يومئذ من الكتاب إلى المدرسة الابتدائية إلى الثانوية فالباكالوريا الأولى والثانية، ثم الإجازة في الرياضيات من جامعة الجزائر التي كانت من جملة الجامعات الفرنسية المنشأة في بعض المستعمرات الخاضعة لفرنسا، والتي كانت ذات مكانة لا تقل عن مكانة مثيلاتها الفرنسية. وكان المهدي يقضي العطل في ميدان من ميادين العمل المتاحة ولما يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، فقلة موارد العائلة هي التي دفعته للعمل في الصباح الباكر بسوق الخضر بالجملة بباب الحديد. كما اشتغل في مهن أخرى كمصلحة الترتيب للضرائب الفلاحية التي كانت تخصص وظائف للعطاشة من شباب الثانويات بالرباط وسلا. عند نهاية الموسم الفلاحي لإحصاء ما يتوجب على الفلاحين والكسابين من رسوم وواجبات. اقتبست هذه النبذة من حياة المهدي الشخصية لأؤكد أن اختياره لولوج التعليم الثانوي (سلكه الثاني) وكذا التعليم الجامعي لم يقع لاعتبارات عائلية أو وساطة وإنما لكونه كان من التلاميذ المتفوقين النابهين الذين لم تجد إدارة التعليم إذاك مناصا من قبولهم على مضض في الدراسة الجامعية، أو كما ذكر هو بنفسه بتواضع “بالإضافة إلى مستواي في الرياضيات كان هناك من شجعني للاستمرار في التعليم الثانوي والجامعي، وهم أساتذة من الفرنسيين الأحرار”، ثم ليتبين كم كان المهدي على صلة مع فئات المجتمع ومشاكلها، وكم كان قريبا إلى عاداتها وتقاليدها وأعرافها، و أيضا إلى مشاكلها، وما تعانيه من إكراهات ومحن… وقد زاده انخراطه في الحركة الوطنية احتكاكا بشخصيات وأوساط من مختلف الفئات والثقافات والتوجهات، ومكنه من معرفة كثير من المناطق والجهات متنوعة العادات والتقاليد والأعراف. لاسيما وأن انخراطه في العمل الوطني حصل في عهد كانت فيه الأحزاب الوطنية بما فيها حزب الاستقلال تستقطب منخرطين بدون مراعاة أي معيار إلا قبول التضحية في سبيل المطالبة بتطبيق الإصلاحات المنصوص عليها في عقد الحماية في مرحلة ما بين 1934? 1944. ومن أجل استعادة الاستقلال في مرحلة ثانية 1944-1953 كان هدف الجميع هو تخليص البلاد من الاحتلال الأجنبي وإن اختلفت الزوايا التي كان ينظر منها كل فرد أو فئة أو حزب لهذا الاحتلال، ولهذا يمكن معرفة لماذا لم ترجم -إذاك- في أدبيات الحركة الوطنية مصطلحات من مثل، رجعية- تقدمية- إصلاحية، رغم أنها كانت تستقطب فئات ذات نزوع رجعي أو تقدمي وإصلاحي، بل وأن الحزبين الرئيسيين (حزب الاستقلال- حزب الشورى والاستقلال) لم يكن أحدهما ينعت بكونه رجعيا أو تقدميا، ولم يكن الانتماء إليهما على أساس هذا المصطلح أو ذاك، وإنما لاعتبارات غير إديوليوجية، من بينها تأثير الانتماء القبلي أو العائلي، والعلاقة والزمالة والمصلحة الشخصية أيضا إلخ… ومن هنا كانت تركيبة الأحزاب السياسية ولازالت غير مبنية على أساس إيديولوجي إلا استثناء وهذا ما أكده أحد الباحثين حين أشار إلى “أن الحدود الفاصلة بين الأحزاب السياسية (في المغرب) لا تعبر بكل دقة، وبكل موضوعية عن الحدود التي تفصل بين مختلف المصالح الاقتصادية السائدة، ومختلف الأوضاع الاجتماعية، ويؤدي ذلك بالأحزاب إلى مواجهة صعوبات في تحديد تمايزات سياسية واضحة ودائمة، وفي تجنب اتخاذ مواقف متناقضة على المستوى السياسي والإيديولوجي في مختلف مناحيه (…) كانت الوطنية هي الإطار الذي يجمع كل الفئات، وكان الاستقلال هو هدف الجميع، يستوي في ذلك الغني والفقير والفقيه والأمي، والمديني والريفي، والعربي والأمازيغي، والسلفي والحداثي، كما لم يكن ما يميز بين الأفراد والفئات في الحقل السياسي إلا الانتماء، فإما منخرطون في حزب من أحزاب الحركة الوطنية وينعتون ب -الوطنيين- (استقلالي أو شوري)وإما أن يكونون موالين للإدارة الاستعمارية فهم “خونة” أو “بياعة” إضافة إلى المتعاطفين واللامبالين. والمهم هو أن مصطلحي تقدمية ورجعية لم يكونا متداولين لنعت هذا أو ذاك. بحيث لم يشتهرا إلا أواخر خمسينات القرن العشرين، وخاصة بعد انتفاضة 25 يناير 1959 وحتى في بداية هذه المرحلة لم يكن هذان المصطلحان ذوي مدلول فكري أو طبقي، وكل ما كان يعنيانه هو الانتماء السياسي، فالتقدمي هو