مناسبة هذا الكلام ما خلفه قرار الحكومة في محاولتها لتمرير مشروع قانون إصلاح الصندوق المغربي للتقاعد من تداعيات ومواقف وسجالات وهو كلام نقترحه واحدا من ذلك النقاش العام الذي صاحب الموضوع على الاتفاق والاختلاف.
نذكر منها :

1 – إقدام مجموعة من المواطنين تلقائيا ومباشرة بعد الإعلان عن مشروع قانون التقاعد على توقيع عرائض ضد القرار الحكومي القاضي برفع سن التقاعد إلى 65 سنة بصفة تدريجية تبتدئ ب 62 سنة من تاريخ فاتح يوليوز 2015 تعبيرا منهم على الرفض والاحتجاج على القرارات المتسرعة.
– الإعلان عن الإضرابين العامين (23 شتنبر و29 أكتوبر 2014) من قبل المركزيات النقابية ونقابات قطاعية ودعم الأحزاب السياسية وجماعة العدل والإحسان والمعطلين…الإضرابان اللذان لقيا تجاوبا تعدى الأعضاء المنخرطين في التنظيمات الداعية له.
2 – المواقف الرافضة للطرح الحكومي والتي صدرت في شأنه بلاغات وبيانات الأحزاب السياسية (الاتحاد الاشتراكي، الاستقلال، الأصالة والمعاصرة ، الاتحاد الدستوري، فدرالية اليسار …) والمركزيات النقابية والنقابات القطاعية وتنظيمات المجتمع المدني.
3 – التصريحات التي أدلى بها مجموعة من وزراء هاته الحكومة و كبار موظفي قطاعات حكومية والتي تدل على أن مجموعة كبيرة منهم غير مقتنعين بالإجراء بل ومنهم من هو غير متمكن من الملف تماما.
4 – الحملات المنظمة في شبكة التواصل الاجتماعي والتي يقودها مواطنون سيكتوون بنار هذا الإجراء، والرافضون لمثل هاته المعالجة.
5 – الندوات والملتقيات التي نظمها بعض مكونات المجتمع المدني والتي انتهت كلها إلى رفض المعالجة التي تقدمت بها الحكومة في هذا الموضوع.
6 – مواقف أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وهم يناقشون المشروع وعدم تسرع هذا المجلس في إبداء الرأي.
7 – التصريحات المتضاربة لبعض أعضاء الأغلبية في الموضوع.
8 – الإطلاع على مشروع قانون المالية لسنة 2015 المقدم من قبل الحكومة والذي يضعنا أمام المعطيات المرة التالية :
– الحذف النهائي لدعم المواد النفطية خلال هاته السنة.
– التأثير السلبي على درجات النمو وفرص التشغيل بسبب القرارات المالية المتخذة في قانون المالية هذا.
– الحذف التدريجي لدعم الدقيق المحلي المستخلص من القمح الطري والسكر وغاز البوتان والغازوال الموجه للصيد الساحلي.
– فرض الضريبة على القيم المضافة بالنسبة لكل عمليات القروض المتعلقة بالسكن الاجتماعي في حدود 10 % .
– رفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة على :
– المسخنات الشمسية.
– العجائن الغذائية.
– الرسوم المستحقة في الطرق السيارة.
وهذا استمرار في ضرب القدرة المعيشية للطبقات المتوسطة والفقيرة بمن فيهم المعنيون بأمر التقاعد.
من نافلة القول أن نذكر بأن كل دول العالم يحترز مشرعوها على ضمان الحماية الاجتماعية لموظفيها ومستخدمي مؤسساتها الخاصة والعامة بهدف الاستقرار الاجتماعي وإرساء آليات الحماية بكل مكوناتها… ورغم أن أنظمة الحماية الاجتماعية تتفاوت من دولة إلى أخرى اعتمادا على عدة مقاييس ومعايير ومعطيات، فإن المغرب انخرط منذ عقود من الزمن في منظومة الحماية الاجتماعية رغم ضعفها وعدم قدرتها على مسايرة التطور الاجتماعي والاقتصادي خلال سنوات مضت إذ أحدث نظام للمعاشات المدنية بموجب مقتضيات القانون 011.71 .
وبصفة عامة إن مناسبة هذا القول هو ما نسجله اليوم في تاريخ المغرب المعاصر من قرارات غير محسوبة النتائج، متهورة، ضد شريحة الموظفين والمستخدمين بكل القطاعات الحكومية والجماعات المحلية والمؤسسات العامة والخاصة، تجهز على المكتسبات وتساهم في ضرب قدراتهم المعيشية بل إنها تحول أغلبهم من خانة الطبقة المتوسطة إلى خانة الطبقة الفقيرة.
