فبأي معيار يُصبح مفهوم المراقبة مفهوما إجرائيا يمنح للسلطة القدرة على استثمار من تحكمهم، ويجعلها تتحكم في آلة الدولة التي تحتكر العنف والحجز؟ فمن يراقب الآخر، الإنسان أم المراقبة؟ ومن هما ومن أين جاءا؟. فهل أن الذين يراقبون مراقبون؟، وكيف يمكن تفسير فعل المراقبة في غياب استراتيجية السلطة؟، وما علاقة سلطة المعرفة بالدولة؟.
بما أن الحرية هي الإرادة حين تشيد نفسها بنفسها، فإن مفهوم المراقبة هو المكيال الذي يوضح مدى توازن الحقوق مع الواجبات، لأن المراقبة تعمل على تطويع الفرد وترويضه وجعله يخضع للعقد الاجتماعي الذي قام بصياغته بنفسه، بمجرد الموافقة عليه، هكذا أضحى الإنسان: « نسقا يعمل وفق آلية ميكانيكية» يخضع الاختبار العلمي واستراتيجية السلطة، المعرفة والسلطة كما يقول ميشيل فوكو الذي ينتقد العلوم الإنسانية: علم الاجتماع، علم النفس، الطب العقلي، فكلها تصنع الإنسان وتتلاعب بالعقول، وترويض الجسد: «فوسائل الممارسة على الأجساد خاضعة إلى ما توصل إليه العلم من تطور، أي أن وسائل مراقبة الجسد وترويضه رهينة بمدى تقدم المعرفة الإنسانية . ولعل هذا ما يقود إلى مفهوم جديد وهو مفهوم المعرفة.
فبفضل النشاط العلمي، يمكن تقطيع الواقع انطلاقا من منظور إنتاج القوة، فالعالم ليس محايدا، ولا المعرفة فوق الواقع.
– فالعلم الحديث نفسه بمثابة سلطة وعنصر أساسي في الصراع، وحتى الذين يتوهمون انه بإمكانهم إخضاعه واستعماله لخدمة أغراضهم فإنهم يقعون في شراك ذلك الصراع. ومن خلال هذا يتبين لنا وجود علاقة متينة بين التقدم العلمي واستراتيجية السلطة» والشاهد على ذلك أن نقد فوكو للعلوم الإنسانية: علم النفس، الطب العقلي، البيداغوجيا. فكلها تضع خططا من أجل التلاعب بالعقول وترويض الجسد وتصنيع الإنسان.
يتساءل ميشيل فوكو في كتابه المراقبة والعقاب عن أهمية سلطة المعرفة في خدمة مراقبة الدولة وذلك انطلاقا من المؤسسات التي تشرف عليها من خلال قدرتها على تعقب ومراقبة الأفراد طوال حياتهم مما يؤدي إلى نمو شعور دائم بالرقابة يسري في المجتمع الحديث، ولذلك فإن السلطة لا يمكن أن تقتحم غموض أفعال الأفراد إذا لم تلتجئ إلى سلطة المعرفة هكذا تصبح السوسيولوجيا وعلم النفس وعلم الاقتصاد والطب العقلي مجرد مؤامرة تسعى إلى مراقبة الإنسان منذ ولادته إلى موته. وربما يكون هذا السبب الذي يجعل كل إنسان يسلم نفسه إلى قدره وكل رحيل هو بالقوة آخر رحلة فالسفينة الذي تحمله تتمايل كما يفعل الموج والزبد المنكسر على الشاطئ ونهايتها ليست سوى بداية جديدة. فما الذي يجعل كتاب المراقبة والعقاب والذي صدر سنة 1975 يتناول قانون العقوبات بمنهج بنيوي يسعى إلى تفكيك الرأسمال الرمزي لثنائية السلطة والمعرفة وتعريتها أركيولوجيا من أجل الوقوف على لا وعي الطبقة الرأسمالية الحاكمة ونقد قانون العقوبات الذي يستند إلى نظام المراقبة؟.
