بقلم مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء 29 اكتوبر 2014

عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيّات ، وإنما لكل امريء مانوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .

 كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، ثم أمر بالهجرة ، فنزلت عليه : (( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا  * وقل  جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا )) الاسراء

وقال سيدنا محمد (  ص )  ((المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر السوء ، والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد لا يأمن جاره بوائقه))

استقبلنا جميعا السنة الهجرية 1436 والتي نريد من خلال هذا  المقال تقريب فهمنا المشترك من دلالات  وفلسفة الهجرة والتي فصلت بين حقبتين وارخت لانطلاق عهد جديد يهدف الى اصلاح وتغيير الاوضاع العامة دينيا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا ….هجرة لم تنطلق لتتوقف بالمدينة المنورة  بل لتضع سنة حسنة في استمرارية الهجرة في الفكر والمكان والزمان الى ان تقوم الساعة …
“…فالهجرة تعني لغة ترك شي إلى آخر، أو الانتقال من حال إلى حال، أو من بلد إلى بلد،…” وتنضبط معانيها بطبيعة وخلفيات النية في الهجرة …للتمييز بين الادعاء والتضحية …كما هو موضح بالحديث الافتتاحي لهذا المقال …

….ومن اسبابها البحث عن مكان يمكن للمهاجر ان يمارس فيه حريته  الدينية وان يعبر عن افكاره ومعتقداته بعيدا عن القمع والترهيب وتسلط الحكام او المخالفين له …

وقد يضطر لها  لتجنب التعرض  لظلم اجتماعي أو اقتصادي او سياسي  …وقد يفر من واقعه بالانطواء واعتزال الاخرين واخفاء ما قد يعرضه للتعسف وشطط مخالفيه او الخصوم اوالاعداء …وقد يختار المواجهة والتضحية فيجتهد في محاربة المناكر الدينية والسياسية والفكرية باعمال القاعدة الشرعية  التي اجملها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في : “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان“.

… وقد يبحث المهاجرون  على  امكنة وفضاءات ودول  وسياسات قد يحققون  فيها وبها  مستوىات  معيشية افضل…

والصراعات التي عرفتها البشرية بغض النظر عن طبيعتها والتي يلجا فيها الناس للهجرة و التي مارسها اغلب الانبياء والصلحاء وزعماء التغيير والاصلاح تهدف الى تحقيق افاق اوسع تضمن وتحمي  تواجد الاخرين وتحقق التغيير والاصلاح المنشود …مما مكن و يمكن البشرية من ادراك الية الصراع والتضاد والقدرة على التمييز بين الخير والشر والصالح والطالح والصادق من المنافق …وسنسجل في تاريخ الحراك البشري وجود هجرة ووجود تهجير واقصاء ونفي والذي يمكن ان يصل الى ابادة كاملة او محو حضارات وعلوم ومعارف بسبب انها  هجرت افكار ومعارف الحكام …قال تعالى : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }(الحج: 40)…

…ولقد امتدت  آثارها  لتشمل حياة البشرية    في  العديد من الحقب والمحطات المفصلية في تاريخ تطور المجتعات …بالارتكاز على  مبادئ العدالة والحريات  والمساواة وفق تطور  الادراك والمفاهيم والافكار المؤطرة لكل ذلك …

… وحدد الشارع عندنا نوعين من الهجرة  الهجرة إلى الله، والهجرة لغير الله ويوضح ذلك  رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : “الهجرة خصلتان، إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة.”…

….فهجر ما نهى الله عنه  لا يعني  فقط هجر السيئات  والمفاسد المغلظة والمخففة ..بل يعني بالضرورة هجر الظلم والاساءة للناس والتضييق على  حقوق الشعب  والمساس بمكتسباته والاستهزاء والاستهتار بارائه وافكاره ومطالبه العامة والخاصة  وهذا ما يمارسه  الذين يحكمون  في مخالفة  لامر الرسول  ب (كف اللسان واليد)..التي يعبر عنها بالقرارات والتعاليق  المسيئة ..مما يدفع الشعب والقوى الحية الى هجران الحكومة وسياساتها وهجران الخضوع لادعاءاتها التي ظاهرها الاصلاح وباطنها الازمة والتفقير ورهن مستقبل الناس …