المنتمي إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أما الرجعي فهو المنتمي لحزب الاستقلال، وقد اكتفيت بسوق هذين الحزبين كمثال لأنهما الحزبان اللذان كانا يشغلان الرأي العام في تلك المرحلة، لاسيما وأنهما من أرومة واحدة تعرضت للانشقاق وكان على كل شق أن يدعم وجوده ويدافع عن أطروحته بكل الوسائل، فنعت أحدهما بالرجعية، ووصف الآخر نفسه بالتقدمية، ورغم أن الحزبين من حيث نوعية العضوية كانا لا يختلفان، إذ نجد من بين أعضاء حزب الاستقلال، الغني والفقير ومتوسط الحال، ونجد في صفوفه المعلم الحداثي، والفقيه التقليدي، وأستاذ العلوم الشرعية وزميله أستاذ الرياضيات، والمهندس والطبيب والمحامي والعامل والعاطل، وكبار الفلاحين والتجار، ومتوسطوهم وصغارهم، وهذه المستويات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية هي نفس ما نجده في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مع تفاوت في نسبة وعدد المنتمين إلى هذا الحزب أو ذاك، بخصوص عينة هذه الفئات. ومن الجدير بالملاحظة هو أن “الاتحادي” كان يعير “الاستقلالي” بالرجعية، بينما “الاستقلال ” لم يكن ينعت “الاتحادي” بالتقدمية فبدل هذه كان يعيره بكونه “انفصاليا” أو “مهدويا” ومن الاستقلاليين من يبالغ لحد نعت الاتحاديين بأنهم شيوعيون أو ملحدون أو (مساخيط الملك) وإذا كان الاتحاديون يرفضون إطلاق هذه النعوت عليهم فإن الاستقلاليين كانوا لا يرتضون نعتهم بالرجعية. وهذه مفارقة من شأنها أن تثير الاستغراب، لو كان بعض الاتحاديين يعون جيدا مدلول التقدمية، ولو كان بعض الاستقلاليين يدركون معنى الرجعية (أقصد بهذا عامة الاتحاد وحزب الاستقلال و ليس نخبهما…) مما سبق يتبين أن الانتماء الحزبي كان لا يتم على أساس طبقي أو انسجام فكري، فليست هناك حدود فاصلة بين الأحزاب في هذا الجانب. وإذا لوحظ هذا الفاصل بينها فهو منحصر في نخبها الواعية، وإلا فهل كان سائر المنتمين للحزبين المذكورين مدركين للخلفيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كان قادتهما ينطلقون منها؟ وهل كان كل المنتمين متمثلين للأبعاد الحقيقية لهذه المجالات؟ لا أعتقد ذلك، فقد برهنت الأحداث أن كثيرا من هؤلاء المنتمين قد فوجئوا بمواقف ومبادرات غير مقتنعين بها مما أفضى ببعضهم إلى الانسحاب من الحزب أو تجميد نشاطهم داخله. وكثير منهم من لبث منتميا للحزب، اعتقادا منه أن ما نسب إليه إنما هو من باب التآمر والاتهامات المختلقة… وهذه وضعية قد عرفها الاتحاد خاصة في الستينات و بداية السبعينات من القرن الماضي… وبالرجوع إلى مفهوم “الرجعية” نجد أن القصد بها في الاصطلاح السياسي هو العودة إلى أسلوب في العلاقات الاجتماعية أو الاقتصادية أو الإدارية ثبت أنه لا يحقق الأهداف والمثل القومية (الوطنية) فهي لا تعني المحافظة وحب القديم وحسب، بل هي حركة واعية تهدف إلى التشبث بالماضي لأنه يمثل مصالح قطاعات خاصة من المواطنين دون اعتبار الصالح العام أو الأماني القومية (الوطنية) ومن ثم ارتبط ممثلو “الرجعية” في الدول الحديثة العهد بالاستقلال بالقوى الامبريالية الخارجية عن طريق عناصر استفادت جاها و ثراء في ظل الاستعمار القديم (أحمد عطية الله. القاموس السياسي صفحة 564) ومن الملاحظ أن لفظة الرجعية كانت قبل ستينات القرن العشرين مجرد صفة ينعت بها أشخاص لهم تكوين تقليدي ينعكس على سلوكهم و فهمهم للأشياء، وأحيانا يملي عليهم الانحياز إلى مواقف قد لا تكون لصالحهم، من غير أن يعرفوا خلفياتها و أهدافها أو يدركوا أبعادها و لا لفائدة من ستكون نتائجها. و نفس الملاحظة تنطبق على تداول لفظة الرجعية إلى 25 يناير 1959 حين أعلن عن أول انتفاضة شعبية قام بها المهدي في الرباط تلتها انتفاضات أخرى في عدد من كبريات المدن المغربية نجم عنها تأسيس الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال بتاريخ فاتح فبراير من نفس السنة، و مباشرة تأسست الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال بعد شهور لتتوج بالإعلان عن ميلاد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية يوم سادس سبتمبر 1959.