الواقع أن مفهوم السلطة باعتباره الوجه الآخر لمفهوم المراقبة يتحدد عند فوكو في صيغة مخالفة للتصور الماركسي الكلاسيكي ونظرية الحق الطبيعي إذ لا وجود حسب فوكو لذات أو لفاعل يملك السلطة، كما أنه لا وجود لجهاز الدولة ينفرد لوحده باستعمال السلطة. وكبديل لهذا الغموض يقترح فوكو نموذجا استراتيجيا للسلطة والذي يتمثل في عدم النظر إلى السلطة كملكية مستقرة في يد ذات فردية أو جماعية، وإنما يجب التفكير في السلطة كإنتاج لاستراتيجية الصراع بين القوى ولعل هذا التأويل هو نفسه الذي نجده عند نيتشه الذي يتحدث عن تعدد علاقة القوى وكثرتها، فهي لا تنبع من ذات واحدة تمتلك القوة، أو إرادة القوة، إذ نجدها تسري في كل العلاقات الاجتماعية والرمزية المتضادة فيما بينها إلى درجة أنها لا تأتي من فوق، بل من بنية تحية من الصعب أن تظهر في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، بل بالأحرى في علاقات القوة المتجسدة في آليات الإنتاج داخل الأسرة والمجموعات الصغيرة وداخل المؤسسات وبعبارة فوكو إنها تتجسد في المجتمع بأسره: «فالسلطة هي دوما شكل خاص لصراع يتكرر بشكل دائم، وهذا الصراع المتكرر لا يسمح باستقرار السلطة إنها حرب مستمرة لأن السلطة علاقة والعلاقة تتغير باستمرار، ولذلك لا يمكن الحديث عن مركز للسلطة فهي موجودة ومنتشرة في كل مكان ولعل هذا ما يجعلها غير منضبطة لحدود السياسيين إنها تتجاوز كل طموحاتهم».
فثمة إذن رؤية جديدة للسلطة التي تمارس المراقبة على المجتمع من أجل إخضاعه لأفقها المعرفي فهي تشتغل وكأن الأمر يتعلق بمصلحة المواطنين، على الرغم من أنها تطبق المبدأ الميكيافيلي الذي يقول إن من يبني على الشعب وكأنه يبني على الطين، لأن ما كان يهم ميكيافيلي هو منح سلطة مطلقة للأمير ولو اقتضى الحال ممارسة المكر والخداع، ذلك أن الغاية تبرر الوسيلة، أمير جديد لأجل إمارة جديدة. ولعل غاية ميكيافيلي هي تشييد الإمارة على الأمير لأنه يشكل جوهرها ولا وعيها، وربما يكون هذا التصور هو ما دفع بفوكو إلى نقد النظرية الكلاسيكية للسلطة لأن الدولة تختلف عن السلطة، بل إنها لا تحتكرها ولكن تتحكم في توجهاتها وتمدها بكل الآليات لتتمكن من الحفاظ على ذاتها هكذا: «توجد علاقات قوة بين كل بنية جسم إنساني في الجسم الاجتماعي: بين الرجل والمرأة، بين أفراد الأسرة، بين الجمعيات والأحزاب السياسية، بين كل من يمتلك المعرفة ومن لا يمتلكها».


المراقبة باعتبارها  ميكروفيزياء للسلطة


هاهنا يهيئ الإنسان نفسه للسلطة التي ستحكمه ويصبح مجرد وديعة عندها لأن السلطة، لا يمكن تحديدها خارج آلة الدولة، كما يقول فوكو، لأن الدولة هي مجرد ميكروفزياء للسلطة، إنها تتجلى من خلال مجموعة من المؤسسات الامن والسجن، ذلك «أن الشرطة كمؤسسة منظمة على شكل آلة للدولة، تابعة في عمقها للسيادة السياسية سواء تعلق الامر بشكل السلطة التي تمارسها او بميكانيزماتها التي تطبقها بخصوصيتها». إنها بعبارة أخرى قوة منظمة مؤدبة تسعى في ظاهرها الى تعويد الناس على النظام. من خلال سيطرتها على المجال بواسطة علاقتها بآلة العدالة والسياسة، لان رهانها هو اكتساب شرعية العنف، على اعتبار أنها تقدم نفسها كخادم مطيع للقوانين التي شرعها الإنسان بنفسه. هذا إذا كانت هذه الشرطة تنتمي إلى الحداثة. أما إذا كانت وسطوية كالدولة التي تحركها، فانها