نعم هناك ملفات تداولت على تدبير قضاياها حكومات ثلاث على الأقل : ملف المقاصة، ملف منظومة التقاعد، ملف التربية والتكوين، ملف الاقتصاد، ملف السياحة، ملف الدبلوماسية الخارجية ملف قانون الإضراب،ملف قانون النقابات …
وكل حكومة لامست إشكالات هاته الملفات بطريقة ما إذ لم نسمع أبدا من وزراء هاته الحكومات أن المغرب بدأ معهم و أن شيئا لم يكن قد كان وأنهم الفاتحون والغازون وقاهرو الظلام، كل منهم اشتغل حسب ما تقتضيه المقتضيات التشريعية للعمل الحكومي في المغرب. أما اليوم فنحن نسمع بعض الخطابات الغريبة عن الفعل الوزاري وأخلاقه ومقتضياته البروتوكولية.
إن الإقدام على إصلاح الصندوق المغربي للتقاعد ليس جرأة أو بطولة أو شجاعة متوفرة في هاته الحكومة كما يدعي بعض وزرائها . والتي لم تكن متوفرة في الحكومات السابقة !! إن هذا المنطق غريب عن أخلاق التدبير الحكومي لشؤون المجتمع !!؟
وفي هذا السياق أود أن أؤكد على أمرين اثنين على الأقل أولاهما أن لا مقارنة مع وجود الفارق, إذ يعمد البعض إلى تأسيس كلامه على المقارنة بين حكومة التناوب التوافقي وما بعدها وحكومة 2012. والفرق قائم أساسا على أن حكومة التناوب اشتغلت في ظل دستور 1996 وحكومة 2012 تشتغل في ظل دستور 2011 والفرق بين الدستورين بين. الأمر الثاني هو حديث بعضهم عن تجارب الدول المتقدمة والديمقراطية في معالجة قضايا التقاعد ورغبتهم في استيراد تلك المعالجة للمغاربة والحال أنه شتان بين المجتمعين : مجتمع يوفر لمواطنيه العيش الكريم والحماية الاجتماعية بكل مستوياتها، بنيات ، استقبال، علاج، ترفيه، عناية، متابعة …أما مجتمعنا مع كل أسف فيوفر قليل القليل من ذلك. فهل تجوز المقارنة وهل يصح الاستيراد !؟.
عود على بدء لأقول إن الإختلالات التي يعرفها نظام معاشات الموظفين والمستخدمين رصدتها الحكومات السابقة مما جعلها تعتبر أن إصلاح أنظمة التقاعد أولوية ضمن أوليات البرامج الإستعجالية حتى نضمن لهاته الأنظمة الاستمرار والفعالية وهكذا تمت أجرأة عدة قرارات منها :
– تصفية بعض متأخرات الدولة لحساب الصندوق بمبلغ 11 مليار درهما.
– الرفع التدريجي من مساهمات الدولة والموظفين من 14 % إلى 20 % امتد على مدى 10 سنوات (1996-2006).
وهما إجراءان لم يخلقا أي اضطراب في المعيش اليومي للموظفين بل إن أغلبهم لم يحس بانعكاس على حياتهم مما ساهم في استمرار الاستقرار الاجتماعي لدى كل الفئات (الدولة ضخت مقادير مالية ضخمة والموظف رفع من مساهمته من 7 % إلى 10 % على مدى عدة سنوات).
إن مواجهة الهشاشة في التوازن المالي لنظام التقاعد لا تكون باتخاذ قرارات انفرادية وأحادية الاتجاه ومبنية على المزاج والتسرع، علما أن أسباب تلكم الاختلالات متعددة ومتشعبة منها ما هو مرتبط بالحكامة في استثمار المدخرات المالية ومنها ما هو مرتبط أساسا بضعف نسب الساكنة النشيطة إذ لا تغطي أنظمة التقاعد رغم تعددها سوى 33 % (3,4 مليون نسمة من مجموع 10,5 مليون نسمة) ومنها عدم انتظام مساهمة الدولة والقطاع الخاص في مالية هاته الأنظمة.
علما أن أعداد الذين سيحالون على التقاعد في تصاعد وهذا ما رصده كل الفاعلين منذ سنة 2006 إذ انتقل العدد من 5145 إلى 14941 متقاعد بفعل حد السن دون احتساب من يغادرون إلى دار البقاء وكذا من يصابون بالعجز الجزئي أو الكلي وسيصل العدد خلال سنوات 2015 ، 2016 إلى 16203 و 18846.