لم تمر هذه المواجهة دون أن يكون لها أثر على نشاط الحزب، فقد تعرض لخلل طال عددا من مناطق البلاد مما أحدث فراغا انعكس سلبا على مناضليه، و من ثم على تواجد العمل الوطني فيها، و كان من شأن هذه الوضعية أن تحدث نزوعا للتفكير في نهج سبل أخرى لمواجهة تعسف الإدارة الاستعمارية، ذهب لحد الدعوة إلى التخلي عن الأسلوب السلمي و اللجوء للمقاومة المسلحة، و قد نجم عن هذا النزوع اختلاف بشأن مواجهة سياسة الاضطهاد التي أخذت سلطات الحماية تنهجها ضد نشطاء الحركة الوطنية. إذ برز من بين صفوفها من يرى ألا فائدة من الاستمرار في المهادنة، و أن الاستقلال الذي حرمت منه البلاد بالقوة، لا يمكن استعادته إلا بالقوة، و هذه الفكرة ستصبح شعار كل المقاومين للاستعمار بعد أن تبناها قائد الثورة المصرية جمال عبد الناصر، بعد ثورة يوليو 1952.
لم تلق هذه الفكرة قبولا لدى العناصر القيادية في حزب الاستقلال، بل و أن منها من استنكرها و اعتبرها خروجا عن خطة الحزب، و مما كان يرويه المهدي بخصوص هذه النقطة أنه “رغم وجاهة فكرة المقاومة المسلحة إلا أن الحزب بوضعيته التنظيمية و مكوناته البشرية لم يكن مؤهلا لخوض معركة من هذا النوع وأن الزج بالمناضلين فيها مخاطرة سيئة العواقب.. إضافة إلى أن كثيرا من الحزبيين خاصة القياديين ليسوا على استعداد لتبني الفكرة مما كان سيؤدي إلى انشقاق كنا في غنى عنه، و أمام هذه الوضعية وقعنا أنا و بعض الإخوان في حرج، لم يخرجنا منه إلا إقناع أصحاب الفكرة بتأجيل الحسم فيها لحين توفر شروطها التنظيمية”.
كان من البديهي حسب ” طبيعة ” تشكل عضوية الحزب في عهد الحماية، أن تبرز اختلافات بين نشطائه بشأن عدد من المستجدات التي كان على الوطنيين اعتمادها لمواجهة سياسة المستعمر سواء تعلق الأمر بتطوير أجهزة الحزب أو تبني آراء و مناهج عصرية لتوعية المواطنين، و العمل على إنجاز إصلاحات حداثية في الحياة العامة و في التعليم بالخصوص، في هذه النقطة أترك المهدي يحدثنا عن جانب منها.