تمارس سيادة الاسياد أي أنها تكون مأجورة من قبل جماعة من الاسياد الذين يعتبرون الانسان مجرد عبد يعمل بغية إسعاد سيده الذي خلق لكي يستهلك. والحال ان السلطة القهرية حين تتجسد انطلاقا من آلة الدولة يمكن النظر إليها كشكل من أشكال الانتاج للبنية التحتية: «بدون شك بامكاننا ان نعتبر الانظمة القمعية مجرد أنظمة لانتاج العنف» إنها مقاولة مختصة في قهر الانسان وحرمانه من إنسانيته، من حريته وكرامته. يمكن اعتبارها معادلة مغلوطة يسيطر فيها الانسان على الانسان. ويقوم بحرمانه من الحق في الحياة والمعرفة والحرية، وبعبارة أدق الحق في الحق. لكن هل للسلطة ماهية او صفة تؤهل الذين يملكونها وتميزهم عن الذين تمارس عليهم؟
لقد كان سقراط رائعا حين اعتبر أن السلطة تفتقد للتعقل لأنها تنبثق عن الوجدان وتظل نائمة في كهفه، ولعل هذا بالذات ما جعل فوكو يقول بأن السلطة ليست لها ماهية، بل إنها مجرد فاعل بضعي متعلق بالعمليات الجراحية لا يمتلك صفة محددة يسعى إلى تخدير الإدراك، ولكنها عبارة عن علاقة للسلطة مع مجموع القوى: «إن السلطة تستثمر من تحكمهم، وتتمظهر من خلالهم، وانطلاقا منهم. وتأخذ قوتها منهم». واستنادا إلى تحليله للرسائل الموقعة من قبل ملك فرنسا الوسطوية، يكتشف بعمقه الفلسفي أن استبداد وتعسف الملك لا ينزل من فوق إلى تحت كصفة لسلطته المتعالية، بل هو توسل او التماس للعامة الخاضعة لاستبداده: الاباء، والجيران والاصدقاء الذين يخشون السيبة والفوضى، ويستغلون الملك المطلق كمصلحة عامة قادرة على حل الصراعات العائلية ومشكل الزواج والطلاق، ومظاهر الانحراف والنزاعات العملية والمبالغة في السكر والدعارة.. والشذوذ الجنسي.. ومع ذلك نتساءل: هل تتدخل السلطة بالعنف أم بالاديولوجية؟ أحيانا تتدخل بالقمع وأحيانا بالخداع أو تمرر اعتقادا خاطئا، وبعبارة أوضح إنها تتدخل من خلال أجهزة الامن والجيش، أو من خلال الدعاية. لأن غاية السلطة المستبدة لا تقف عند حدود وضيفة السلطة التي تتجلى في العلاقة بين القوى» فعل مقابل فعل» بل تتعدى ذلك. لان السلطة هي نتاج للواقع قبل ان تقوم بقمعه، لان هناك معادلة منطقية تقوم على التكافؤ داخل اللاتكافؤ، لان الذين يقومون بالقمع يخضعون ايضا للقمع، كما ان العامة تخشى إرهاب السلطة، والسلطة تخاف من ثورة العامة. ولذلك نجدها أحيانا تنتج ما هو حقيقي وتؤدلجه، قبل أن تقوم بتجريده او تغليفه بقناع. من أجل ان تبرز فكرة جوهرية تقول بأن الناس في الحاجة إلى السلطة، إلى سيادة الملك، بيد أن هذه الفكرة تستمد روحها من القرون البدائية، والوسطى حيث نجد أن كتاب السياسة في تدبير الرياسة المعروف ب»سر الاسرار» والمنحول على أرسطو يعتبران السياسة هي الدولة، والدولة هي الملك، وأساس الملك العدل: «إن الملك والعدل لا غنى بأحدهما عن الآخر». لعل كاتب الملك يقوم بدعاية متورطة في الخداع، عندما يروج بأن الملك هو مصدر العدل: «عدل الملك أنفع للرعية من خصب الزمان» أو قوله: «سلطان عدل خير من وطن وإبل». بيد أنه ينسى ان العدل ليس نعمة او هدية يقدمها الملك للمواطنين، ولكنه ضرورة لاستمرار الحياة في حين ان الجور مضاد للحياة وللطبيعة، لان الطبيعة لا تصنع باطلا، والجور مصدره الطغيان والاستبداد، ذلك ان الملك يأخذ الوطن والابل بغية منح للطبيعة ما للطبيعة. أي إقرار العدل حسب ميزاجه ولو كان عدلا ظالما.