نعود لملف مشروع إصلاح الصندوق المغربي للتقاعد فنقول إن ملف إشكال أنظمة التقاعد بالمغرب ابتدأ الوعي بإشكالاته منذ 1995 إذ نادى المجلس الاستشاري للحوار الاجتماعي بضرورة التفكير في طرح الإشكال بهدف إيجاد الحلول المناسبة كما أن الملف طرح بحدة سنة 2003 وخلال سنة 2004 فتح هذا الورش من خلال البدء في اشتغال اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد (الصندوق المغربي للتقاعد ، النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد ، نظام تقاعد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، نظام التقاعد التكميلي للصندوق المهني المغربي للتقاعد.)
نسجل في موضوع التقاعد ما يلي :
– عدد المتقاعدين بلغ في نظام المعاشات المدنية سنة 2013 ما مجموعه 281.794 متقاعدا بزيادة سنوية تقدر ب7 % .
– عدد المنخرطين 660.651 بتطور سنوي بلغ 2.2 % .
– 3 منخرطون نشيطون مقابل متقاعد واحد خلال سنة 2013.
ونحن نتفق على وجود الأزمة لكن المعالجة الحكومية المقدمة لحلها فيها نظر.
لقد تقدمت الحكومة بالاقتراحات التالية :
– الرفع من سن الإحالة على التقاعد 62 سنة ابتداء من فاتح يوليوز 2015 وبلوغه 65 سنة تدريجيا بتمديده كل ستة أشهر كل سنة.
– الرفع من قيمة مساهمة الدولة والمنخرط بنقطتين سنة 2015 ونقطتين سنة 2016 أي من 20 إلى 28 لهما معا.
– احتساب المعاش على أساس متوسط أجور 8 سنوات الأخيرة من الخدمة.
– احتساب النسبة السنوية للمعاش على أساس 2 % عوض 2.5 %.
– تحديد شروط الاستفادة من التقاعد النسبي في :
– 26 سنة عمل عوض 21 سنة بالنسبة للرجال.
– 20 سنة عمل عوض 15 سنة بالنسبة للنساء.
أستاذا باحثا وبالتدقيق في مشروع الإصلاح الذي تقدمت به الحكومة نطرح الأسئلة التالية :
– هل نحن أمام مبادرة لإصلاح نظام التقاعد أم إنقاذ صندوق بذاته هو الصندوق المغربي للتقاعد؟
– لماذا لجأت الحكومة إلى الحل التجزيئي لأنظمة التقاعد في محاولة إصلاحها؟
– هل لا تتوفر الحكومة على إخراج آخر غير هذا الذي يتجه إلى منخرطي الصندوق المغربي للتقاعد؟
– لماذا القرار الانفرادي في طرح مشروع القانون؟
– لماذا هذا التضارب في التصريحات بين مكونات الأغلبية؟
– لماذا تتخذ الحكومة كل قراراتها ضد الطبقة المتوسطة والفقيرة؟.
* من مثل تجميد ترقيات الموظفين !
* تراجع مجموعة من الوزراء عن التزاماتهم مع النقابات الممثلة لموظفي القطاعات التي يدبرونها (وزارة التعليم العالي نموذجا)
* الزيادة في المواد الغذائية والنقل وغيرها.
– هل يعلم أعضاء الحكومة أن معدل التحاق أستاذ باحث مثلا بالوظيفة العمومية هو 35 سنة؟ ومعدل الالتحاق بأغلب المهن هو 30 سنة؟.
– هل يميز أعضاء الحكومة بين المهن وظروف الاشتغال؟
– هل يعي أعضاء الحكومة واقع الحماية الاجتماعية في أغلب مناطق المغرب ؟
لذلك كله وغيره وجب الاعتبار.
إن مثل القرارات المتخذة تحتاج إلى معالجات موضوعية تتحمل فيها كل الجهات مسؤولياتها حكومة كانت أم مؤسسات عمومية أم اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية، مسؤولية تقتضي الإجماع والتدرج في تطبيق القرارات مع البحث عن إمكانات أخرى تنضاف إلى تضحيات الموظفات والموظفين والمستخدمات والمستخدمين.
إننا بقدر ما نسجل وعينا بالإشكال المطروح وبانعكاساته السلبية المرتقبة على متقاعدي السنوات القادمة وأسرهم بقدر ما نخالف الطرح الحكومي شكلا ومضمونا. إذ من غير المعقول انفراد الحكومة بهذا القرار (المر) بل من الواجب إشراك المعنيين عبر مركزياتهم النقابية ونقاباتهم القطاعية عبر حوار مسؤول وجاد مع إشراك أصحاب القرار الاقتصادي في القطاع الخاص، ولعل في التجارب الدولية عبرا يقتدى بها في هذا المجال.