ففي محاولة تطوير الحزب قال “اغتنمنا الفرصة لمواجهة عقلية ” رجعية ” كانت لا تزال مسيطرة على بعض الإخوان في الحزب و هي عقلية عتيقة ( x ) من شأنها إن لم تختف أن تعرقل تطور الحزب من جهة، و تحول دون تعليم أبناء البلاد تعليما عصريا. و عن عرقلة الحزب يقوول بأن ” جماعتنا ” ( x ) اقترحت على القيادة إدخال تغييرات في أجهزة الحزب القائمة، و إحداث آليات عصرية من شأنها أن تحوله إلى حزب عصري جدير بمواجهة الإدارة الاستعمارية في داخل البلاد كما في خارجها، أما عن تعليم الأبناء، فحسب روايته ” فإن كثيرا من العائلات كانت ترفض ولوج أبنائها للمدارس الرسمية لأنها في نظرها مدارس النصارى، لذا كانت تفضل تركهم في الكتاتيب القرآنية أو ” بناقص من التعليم كاع ” و كان لابد من القيام بحملة توعية لإقناع هذه العائلات بخطإ موقفها. فكانت فكرة تدعيم ما كان موجودا من ” مدارس حرة ” و إنشاء مثيلاتها في المناطق التي لم تنشأ بها بعد. و بقدر ما نجحنا فيما يخص اقتراحنا بشأن تنظيم الحزب، لاقينا صعوبات بخصوص المدارس الحرة من جهة لأن الإدارة الاستعمارية لم تكن تسمح بذلك، ومن جهة ثانية لأن أعوان هذه الإدارة كان يشيعون بأن هذه المدارس ستقضي على الكتاتيب القرآنية مما جعل بعض الآباء يتركون أبناءهم في هذه الكتاتيب، و أمام هذه الصعوبة، لجأنا إلى معالجة المسألة بما لا يقف دون إنجاز المشروع، و لا يمس مصالح ” فقهاء الكتاتيب القرآنية ” و في ذات الوقت توضع الإدارة أمام الأمر الواقع فنتجاوز إجراءات إدارية غالبا ما تقابل بالرفض خاصة عندما يتعلق الأمر بمحاولة فتح المدارس الحرة بالقرى، فكيف واجه المهدي و ” جماعته ” ما اعتبروه ” عقلية عتيقة ” و التي كانوا يتحاشون نعتها بالرجعية أو المحافظة في تلك المرحلة؟ ذاك ما لخصه بقوله ” من حسن حظنا أن هذه العقلية كانت ” فردية ” و أصحابها لم يكونوا منتظمين منسجمين تجمع بينهم هيئة تجعل منهم قوة ضغط مؤثرة في الحزب تضطرنا للدخول معهم في صراع لهذا سهل علينا إقناعهم لاسيما و أن المسألة حلت بما يرضي الجميع إذ ثم اقتراح تحويل بعض الكتاتيب القرآنية إلى مدارس حرة بالتدريج، و ذلك بتزويدها بسبورات، و إضافة مواد كالحساب، و المحادثة، بحيث لم يمض على بعضها إلا شهور حتى غدت مدرسة حرة بكل معنى الكلمة. و هكذا تمكنا من التغلب على عقليات عتيقة دون الدخول معها في صراعات من الأكيد أنها لغير صالح حزبنا في تلك المرحلة”.
كان هذا موقف المهدي و جماعته من العقليات العتيقة وهي لما تتبلور بعد لتصبح “توجها لفئة من ناس ذات مصلحة مشتركة يعبر عنها حزب في مواجهة حزب آخر ذي توجه تقدمي مغاير. فماذا عن موقفه من ” الرجعية ” و قد تحولت إلى هذا المدلول ؟ تحولت ” حركة واعية ” تهدف إلى التشبت بالماضي لأنه يمثل مصالح قطاعات خاصة من الشعب دون اعتبار الصالح العام أو الأماني الوطنية، ارتبط ممثلوها في الدول حديثة العهد بالاستقلال بالقوى الامبريالية الخارجية عن طريق عناصر استفادت جاها و ثراء في ظل الاستعمار القديم ( 3 ) كما ارتبطت بالجهات ذات التوجه المعادي للديموقراطية و التقدم…
قبل حصول المغرب على استقلاله كانت الحركة الوطنية عبارة عن حزبين رئيسيين يتشكلان من قواعد شعبية هي خليط من العمال و صغار التجار و الحرفيين و الصناع و الموظفين، ومن قيادات “ارستوقراطية ( x ) ولا تخلو من عناصر منحدرة من أوساط شعبية استطاعت فرض نفسها بما تتوفر عليه من قدرات و كفاءات علمية، وكذا اضطرار العناصر الأرستقراطية للاستعانة بها كوسيط بين القيادة و القواعد… و كان المهدي من أبرز العناصر الشعبية التي لم تحظ بالعضوية في الجهاز القيادي و حسب، بل أصبحت من أهم نشطاء هذه الحركة و أكثرها مبادرة و دينامية، كانت قيادة الحزب الوطني قبل التحاق المهدي بها مكونة من عناصر أغلبيتهم متأثرة بأسلوب في العمل الوطني ورثته عن نظام ” الزوايا ” و الجماعات التقليدية كالطوائف و غيرها. كما كانت ” مرتبطة بعلاقات عائلية أو بعلاقات ” المريد ” ب ” الشيخ في الزاوية ” و هي الرواسب التي لا تتلاءم مع المرحلة الجديدة التي قرر أن تكون انتقالا من مرحلة المطالبة بالإصلاحات إلى مرحلة المطالبة بالاستقلال، و من أداء مهمة انتهت، إلى أداء مهمة ابتدأت ، فعلى قدر المهمة يكون الأسلوب و على قدر الغاية تكون الوسيلة. فكيف تعاطى المهدي و نخبة من الذين شكلوا داخل الحزب الناشئ حزب الاستقلال ” النخبة السياسية ” الجديدة التي ستكون أكثر ارتباطا بنموذج “الحزب” بالمفهوم الحديث، منها بنموذج الزاوية ” ( 1 ) و معنى هذا أن المهدي و زملاءه انخرطوا في الحزب و لديهم تصور جديد ” تقدمي ” لما ينبغي أن يصبح عليه تنظيمه ليكون في مستوى ما تتطلبه المرحلة الجديدة بما سينجم عن الدخول فيها من متغيرات في المواقف و ردود أفعال. إنها مرحلة ذات طبيعة مغايرة للتي قبلها، فمرحلة المطالبة بالإصلاحات ليست هي مرحلة المطالبة باسترجاع الاستقلال التام، علما أن الأولى رغم أنها لم تخرج عن كونها تذكيرا بما التزمت به الدولة الحامية في عقد 1912. قد ووجهت بالمراوغات و التناور و في كثير من الأحيان بقمع المطالبين بها. فكان على المهدي و زملائه المتنورين أن يقترحوا تجديد وسائل العمل بما يتلاءم و هدف المرحلة الجديدة الذي هو المطالبة باسترجاع الاستقلال، و حسب رواية المهدي فإن العناصر التقليدية للحزب لم يتم إقناعها بتجديد أساليب عمل الحزب إلا بعد تحذيرها مما قد ينجم عن رفضها له من مبادرات ” متطرفة ” كما أن العناصر الداعية للمقاومة المسلحة لم تتخل عن فكرتها إلا بعد أن علمت بعزم القيادة على إدخال إصلاحات على الحزب تجعله مؤهلا لإنجاز فكرتهم حين يئين أوانها. و قد تبين من خلال استقراء أدبيات الحركة الوطنية و حزب الاستقلال على الخصوص – المكتوبة و المسموعة – أن انشغال الوطنيين أصبح منذ 1944 منصبا على تأطير الشباب ضمن جمعيات موازية للحزب. و تم التركيز على الكشفية بصفة خاصة، فكانت المدارس الحرة هي الفضاء المساعد على إنجاز هذه المهمة، و هذا فعلا ما هيأ الظروف و وفر الشروط المطلوبة لإعداد مقاومين بارزين كان دورهم حاسما في فرض التفاوض و استرجاع المغرب لاستقلاله بعد مرور أقل من ثلاث سنوات على نفي ملك البلاد محمد بن يوسف رحمه الله.
وهذا أيضا ما ” طعم ” الحزب بعناصر شابة حيوية عملت على ترجيح كفة المجموعات المتنورة التي كانت تتحرك في تنظيمات الحزب و النقابات و الجمعيات الموازية. كالكشفية و الشبيبة الاستقلالية. و عند استرجاع المغرب لاستقلاله، كان الحزب قد حشد في صفوفه نفس الفئات التي تشكل منها منذ تأسيسه، و لكنه صار أوسع نطاقا من حيث العدد و المواقع، و الإمكانيات الخاصة و الرسمية ( الحكومية) تحول من حزب مضطهد ( فتح الهاء ) أغلب قادته و نشطائه إما معتقلون أو منفيون أو خاضعون للإقامة الإجبارية في جهات بعيدة عن مقر سكناهم. إلى حزب نافذ في السلطة المغربية الجديدة، يدار بلجنة تنفيذية مؤثرة في الشأن العام، وبفروع في كل المناطق تحت إشراف مكاتب ومفتشيات مؤثرة في تدبير الشأن المحلي و الجهوي إلى جانب السلطات المحلية والإقليمية، ورغم ما في هذا المآل من إيجابيات فإنه لم يخل من سلبيات انعكس أثرها على سياسة الحزب و أساء إلى سمعته و شكك في مصداقيته، بسبب تهافته على استقطاب المواطنين متنافسا مع “غريمه” حزب الشورى و الاستقلال، دون مراعاة أي معيار أو شروط إلا إبداء الرغبة في الانتماء، بل و إن مواطنين انضموا إلى صفوف الحزب إما طمعا في منصب أو امتياز أو خوفا من أذى أو انتقام لأن ورقة الانخراط وزعت على كل من هب و دب. ليس هذا و حسب بل إن مسؤولي الحزب في بعض المناطق قاموا ببيع أوراق الانخراط لأشخاص مشبوهين مقابل مبالغ مالية باهظة قياسا بقيمة عملة تلك الحقبة.