لم يتركنا هذا الانزياح الذي عاد بنا إلى طرح إشكالية السلطة في العالم العربي والتباسها بشخص الملك، نتقدم إلى الامام ونتعرف على الفلسفة التنويرية ودورها في تحرير الانسانية من العبودية والاستبداد. وإخراجه من القصور الفكري الذي هو مسؤول عنه إلى الرشد من خلال الشعار الخالد للتنوير: «فلتكن شجاعا على استعمال عقلك»، ينبغي ان تستعمل ما منحته الطبيعة لك، والا قضيت حياتك مجرد عبد ذليل، ظل لسيد مجنون بالسلطة والثروة. ذلك ان مبدأ الحرية ومصدرها يكمن في الانسان ذاته، والناس يصنعون تاريخهم ويحققون العجائب عندما تصلهم نعمة الحرية والقدرة على الحركة، هكذا تجدهم يؤسسون واقعهم، ويبدعون مستقبلهم. لان التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي والتقني، والرقي الحضاري مرتبط بالانسان المتنور الذي يعيش في نعيم الحرية والديمقراطية بعد ما قام بثورة على السلطة الوسطوية ونسف العدمية الفكرية والسياسية، وتثبيت السياسة كإمكانية للعيش معا من أجل التفكير معا في مستقبل مبتهج.
من العادات السيئة التي ورثتها السلطة السياسية في الغرب عن الأنظمة الملكية المطلقة تلك العادة التي تجعل من التعذيب غاية للترهيب، لأن ما يهم ليس هو تنفيذ حكم الملك الذي يختمه بخاتمه الشخصي في حق كل مجرم أو معارض لنظامه، بل ترهيب الرعية من أجل أن تعيش الخوف المطلق.
ولذلك نجد ميكيافيلي في كتابه الشهير ينصح الأمير بأن يحافظ على هيبته لكي يكون محبوبا. وخاصة وأن الرهبة تولد الطاعة والانصياع. وقد لاحظ فوكو بأن السلطة السياسية تبحث عن شرعيتها من خلال العنف وممارسة التعذيب على الأجساد والأرواح. مما يخول لها الاستحواذ والهيمنة على الكل لأن شعارها الكل أو لا شيء.
هكذا تتحول الفلسفة مع فوكو من مبحث في الحقيقة إلى تعرية حقيقة السلطة السياسية، انطلاقا من تجلياتها في آلة العنف والتعذيب والحجز. فالمحكمة والسجن والمصحة النفسية كلها وجوه بشعة للسلطة القمعية، ولعل هذا بالذات ما جعل الفيلسوف ينخرط في حاضره يمتد في واقعه يتذوق مرارة السجن مع السجناء وعنف التعذيب مع المحتجزين وبشاعة الإعدام مع الذين ينفذ فيهم حكم الإعدام، والشوق إلى الحرية مع المتشقين.
إنها مفارقة لذيذة في نكهتها. عندما تجعل الفيلسوف يظل سقراطيا يتعقب سراب الآمال في الحرية والديمقراطية والكرامة، على الرغم من أن قدح السم يبقى مشتركا بين كل الفلاسفة، وبخاصة وأن سقراط قد ترك مزحة رائعة حين تجرع قدح السم إذ قال للحاضرين أن الموت هو مجرد نوم بدون أحلام أو ربما مناسبة ستجمعني بكل العظماء الذين أحبهم كهوميروس وهوزيو وبارميند وهيراقليط..
كان فوكو إذن مغرما بهذه الروح التي ظلت أزلية، كما قال أرسطو: «إن سقراط أزلي»، ولذلك وهب شقته التي يملكها لروح سقراط، وأصبحت الحرية والكرامة والحق في الحق تنتج في هذه الشقة. إلى درجة أن مراجعة أخطاء السلطة، قد منحته فرصة لكتابة المراقبة والعقاب، الذي ستجعل من الفيلسوف يلتزم بقضايا مجتمعه ويوجه الفلسفة إلى إدراك عصرها في مفهوم السلطة.
ولعل أرسطو أيضا الذي كان قريبا من زمن سقراط، قد اشترى بقعة أرضية كانت عزيزة على قلب المعلم سقراط وأسس فيها مدرسته اللكيون، ومنها خرجت كل الأعمال العظيمة لمعلم الإنسانية، هكذا تصبح أرواح الفلاسفة متناغمة كالأفلاك فلا يغير الزمن من تناغمها وحفاظها على عظمتها وقدرتها على اختراق غسق الظلام. لأن أرسطو هو مبدع الدولة المدنية ومنظر الديمقراطية. التي كان يعتبرها مجرد فوضى في الآراء، ولكنها فوضى ممتعة.
