جيل قرآني فريد:

يقول سيد قطب في هذا الاتجاه: بأن الدعوة الإسلامية في بدء انطلاقتها قد خرجت جيلاً من الناس تميز عن كل الأجيال التي سبقته أو جاءت بعده. وهو جيل الصحابة الذين عاشوا عصر الرسول, ونهلوا معارفهم من القرآن الكريم وما علمهم الرسول نفسه, وهم الجيل الذي لم يتغير عليه شيئ بعد وفاة الرسول كون كل ما قال به الرسول من حديث, وكذلك هديه العملي وسيرته الكريمة كانت بين أيدي ذلك الجيل الأول, الذي لن يتكرر في التاريخ.(1) .

إن وجود هؤلاء الصحابة بعد وفاة الرسول وتحملهم مسؤولية حمل الرسالة فيما بعد, يعني أن الدعوة ليست مرتبطة بالرسول وبمرحلته التاريخية, بل هي دعوة تمتد في الزمان والمكان, وهي للناس كافة. وهذا ما أراده الله من هذه الدعوة بقوله : (إنا نحن نزلنا الذكرى وإنا له لحافظون.). الحجر (9)
إذاً إن النبع الصافي الوحيد الذي نهل منه الجيل الأول كما يرى سيد قطب هو القرآن الكريم الذي تخلق به الرسول, والذي اعتبر المنهج الوحيد لذاك الجيل ومن سيأتي بعده. على الرغم من وجود حضارات وثقافات سابقة على الإسلام (الإغريقية والرومانية والهندية والفارسية واليهودية والمسيحية…), إلا أنها كلها لم تكن شيئاً أمام معارف القرآن كلام الله ونهجه القويم. فسيد قطب يأخذ من موقف الرسول تجاه عمر بن الخطاب حجة على ذلك , عندما جاء عمر ووجده يقرأ بالتوراة , فغضب منه وهو يقول: (إنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني.). (2). فرؤية سيد قطب تجاه هذا الحادث, تريد القول: إن الرسول (ص) أراد أن يقصر النبع المعرفي الذي يستقي منه ذلك الجيل على كتاب الله, كي تخلص نفوسهم لله وحده, ويستقيم عودهم على نهجه وحده.. لقد كان الرسول كما يقول سيد قطب, يريد جيلاً خالص العقل والضمير والتصور والشعور والتكوين من أي مؤثر آخر غير النهج القرآني الإلهي. (3) .
أما المسألة الثانية في هذا الاتجاه التي ركز عليها سيد قطب فهي, مسألة طبيعة منهج التلقي, حيث يرى بأن الجيل الأول من الصحابة لم يكونوا يقرؤون القرآن بقصد (الثقافة والإطلاع ), أو بقصد التذوق والاستمتاع, أو إضافة معارف جديدة على معارفهم, وإنما كان التلقي, تلقي أوامر الله في شؤون حياتهم وجماعتهم التي يعيشون بينها, كتلقي العسكري لأوامر قائده التي عليه تنفيذها فقط دون النظر أو التفكير خارج نطاق التنفيذ. فهذا الشعور شعور التلقي للتنفيذ كان بنظر قطب يفتح لهم من القرآن آفاقاً من المتاع وآفاقاً من المعرفة, لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والإطلاع, وكان ييسر لهم العمل ويخفف عنهم ثقل التكاليف ويخلط القرآن بذواتهم, ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي في حياته.(4)

أماالمسألة الثالثة في هذا الاتجاه التي وقف عندها سيد قطب فهي, موقف المسلم, أو من يعتنق الإسلام من ماضيه, فسيد قطب يرى أن المسلم عندما يدخل الإسلام يجب عليه أن يخلع كل ما له علاقة بماضيه قبل الدخول, كونه سيبدأ عهداً جديداً منفصلاً كل الانفصال عن حياته التي عاشها عيشة جاهلية. (فهذا الموقف سيحقق عند المسلم عزلة شعورية كاملة بين ماضيه وحاضره.. عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وما ويتعلق بروابطه الاجتماعية والأخلاقية, حتى ولو كان يأخذ من بعض (المشركين) ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي, فالعزلة الشعورية كما يراها قطب, شيء, والتعامل اليومي شيء آخر… إنه انخلاع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد.). (5).
إن سيد قطب يرى الإنسان اليوم في عالمه هذا يعيش ( جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام .. فكل ما حولنا جاهلية… تصورات الناس وعقائدهم, وعاداتهم, وتقاليدهم, وموارد ثقافتهم, فنونهم وآدابهم, شرائعهم وقوانينهم وأخلاقهم, بل وحتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية, هو كذاك من صنع الجاهلية.) (6). ً
أما الحل أو الخلاص عنده من هذه الجاهلية, فهو التخلص من كل هذه الجاهلية بالعودة على النبع الصافي الذي بشر به الرسول وأمر الله بطاعته, (من يطع الرسول فقد أطاع الله). (النساء – 80 . والذي استمد منه الصحابة الأوائل قيمهم, وهي القيم التي ستشكل لنا خشبة الخلاص, وهذه مهمتنا.
يقول سيد قطب: ( إن أولى الخطوات في طريقنا أن (نستعلي) على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصورات, وألا نعدل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيراً لنلتقي معه في منتصف الطريق, كلا, إننا وإياه في مفرق الطريق, وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق. وسنلتقي في هذا عنتاً ومشقة, وستفرض علينا تضحيات باهظة, ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق (الجيل الأول), الذي اقر الله به منهجه الإلهي, على منهج الجاهلية. ) (7).
من هذا الموقف المنهجي الفكري والسلوكي لسيد قطب يتبين لنا كيف تقف حركة الزمان والمكان عند مرحلة واحد من تاريخ البشرية, هي المرحلة التي نزل فيها لقرآن ممثلة بالجيل الأول من الصحابة, هذه المرحلة التي ستجب كل ما قبلها وما بعدها فكراً وسلوكاً من حضارة وتاريخ ثقافي وقيمي إنساني, ليبقى فقط (القرآن) والقرآن وحده هو المرجع المعرفي والمنهجي لحياتنا.. فحركة الواقع وتطوره لم يعد لها وجود في هذه الرؤية القطبية ألإخوانية, وبالتالي لم يعد الدين هنا قد جاء لخدمة الواقع في تطوره وحركته, وإنما جاء الدين كي ينسجم الواقع معه, فعلى الواقع أن يرتقي دائماً لما يقول به الدين, فكل جديد بدعة. فسيد قطب يغض النظر هنا عن متشابهات القرآن من الآيات التي تركت صراعاً دامياً في تفسيرها وتأويلها بين المسلمين عبر تاريخهم الطويل.. فالدين المنهج المُخلص من الجاهلية, هو ما يفسره ويرسم حدود تشريعه جماعة الإخوان المسلمين.. هذه النخبة التي فرضت على نفسها (التعالي ) على الواقع بكل ما فيه, وضرورة تحدي جاهليته, لبناء واقع آخر تصوره هم بناء على فهمهم للقرآن وتفسير آياته, ولو بالقوة. إنهم الجيل القرآني الجديد الفريد الذي عليه بناء عالم إسلامي كان قدوتهم ومثلهم هم الصحابة من الجيل الأول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1– سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر. ص 11
2- المرجع السابق – ص13
3- المرجع السابق- ص13
4- المرجع نفسه ص 14
5- المرجع السابق- ص 16
6- المرجع السابق- ص17
7- المرجع السابق- ص 19

كاتب وباحث من سورية/ لنشرة المحرر

30 اكتوبر 2014