كان حزب الاستقلال يمثل القوة الرئيسية في البلاد بما له من رصيد وطني و بمنظماته الجماهيرية النقابية و الشبابية، و بنفوذ مقاوميه الذين كانوا منبثين عبر أرجاء البلاد و بجيش التحرير الذي كان لا يزال محتفظا بمراكزه و سلاحه، فلا عجب إذن، إن سارع المواطنون أفرادا و جماعات للانخراط في صفوفه، لكن بدلا من التحري في قبول هؤلاء وفق معايير صارمة تحفظ للحزب نقاوته و مصداقيته باعتباره استمرارا لفصيل أصيل لحركة وطنية خرجت من الجهاد الأصغر، جهاد من أجل تحرير البلاد، إلى الجهاد الأكبر، جهاد من أجل بناء الاستقلال، و التحرر من رواسب الاستعمار السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية…
و المتتبعون لحياة المهدي النضالية، و قد قضاها فعلا، كلها في النضال إلى آخر رمق من حياته و هو يصارع مختطفيه المجرمين صامدا غير مبال بما ينوون تنفيذه … يلاحظون أنه لم يكن متعسفا و لا مشتطا في مواجهته لخصومه بمن فيهم ” الرجعيين ” ففي إطار الحركة الوطنية كان على علم بأن عدادا من نشطاء الحزب الذي ينتسب إليه، بل و من قادته البارزين ينتمون ” ثقافيا و توجها ” إلى التيار التقليدي، و لكنه كان يغض الطرف عن ذلك ما دام الأمر يتعلق بأسلوب نضالي لا ينبغي الاستغناء عن أي فرد أو فئة للمشاركة فيه. بل و حسب ما دأب على روايته خلال جلسات كان يعقدها مع الأطر الحزبية. أن ” الفئة التقليدية رغم نعتها ب ” الرجعية ” كانت الأشد تشبثا بهوية البلاد، و الأشد استعدادا للتضحية من أجل الاحتفاظ على استقلالها و وحدة ترابها. و يدعم رأيه بالإشارة إلى بعض من كانوا في عداد ” المتنورين الذين تابعوا دراستهم في بلاد أوروبية و لاسيما انجلترا، مع تحفظه من ذكر أسمائهم.. فهم في نظره متقدمون علميا و فكريا حسب ما حصلوا عليه من علوم و معارف لكنهم حسب مواقفهم رجعيون لأنهم لم يكونوا في مستوى ما تتطلبه المرحلة من مواجهة لصد العدوان على وطنهم فمفهوم ” الرجعية ” في رأيه ليس أن يكون المرء ذا توجه تقليدي، كما أن مفهوم ” التقدمية ” ليس أن يدعي الشخص بأنه ” تقدمي ” إذ العبرة بموقف كل منهما في مواجهة قضايا مجتمعه الجوهرية، موقفه من الكفاح ضد الاستعمار، موقفه من السياسة العامة لتنمية البلاد و النهوض بها بعد استرجاعها لاستقلالها. فحسب هذه الرؤى فإن ” الرجعية ” و ” التقدمية ” قيمتان متحركتان قابلتان للتغير، سلبا أو إيجابا، كما أنهما قد تجتمعان في شخص واحد و ذلك تبعا لمواقفه و اختياراته و قناعاته الشخصية، و هذه أشياء معرضة للتغير سلبا أو إيجابا كذلك خاصة إذا كان الانخراط في الحزب مفتوحا في وجه كل من أبدى استعداده لذلك. و هذه ظاهرة ظلت مرافقة للانتماء الحزبي منذ النشأة الأولى للحركة الوطنية و لا تزال لحد اليوم. قد تجد في أي حزب مغربي – بدون استثناء – أمشاج من المنتسبين و المؤيدين و المتعاطفين، أمشاج من العينات من بينها ذات العقلية الرجعية المنبثة في مفاصل الحزب و التي كان المهدي يتحاشى ذكر أسمائها لأن جل تصرفاتها و أحاديثها كان يدل عليها، و قد اتضحت رجعيتها عندما شرع التيار التقدمي لحزب الاستقلال الذي من أبرز شخصياته المهدي بنبركة يطرح إشكالية إصلاح الحزب توجها و تنظيميا، و ذلك بعد مرور أزيد من عامين على استرجاع المغرب لاستقلاله. و كانت محاضرته التي ألقاها في تطوان يوم 31 يوليو 1958 تدشينا للحملة التي قام بها تيار المهدي التقدمي ضد التيار المحافظ الرجعي الذي تمثله جماعة الحاج أحمد بلافريج رئيس الحكومة إذاك، وقد كانت هذه المحاضرة إعلانا عن وجود تيارين في حزب الاستقلال احتاط المهدي من نعت أحدهما ب ” الرجعية ” و لم يصف الآخر ب ” التقدمية ” و اكتفى – بما عرف عنه من حنكة و ذكاء ? بالإشارات