لم يكن فوكو فيلسوف الكوليج دو فرونس فقط، بل كان يقضي وقته موزعا بين الكتابة، لأنه له قدرة خارقة على الكتابة إلى درجة أنه يكتب كتابين دفعة واحدة، رغم الملل الذي كان يشعر به أحيانا كما صرح في حوار معه، والنضال السياسي والحقوقي بمطالبته بإصلاح السجون والمصحات وتحديث السياسة وتفكيك خطاب السلطة وفضح مارستها للخداع والقمع. إنه فيلسوف استطاع إقاد نيران البهجة وتحرير الفلسفة من سجن المؤسسة وجعلها تتسكع مع المتسكعين وتقوم بفضح السياسيين المحترفين الذين تحلوا إلى مرتزقة تعيش على أرباح المقاولة السياسية التي حولتهم إلى طغاة وأنذال شعارهم القحة والخبث بلغة أرسطو.
ربما يكون هذا هو السبب الذي منح للفيلسوف شعبية كبيرة عند الناس وتحولت محاضراته إلى أعياد للفلسفة يحضرها كل متشوق لنداء الحقيقة. وقد كانت قاعات الكوليج دوفرانس تمتلئ عن آخرها يستمعون إلى صوت الفيلسوف دون رؤيته. ومع ذلك فإنه كان يحرضهم على الحق في الحق.
بيد أن هذا النجاح لم يكن سهلا، بل إن فوكو وجد صعوبة مع أساتذة الفلسفة المحافظين واللاهوتيين في السربون والكوليج دوفروس الذين شرعوا يحاربونه وينعتونه بنعوت عديدة مثل: النازي الجديد، المثقف البورجوازي، التكنوقراط، عدوّ الفلسفة. ولعل جيل دولوز كان رائعا في وصفه للمشنعين بفوكو وتحليل نفسيتهم المريضة بالحقد التاريخي، والحسد الاجتماعي. ولعلنا في المغرب نعيش نفس التجربة مع بعض المعوقين الذين يلطخون براءة الفلسفة. ويتوسلون للسلطة، بتقديم المراقبة الاستخبراتية، مقابل الجرايا.
نعم إن دولوز في كتابه فوكو قد افتتحه بذلك الإرهاب والاضطهاد الذي عاشه فيلسوف الجنون عندما طلع على باريس كشروق شمس رائع وجديد، استطاع أن يجعل الفلسفة في خدمة الإنسان ومعاشرته في حميميته ودفعه إلى النطق بحقيقته التي غالبا ما تكون عبارة عن آمال ينتظرها في المستقبل. والحال إن فوكو قد فتح شقته من أجل ممارسة الفلسفة في الواقع، لأنه لا يريد تفسير العالم، بل يرغب في تغييره، لكن المؤسف أن حياته كانت كالنور الذي يخيف الخفاش لتعوّده على العيش في الظلام. فمات وهو في بداية حياته، وتركنا هنا ننتظر الانتظار، ونتذوق بشاعة الزمان ونكهة الاضطهاد. نخشى أن نستيقظ فنجد أننا محاصرون بعنف المراقبة والعقاب.. باعتبارهما يشكلان حقيقة السلطة الحديثة.
هذه إذن هي مرتكزات السلطة الحديثة عند فوكو المراقبة والحراسة وفي نهاية المطاف العقاب والحجز فهي تعمل على إنتاج القمع وتحتكر العنف ومن ثم فهي تخضع القيمة والجسد والمعرفة لمملكتها لأن الجسد هو تلك المنطقة التي بواسطتها يمكن التعبير عن الحياة وهو أيضا مفهوم أساسي في الأنثروبولوجيا لأنه ينتج اللغة والثقافة، كما أنه مصدرا للعمل في علم الاقتصاد حيث يتحول إلى بضاعة تبيع نفسها بغية العيش في عالم يتحكم فيه الصراع بين القوى من وسيلة للإنتاج إلى مادة للاستهلاك الأمر الذي يجعل وسائل الإعلام تتحكم في توجهاته واختياراته من خلال الإشهار، بل إنها تأمر لكي يستهلك تلك البضاعة التي ينتجها. إنها رحلة غريبة إن لم تأت للعامل بالثروة فإنها قد تعيد إليه إحساسه بأنه إنسان مستلب يعيش تحت رحمة الوعي الشقي ولذلك يتعين عليه أن يكتشف قارة الوعي الذاتي حتى يتمكن من استرجاع حريته، لأن الحرية كما قال كانط هي الإرادة حين تشيد نفسها تشبه الماء الذي يكتسح كل شيء ويطهر الإنسان من مخلفات العبودية. ومن المحتمل أن يهتف مع هيجل الذي يقول: «إن ما يجعل عصرنا عصرا عظيما وهو امتلاكنا للحرية والفكر».