…إن الهجرة هي انتقال  بمسيرات   تسعى للبحث عن الحل الملائم لحجم الانتظارات والمتجاوب بشكل موضوعي ومنطقي مع المصلحة العامة  بدل التشبث  بالحلول الوهمية  والترقيعية  التي  تزيد الازمة تعقيدا والمؤسسات افلاسا …

ان الهجرة الحقيقية لايمكن ات تتم  بتاويل مغرض ل ”  … فان لم يستطع فبقلبه  …  “بالصمت والسكوت الذي يفسر به بعض المسؤولين هدوء الناس وعدم احتجاهم  على كل القرارات التي طالت الحقوق والقدراة الشرائية و.. برضاهم وقبولهم واعجابهم بسياسات الحكام التي تلحق بهم الضرر الملموس …ان التغيير بالقلب تعبير عن التامل ومراجعة النفس وتهديبها واعادة تاهيلها وتقويتها  للانتقال من الهجرة الباطنية.. الى الهجرة بالفعل في الواقع بشكل ايجابي …

…ان الذين قدموا اموالهم وانفسهم وارواحهم من اجل التغيير في كل  المحطات  يعدون بالالاف و الذين تجهل اسماء اغلبيتهم الساحقة وهم صناع النصر والنجاح في الواقع والميادين  … في حين القادة محدودون يعرف بعضهم ويجهل اغلبهم والذين قد يكون منهم المخلص حقا ومنهم المتربصون …ان ابطال الهجرات الذين قدموا كل التضحيات هم الاحق بالوفاء علمنا باسماءهم ام لم نعلم… انهم الذين ناصروا كل الانبياء.. وكل المصلحين والثوار العادلين  وناضلوا من اجل الحرية والاستقلال والديموقراطية والكرامة…

ان البعض اليوم بالعديد من دول العالم الثالث وبلدنا  منهم بطبيعة الحال يجدون ويجتهدون للهجرة الى كراسي الحكم ويهجرون في نفس الان  مبادئهم وافكارهم التي ملاوا الاوراق والاسماع بها وتغنوا ورقصوا على انغامها انتشاء …انهم يهجرون كل شيئ ..الشعب ..والفكر الحر ..وتضحيات المواطنين ..بل يهجرون حتى حب الناس ورعاية مصالحهم حق الرعاية …ومن هنا نقول لكل هؤلاء اذا كان الشعب هو الضامن لنجاح كل الثورات وحركات التغيير ..فلا يجب ان يستبلد ويجعل مطية للوصول الى المناصب ..لان ردة فعل الشعب عندما يثور فعليا ستكون كما يشهد على ذلك التاريخ قوية لن تقبل الا بالتغيير الحقيقي الذي يكون غالبا مكلفا على جميع المستويات وقد تمتد نتائج ذلك واثاره لسنوات وعقود احيانا  ايجابا او سلبا ..

فليتعقل الساسة الحكام …والذين يسعون للحكم وليكونوا في خدمة الشعب والوطن وليفكروا للفقراء والعمال والكادحين والعامة والمستضعفين قبل ان يفكروا في اي شيئ اخر وخاصة الكراسي وليعملوا بجد ووفاء  …

…  قال ربعيُّ بنُ عامرٍ في كلمتِه الشهيرة لرستم: “إنَّ الله ابتعثَنا لنُخرِج العبادَ مِن عبادةِ العِباد إلى عبادةِ ربِّ العِباد، ومِن جَورِ الأديان إلى عدلِ الإسلام”…

فتحية لكل المناضلين والمناضلات الذين يهاجرون يوميا من اجل هذا البلد وشعبه …بمناسبة السنة الهجرية الجديدة وبمناسبة ذكر ى اختطاف واستشهاد عريس الشهدا المهدي بنبركة وبمناسبة الاضراب العام …