إلى أن في الحزب من يريد التجديد و فيه أيضا من يأبى ذلك، و لكن ما نشر في الجرائد من تعليقات على هذه الإشارات جاء مفصحا عن وجود تيارين في الحزب أحدهما تقدمي والآخر يميني، على أن هذين المصطلحين لم يصبحا متداولين إلا بعد انتفاضة 25 يناير 1959 كما سلف ذكره. وسيزداد تكريسهما عقب تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بتاريخ السادس من سبتمبر من نفس العام. فمنذ انشقاق ” التيار التقدمي ” عن حزب الاستقلال و المعركة محتدة بين الطرفين على عدة مستويات أخص منها المستوى الفكري و التنظيري، و قد كان لهذه المعركة عدة تجليات منها تبادل الاتهامات، مناوشات، اعتداءات، تنافس على الاستقطاب. و كانت أحيانا تجري بين الأفراد، و تارة تصدر عن قياديين مركزيين أو جهويين أو محليين. و بما أن هذه المعارك الكلامية لم تدون فسأكتفي بإيراد نموذج من حظه أن أعيد نشره في سلسلة مواقف رقم 1 لمحمد عابد الجابري، و لولاه لتعرض للضياع مثل كثير من الأدبيات. و قبل ذلك ألفت النظر إلى أن المقال الذي سأورده و لو كتب بقلم محمد عابد الجابري بإن مضمونه لا يختلف عن رؤية المهدي بنبركة في الموضوع علما بأن الأول ? و كما أشار هو نفسه ? و كما يعرف الكثير كان مرتبطا بالثاني منذ حصوله على شهادة الباكلوريا والتحاقه بجريدة العلم ومتأثرا به كما جاء في العدد الأول من سلسلة مواقف الصفحة 19. وإذ أحيل على هذا النموذج فلعلمي أن أغلب المتنورين كانوا متأثرين بقادة الحركة الوطنية و مدافعين عن أطروحاتهم، و لا أقول مقلدين بل متفقين معهم في مفاهيمهم للمصطلحات الرائجة في عهدهم، و هذا ينطبق عن مفهوم مصطلحي الرجعية و التقدمية اللتين نحن في سياق الحديث عنهما. فماذا جاء بشأنهما؟ يعكس المقال الذي نشره عبد الجابري جانبا من المعارك التي كان أتباع المهدي بنبركة و رفاقه يخوضونها يومذاك على المستوى الفكري و التنظيري فقد ورد في المقال أن ” الناس اليوم في بلادي نوعان، نوع يؤمن بالفكرة و يعمل من أجلها و يتخذها معيارا يقيس به الصالح من الطالح. و نوع يؤمن بالشخص و يعمل من أجله، و يسلم مقاليد أمره إليه، إن أرضاه رضي عن نفسه، و إن أسخطه عاد إلى نفسه باللوم و العتاب، و عندي أن الخط الذي يفصل بين هذين النوعين من الناس هو نفس الخط الذي يفصل بين ما يسمى بالرجعية و التقدمية ” و إذ لم تنزلق هذه الفكرة عن المفهوم الكلاسيكي المعروف عن كل من الرجعية والتقدمية وهو لا يختلف عن التعريف الذي أوردناه في فقرة سابقة والذي اقتبس من القاموس السياسي، فإن ما أضافه الجابري توضيحا بتعريفه لكل من المصطلحين يذهب بمفهوميهما إلى حد تجاوز النطاق الضيق للتعريف الذي عهدناه، و هذا أوضحه حيث قال أما النوع الأول في نظري فهو تقدمي أو على الأقل أقرب من الثاني، و ذلك لأن تشبثه بالفكرة يقتضي أن يلتزم بها و أن يكون على درجة من النضج و الوعي، و لأن إيمانه بها يستلزم أن يعمل من أجل تحقيقها، و أن تكون له إرادة قوية و عزيمة صادقة، و لأن جعله إياها مقياسا يقيس به الأشياء يعني أنه يتجرد من الأغراض و الأهواء، مما يدل على أنه مالك زمام نفسه، مسيطر على ميولاته. أما النوع الثاني فهو في نظري رجعي، ذلك لأن إيمانه بالشخص إيمانا أعمى يعني أنه هو فاقد لشخصيته، و لأن خدمته لذلك الشخص و تفانيه في إرضائه و الدفع عنه يعني أنه عبد ذلول لا يحس لكيانه وجودا، و لا لوجوده مغزى، ثم لأن تسليم مقاليد أموره إليه و جعل تصرفه مقياسا يقيس به الأمور يعني أنه ما زال يعيش في العصور الأولى من تاريخ البشرية، يوم كان زعيم القبيلة أو زعيم الأسرة هو المالك لأمرها المتصرف فيها يوم كانت البشرية جماعات تسير على غير هدى و تخضع لقائدها ضالا مضلا”.