نعم إن هذه الرحلة الشيقة في أروقة كتابات فوكو قد جعلتنا نتردد في الركوب في سفينة الحمقى التي كانت تحمل المجانين إلى لجة العدم: «فالأرض التي سينزل فيها هؤلاء تجهل عنهم كل شيء تماما كما أن اليابسة التي تطؤها أرجلهم لا تعرف من أي أرض جاءوا إذ لا حقيقة لهم كما أن لا وطن لهم إلا في ذلك الامتداد بين البراري التي لا يمكن الانتماء إليها هاهم المجانين وقد تحولوا إلى كائنات تطاردهم لعنة اللاعقل يرحلون إلى اللاشيء على ظهر سفينة أصبحت غريبة عن الأرض التي جاءت منها ولا تعرف أي شيء عن المرافئ التي تسير نحوها سفر غريب إلى المجهول وهذا هو حال الإنسان المعاصر. الذي أصبحت حياته مختصر قي العمل والاستهلاك والمراقبة، ونسيان الوجود. فما الذي يمكن للعلوم الإنسانية أن تقدمه للإنسان المعاصر؟.


نداء الحرية:

سيرا وراء هذا الأمل الذي يتجه نحو تأسيس مملكة الإنسان في الأرض بدلا من الحلم بها في السماء، كما كان يحلو للسلطة السياسية أن تردد أمام أتباعها، باعتبارها سلطة انبثقت من ميراث الكنيسة الوسطوية، سنجد أنفسنا داخل نصوص فيلسوف الهامش التي كان يدخلها كل إنسان مؤمن بالنزعة الإنسانية، يشبه ذلك الرجل الذي خلع معطفه وغطى به تلك الجثة العارية والممتدة على الصقيع، مما جعل أحد الرهبان يسائله: هل اعتبرته إلها، فأجابه بعمق إنساني: لا، فقد اعتبرته إنسانا، وإنسانا فقط. ولعل هذا هو حال الفيلسوف الذي يريد أن يكون مجرد إنسان مفرط في إنسانيته بلغة نيتشه، لكن لماذا يستضيفنا فوكو في نصوصه بدون إيجار، وكيف ستكون إقامتنا في هذه الكتابات التي تنيرها نيران بهجة الحرية وإعادة الاعتبار للجسد حتى ولو كان صاحبه مجنون، وكيف يمكن لرؤية بسيطة أن تعيد ترتيب نظام العالم وتعجّل بانهيار المقاولة السياسية الوسطوية؟.
ربما أن فوكو نسي أن يكتب على باب شقته الباريسية شعاره الأساسي: لن يدخل علينا إلا من كان يؤمن بالإنسان بما هو إنسان ويصبح الكوجيطو عنده هو أنا أفكر. أنا موجود حتى ولو كنت مجنونا. قد يكون السبب في عدم إشهار هذا الشعار يعود إلى الرغبة في عدم تكرار ما فعله أفلاطون عندما كتب على باب أكاديميته: لن يدخل علينا إلا من كان رياضيا، أي عالما للرياضيات، ولعل هذا سيفضي إلى حرمان كل من يجهل علوم التعاليم، ويدفعهم إلى الالتحاق بالمدارس السوفسطائية التي كانت تحرض على نبذ الفلاسفة وملاحقتهم وإعدامهم.
ثمة رهان على أنّ فوكو كان على علم بأن فتح الباب أمام المخالفين له في الرأي هو شعار ديمقراطية ما بعد الحداثة، ذلك أن الاختلاف في الآراء يحرك التاريخ، لكن الصراع بين الأجساد الذي يقوم على التعذيب والاغتيال والإعدام يؤدي إلى تدمير التاريخ، والحكم على الإنسان بالإقامة في العدمية ويصبح قدره إما أن يقتل أو يموت. ومن أجل اجتياز هذا القدر الحزين تعالت أصوات الجماهير المشتاقة إلى الحرية والمنددة بالطرق التقليدية للتعذيب، باعتبارها ممارسة تضاد القيم الإنسانية وروح المجتمع العقلاني الحديث، بيد أن فوكو لم يكن مقتنعا بهذه الدعوة التي خرجت من رحيم عصر الأنوار، لأن شعار جينيا لوجيته هو السؤال: لماذا؟ وكيف؟ وما الهدف من ذلك؟ أو بالأحرى ما الذي ينبغي على الفيلسوف أن يقوم به أمام أخطبوط السلطة؟
يلاحظ فوكو أن الخطاب التنويري كان خطابا سياسيا، أدرك بأن التعذيب أنتج مظاهر أزمته، ومن ثم سيعمل على تجاوز ذاته بواسطة نظام حديث للمراقبة والعقاب. ذلك أن التعذيب الملكي الوسطوي دخل في أزمة عجلت بانفجاره، نظرا لانخراط الشعب كشاهد ومشارك ثم كضحية محتملة في عملية التعذيب: «هكذا تحولت طقوس التعذيب من فرجة غايتها أخذ العبرة والتذكير بجبروت الملك إلى تعاطف الجمهور مع الإنسان المعذب». وبعبارة أخرى إن الجمهور لم يعد يحضر إلى فرجة لتنفيذ التعذيب، لكن إلى فضاء مقدس للتعاطف والتسامح مع المحكوم عليه. وخاصة عندما يكون بريئا ومناضلا يشتاق للانعتاق من الطغيان وعبادة الاستبداد، حيث تتعالى الأصوات الرافضة للظلم والشاتمة للقضاة والجلادين. ويتحول المدان إلى بطل للتحرير من جبروت الطبقة الحاكمة، وأحيانا يثور الجمهور ويحرر المحكوم عليه. ويعلن عن تذمّر من التعذيب وإهانة الإنسان من خلال تدمير جسده بأبشع الطرق.