ونعتقد أن المقاربة الشمولية لإشكال منظومة التقاعد إحدى مفاتيح الحل الشامل والشمولي للإشكال حتى نتمكن من ضمان :
– الحق في الحياة الكريمة.
– الحق في تقاعد مريح.
– الحق في العدالة الاجتماعية.
– عدم الإجهاز على الحقوق والمكتسبات.
إن إصرار الحكومة على تطبيق مخططها في موضوع التقاعد دون إشراك الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين والاقتصاديين مغامرة وانفراد بالقرار ولن يكون يوما شجاعة سياسية، لقد أجمعت كل الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية والنقابات القطاعية وتنظيمات المجتمع المدني باستثناء تلكم الموالية للحزب الأغلبي مع وجود التقية لدى بعضهم على ذلك ونحن نذكر بأنه «لا تجتمع أمتي على ضلالة» فلماذا عدم الاعتبار!؟.
ونعتقد أن إنقاذ أنظمة التقاعد من كل الإختلالات بما فيها هشاشة التوازنات المالية ممكن بسن إجراءات تنفذ منذ الآن وتمتد على مدى قصير و متوسط وطويل من ذلك :
– الرفع من مساهمات الدولة المالية في صناديق أنظمة التقاعد مع التعجيل بدفع متأخراتها إن وجدت. (7 مليارات) دون احتساب الفوائد.
– ضرورة الاجتهاد في حكامة الاستثمار التي تعتمدها بعض صناديق التقاعد تصورا ومشاريع ورهانات ومتابعة وتقييما.
– الرفع من أعداد المنخرطين الجدد من خلال التوظيفات الجديدة في القطاع العام والخاص.
– اعتماد أنظمة للتقاعد رئيسية وتكميلية إجبارية بالنسبة لكل المنخرطين الجدد مع تشجيع القدامى على الانخراط في نظام تقاعد تكميلي.
– مراجعة منطق الأنظمة الخاصة بالتقاعد غير القائمة على مبدإ المساهمة (معاشات قدماء المقاومين ومعاشات العجز المدنية والعسكرية، والأنظمة الخاصة والإعانات المتجددة والمنح الجزافية والإيرادات الجزافية…) بشكل يضمن مزيدا من الشفافية وتحسين الأوضاع.
– تقوية الدورة الاقتصادية قلب المجتمع بكل مكوناته.
– العمل على النقص من قيمة الضريبة على الدخل بالنسبة للموظفين والمستخدمين.
– رفع سن التقاعد إلى 65 سنة اختياريا بالنسبة لكل الوظائف وبالنسبة للأساتذة الباحثين والقضاة إلى 67 سنة اختياريا مع ضرورة التمييز بين المهن إذ هناك مهن شاقة متعبة جسديا ونفسيا واجتماعيا يصاب أصحابها بأمراض صحية مزمنة : التعليم، الصحة، الأمن، الجيش، المناجم … ومن ثم جعل سن مغادرة أصحابها يتحدد بين 55 و 60 سنة اختياريا.
– الرفع التدريجي من المساهمة من 20% إلى 35 % تتحمل الدولة منها الثلثين ويتحمل الموظف أو الأجير الثلث الواحد كما سائر بلدان العالم.
– العمل التدريجي على توحيد صناديق التقاعد في قطبين اثنين عام وخاص مع إدماج صناديق التقاعد الداخلية (بنك المغرب، الوكالات، المكتب الوطني للكهرباء…) في أحدها مع خلق جسور بين كل الأنظمة الحالية و تقريب الفوارق تدريجيا بينها في أفق اعتماد آليات أنظمة للتقاعد في العام والخاص متجانسة، فعالة تجمع بين الرئيسي والتكميلي.
– العمل على تقوية آليات الحماية الاجتماعية بمؤسساتها ومراكزها وخدماتها.
– إحداث هيئة مستقلة لمتابعة مسار إصلاح أنظمة التقاعد مع اقتراح آليات المراجعة الدورية كل 10 سنوات على الأقل.
هاته بعض الإجراءات المقترحة من أجل إنقاذ أنظمة التقاعد في شموليتها الآن وغدا اعتمادا على كون التقاعد حق من حقوق الإنسان النشيط في القطاع العام و الخاص. أما إن كانت جهة ما تعتبر التقاعد ليس حقا بل إكرامية فلتتحمل كل جهة مسؤولياتها كاملة في كل القرارات والمبادرات. وبيننا التاريخ في هذا الملف وملفات أخرى مثل التعليم ،الصحة و التشغيل…
ولمن يعتقد أنه ركب البحر بأوضاعه الجديدة أقول اتق الله في عباد الله يا عبد الله.
* عضو المكتب السياسي للاتحاد
الاشتراكي للقوات الشعبية