إن الذين عرفوا المهدي واستمعوا إلى أحاديثه للخاصة والعامة واستوعبوها، و تمثلوا مضامين توجيهاته كانوا يدركون أن العقبة الكأداء التي واجهت انتفاضة 25 يناير، وظلت كذلك إلى اليوم، تتمثل في تشبث بعض نشطاء الحركة الوطنية ببعض القيم التي يعتبرونها من القيم الدينية التزموا بعدم التخلي عنها إلى الأبد مهما كانت الظروف، ناسين أن أي قيمة ليست هي الغاية في حد ذاتها، فوفاء المرء بالعهد مثلا، لازم ما دامت القضية موضوع الوفاء لها قائمة و الإخلاص للمتعهدين بالسهر عليها لم يخلوا بالتزاماتهم نحوها، أما إذا أخلوا بها فالتخلي عنهم ليس إخلالا بالوفاء، و يعد الاستمرار في التعلق بهم تزكية للتخلي عن القضية إن لم يكن خيانة لها. إن مما عاناه نشطاء انتفاضة 25 يناير و بعدهم مؤسسوا الحركة الاتحادية هو مسألة الالتزام باليمين (القسم) فكثير من الاستقلالين أقروا بصواب أهداف الانتفاضة و بمبادئها و لكن لا يمكنهم التخلي عن الحزب لأنهم أدوا اليمين. و كثير منهم أقروا بذلك لكن تقديسهم لبعض الشخصيات و خصوصا الزعيم علال الفاسي حجب عن بصيرتهم نبل الأهداف. و بعضهم فضل البقاء في الحزب لأنه ألف أسلوب عمل تقليدي في النشاط الحزبي مهر فيه و في إدارته حتى أصبح بالنسبة إليه حرفة لا غنى عنها، و هو أسلوب تم تجاوزه في إطار الأجهزة المعتمدة في التنظيم الجديد، زيادة على تبني أتباع هذا التنظيم لشعارات لم يكن من السهل استساغتها لدى البعض، لأنها لم تكن مألوفة في أدبيات السياسة والأحزاب، ولأنها من جهة أخرى تعتبر مسا بسمعة رموز الحركة الوطنية، أو تطاولا على ما كان معتقدا أنه من صلاحيات الملك، وغير ذلك من الشعارات التي كان من الضروري رفعها، ولعل هذه الظاهرة او لاقل الاعتقاد يرجع الى غلبة النزوع الديني اكثر مما هو تربية سياسية او حزبية، وهذا يدل على عدم وجود تمايز بين ما هو ديني وما هو سياسي. فالانسان المغربي مثله مثل سائر الناس وخصوصا في البلدان الإسلامية لا يفرق بين أداء اليمين في مسألة شرعية وبين التزامه باتفاق اجتماعي أو سياسي، ومن ثم الحزبي. ولا شك أن هذا يعتبر من موروثات الانتماء للزوايا، فـ”المريد” عندما “يصافح” مقدم أو شيخ الزاوية فهو يؤدي يمين الانتماء أي على عدم تخليه عن ممارسة الطقوس المعتمدة فيها كالذكر والأوراد، ولا غرابة في أن نرى هذه الذهنية سائدة في العمل الحزبي انطلاقا من بداية تأسيس الحركة الوطنية وانتهاءا ببعض الأحزاب، أليس منطلق أول حزب في هذه الحركة من رحم الزاوية؟ هذا أمر لم يلمسه إلا روادها أو بعض الباحثين في تاريخها. والذي يهمنا في هذا السياق أن هذه “الظاهرة” -الرجعية- كلفت المهدي بنبركة ومؤسسي الحركة الاتحادية جهدا مضنيا للتغلب عليها. وإذا كان تأسيس الحركة الاتحادية قد شكل تهديدا لمصالح الفئات الرجعية فإن هذا التهديد لم يكن أخف وطأة على الحركة الصهيونية وعلى الأوساط الاستعمارية، فهذه اعتبرت أن المشاريع الصناعية والاقتصادية التي بدأت تنجز في عهد حكومة عبد الله ابراهيم ووزير الاقتصاد عبد الرحيم بوعبيد مهددة لمصالحها، وبالنسبة لتلك فقد لمست ارتباط الحركة الاتحادية بالقضية الفلسطينية وأقلقها توجهها القومي، لهذا انبرى كل من أساطين الاستعمار ودهاقنة الحركة الصهيونية بتحالف مع الرجعية المحلية للتآمر على حركة القوات الشعبية وعلى أبرز قيادييها المهدي بنبركة والذي أفضى الى اختطافه واغتياله من طرف هذا الثالوث الغاشم -الرجعية- الصهيونية- الاستعمار. وذلك بعد صراع مرير قاده المهدي بنبركة ورفاقه ضد الرجعية كما رأينا، وبعد مواجهات ضد الصهيونية والاستعمار كما سيتم تناوله في مناسبات أخرى بحول الله.

عن جريدة .ا.ش

29 اكتوبر 2014