لم يكن فوكو يتسلى عندما توجه إلى تفكيك هذه البنية المغلقة لمجال التعذيب الذي سيتحوّل مع الثورة الفرنسية إلى مجال للمراقبة والعقاب، لأن السلطة السياسية لم تعد تنتقم، بل تعاقب. ذلك أن شعار هذه الثورة الذي هو: الحرية والمساواة والمؤاخاة لا يمكن أن يقوم إلا على أرض صلبة وهي الكرامة الإنسانية باعتبارها مرجعا للتشريع الإنساني، الأمر الذي أرغم السلطة السياسية على الاحتكام إلى العقد الاجتماعي، بعد أن كان يخضع لسلطة الملك المطلقة، التي كانت تعتبر أن كل من قام بسرقة أو جريمة أو انتفاضة داخل المملكة، فإنه تجرّأ على المسّ بقدسية الملك، ومن ثم فإنه يدان من قبل الملك أبشع إدانة لكي يكون عبرة للرعية، ذلك أن الرعية هي عبارة عن مقولات عرضية تدور في فلك الجوهر، أي الملك الذي يشكل وجودها الحقيقي.
بيد أنّ فوكو يرى بأن مرتكب الجريمة أو المحكوم عليه لا يعاقب على كونه خرج عن سلطة الملك، بل لأنه مواطن لم يحترم العقد الاجتماعي وأصبح يشكل خطرا على المجتمع وعلى العقد الاجتماعي. هكذا تكون عقوبته منبثقة عن العقد الذي شارك في وضعه عندما كان يستحق صفة المواطن، ولذلك ينبغي أن يحرم من حريته، لأنه لم يعرف كيف يستثمرها في أعمال تعود عليه وعلى المجتمع بالفائدة. الأمر الذي يجعله يفقد بقية حقوق المواطنة التي كان ينعم بها قبل تمرّده على العقد الاجتماعي. ومن ثم يتم تهميشه مع المشردين والمجانين، أي المقصيين من المجتمع. هكذا يوضع في زنزانة أو مصحة عقلية.
والشاهد على ذلك أن السلطة الحديثة لم تعد: «تسعى إلى تكوين الفرد الحقوقي كما جاء في العقد الاجتماعي، بل الفرد المطيع الخاضع للعادات والمؤسسات والأوامر». ولعل فوكو قد استفاد كثيرا من فيلسوف التنوير إيمانويل كانط الذي اعتبر أن المشاركة في صياغة القوانين تمنح الإنسان حريته، وتجعله يخضع إلى الواجب من خلال احترامه لهذه القوانين التي شرّعها بنفسه، ولعل هذه هي التربة التي أنتجت نظرية العقد الاجتماعي الذي يلزم الحاكم والمحكوم باحترامه. فاحترام الواجب هو: «احترام خالص للقانون العملي تبعا للقاعدة التي تلزم بإطاعة هذا القانون حتى ولو جاء ذلك على حساب جميع ميولاتي». وفي الحقيقة أن ما يجعل الإنسان مطيعا للقانون ليس هو المراقبة والعقاب، بل الإرادة الطيبة التي يمكن الحصول عليها من خلال التربية والتعليم، لأنه: «من كل ما يمكن تصوره في العالم، بل وخارج العالم بعامة، وليس ثمة ما يمكن اعتباره خير بدون حدود أو قيود الإرادة الخيرة». فهل كان فوكو كانطيا في كتابه، آم نيتشويا؟.
ولذلك فإن فوكو برهن في كتابه «المراقبة والعقاب» على أن السجن في أفق الحداثة لم يعد يكتفي باحتجاز الخارج عن العقد الاجتماعي، وإنما يتم توظيفه بطرق جديدة في سيرورة الإنتاج. حيث يتحول المحكوم عليه بالسجن إلى ذات منتجة يستفيد منها المجتمع. وبخاصة أن الهدف من العقاب في المجتمعات الحديثة ليس هو الحد من الجريمة ومحاربتها، بل تغيير المجرم وإصلاحه من أجل إعادة إدماجه في حميمية العقد الاجتماعي، وتخليصه من التهميش والحرمان. ليكون مواطنا منتجا عندما يخرج من السجن. إن الحداثة مرتبطة بالرأسمالية التي تقوم على الإنتاج، والجسد هو محرك الإنتاج، ولذلك فإنه يعتبر وصفة سحرية للازدهار الاقتصادي.
ومع ذلك، فإن المدهش في ضيافة فوكو أننا نتعلم عدم الاطمئنان للقدر الذي يتم اختياره لنا من قبل السلطة السياسية، لأن غايتها تكون دائما في تضادّ مع غاية الإنسان الذي خلق حرّا وتحوّل إلى عبد يشقى من أجل أن يحيى ها هنا إن المفارقة لا تكمن في سوء نية السلطة عندما تدفع أجورا للمساجين مقابل أعمالهم، بل من أجل إخضاعهم لدوران أفلاك النظام الرأسمالي، بيد أن فوكو يلاحظ بأن السحر قد ينقلب على الساحر، حيث تتحول السجون إلى مصنع للمجرمين المحترفين الذين سيشلكون خطرا على المجتمع بعد خروجهم من السجن. ولذلك فإنه بالرغم من الزيادة في عدد السجون: «فإن كمية الجرائم والمجرمين تبقى ثابتة أو الأسوأ أنها تزيد». هكذا يغذو السجن إعادة لإنتاج العنف، بل يتحوّل إلى آلة لصناعة الموت. كما لاحظ فرانسوا بولون في كتابه «ميشال فوكو والسجون».
الملاحظ أن فوكو لا يتركنا نتمتع بقلق أسئلته واضطراب خلاصاته، بل إنه يحكم علينا بالتنقل المستمر من زمن إلى زمن ومن الاطمئنان إلى عدم الاطمئنان إن كتاباته مضطربة ورائعة كالبحر، هكذا نرغم أنفسنا على الاعتراف بأننا نسافر في عوالمه على ظهر سفينة مثملة، ربما تكون هي نفسها سفينة الشاعر بودلير. ولكن هل سنصل إلى اليابسة كذلك البحّار الذي خاض غمار بحر مرعب، وحين وضع قدميه على اليابسة هتف: آه اليابسة ! أم سنستمع إلى فوكو وهو يصف أوضاع هؤلاء المحتجزين: «رأيتهم عرايا أو يضعون على أجساهم أسمالا ويفترشون التبن لاتقاء رطوبة الأرض التي ينامون عليها، رأيتهم بلا غذاء كاف محرومين من هواء يستنشقونه، ومحرومين من ماء يروي عطشهم، ومحرومين من الأشياء الضرورية للحياة، رأيتهم بين أيدي سجانين شداد، تحت رحمة مراقبة عنيفة، رأيتهم يتكومون في فضاءات ضيقة وسخة عفنة بدون هواء ولا نور، في كهوف لا تليق بالوحوش الضارية التي تنفق عليها الحكومات بسخاء في عواصمها».
فمن الواجب انجاز فعل ما احتراما للقانون، باعتباره غاية كل شخص ينتمي لدائرة الكائنات العاقلة.


المراجع:
1 – ميشيل فوكو، تاريخ الجنون الترجمة العربية، افريقيا الشرق
2 – فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع الترجمة العربية دار الطليعة بيروت
3- فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع الترجمة العربية دار الطليعة بيروت
4 – فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع الترجمة العربية دار الطليعة بيروت
5- فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع الترجمة العربية دار الطليعة بيروت
6 – أرسطو كتاب سر الأسرار، تحقيق بدوي
7 – أرسطو كتاب سر الأسرار، تحقيق بدوي
8 – فوكو، تاريخ الجنون، الترجمة العربية
9 – فوكو، المصدر نفسه
10 – فوكو،المصدرنفسه
11 – فوكو، المصدر نفسه

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

8 نونبر 2014