معركة الهري محطة حاسمة في مسار مواجهة التوسع الاستعماري
وإحياء لمجد تاريخي أثيل
تخلد أسرة المقاومة وجيش التحرير وساكنة إقليم خنيفرة يوم الجمعة 13 نونبر 2009 الذكرى 95 لمعركة الهري
الشهيرة التي تعتبر من أروع صور الكفاح والاستماتة والملاحم التي خاضها المغاربة في مواجهة حملات توسع الجيوش
الفرنسية لبسط سيطرتها على منطقة الأطلس المتوسط سنة 1914 ، هذه المعركة التي مثلت معلمة مضيئة في تاريخنا
الوطني وجسدت بجلاء مدى صمود الشعب المغربي ضد الاحتلال على إثر فرض معاهدة الحماية سنة 1912 ، والتصدي
لمخططاته.
فبعدما تم احتلال ما كان يسمى في نظر “ليوطي” ب “المغرب النافع” – السهول والهضاب والمدن الرئيسية – ،
وتمكن الجيش الفرنسي من ربط المغرب الشرقي بنظيره عبر تازة في ماي 1914 ، توجهت أنظار الإدارة الاستعمارية نحو
منطقة الأطلس المتوسط. وبالضبط إلى مدينة خنيفرة لتطويقها وكسر شوكة مقاومتها، في أفق فتح الطريق بين الشمال
والجنوب عبر هذه القلعة الصامدة والتي شكلت إحدى المناطق التي اتخذها المقاومون مركزا للكفاح ضد الاستعمار.
وقد تأكدت هذه الخطورة من خلال التصريح الذي أدلى به المقيم العام “ليوطي” حيث قال يوم 2 ماي 1914 : ” إن
بلاد زيان تصلح كسند لكل العصاة بالمغرب الأوسط، وإن هذه المجموعة الهامة في منطقة احتلالنا وعلاقتها المستمرة مع
القبائل الخاضعة، يكون خطرا فعليا على وجودنا، فالعصاة المتمردون والقراصنة مطمئنون لوجود ملجأ وعتاد وموارد
وقربها من الجيش ومناطق الاحتلال جعل منها تهديدا دائما لمواقعنا ، فكان من الواجب أن يكون هدف سياستنا، هو إبعاد كل
الزيانيين بالضفة اليمنى لأم الربيع”.
وفي هذا السياق، انطلقت أولى العمليات العسكرية وأنيطت مهمة القيادة بالجنرال “هنريس” الذي اعتمد في سياسته
على أسلوب الإغراء، حيث حاول التقرب إلى زعيم المقاومة موحى وحمو الزياني، الذي كان يرد بالرفض والتعنت والتصعيد
في مقاومته، حينئذ تبين للفرنسيين أن مسألة زيان لا يمكن الحسم فيها إلا عن طريق الحرب الباردة. وبالفعل فقد بدأت
سلسلة من الهجومات على المنطقة، وترك “ليوطي” للجنرال “هنريس” كامل الصلاحية واختيار الوقت المناسب لتنفيذ العملية.
وقد نجحت القوات الاستعمارية في احتلال مدينة خنيفرة، بعد مواجهات عنيفة إلا أن الانتصار الذي حققه الفرنسيون
لم يمكنهم من إخضاع موحى وحمو الزياني، الذي عمد إلى تغيير استراتيجية مقاومته، وإخلاء المدينة المحتلة هروبا من
الاستسلام والخضوع، للاعتصام بالجبال المحيطة بخنيفرة وبالضبط بقرية الهري قرب نهر اشبوكة، في انتظار أن تتغير
المعطيات خاصة وأن أجواء الحرب العالمية الأولى أصبحت تخيم على أوروبا. وفي هذه الظروف والملابسات، تلقى المقيم
العام “ليوطي” برقية من الحكومة الفرنسية جاء فيها : “ينبغي في حالة الحرب أن تبذلوا جهودكم للاحتفاظ في المغرب بحد
من القوات لا يمكن الاستغناء عنها، إن مصير المغرب يتقرر في “اللورين”، وينبغي أن يقتصر احتلال المغرب على موانئ
الشواطئ الرئيسية إذا كان ممكنا على خط المواصلات خنيفرة، مكناس، فاس، وجدة “.
ما إن ذاع خبر وصول موحى وحمو الزياني في قرية الهري حتى سارعت القيادة الفرنسية إلى تدبير خطة الهجوم
المباغت على المجاهدين، غير آبهة ودون الأخذ بعين الاعتبار الأهالي الأبرياء من أطفال وشيوخ ونساء. وفي هذا الوقت
. قرر الكولونيل “لافيردير” القيام بهجوم على معسكر الزياني وكان ذلك ليلة 13 نونبر 1914
لقد تم الإعداد لهذا الهجوم بكل الوسائل الحربية المتطورة وحشد عدد كبير من الجنود. وفي هذا السياق، يشير
الأستاذ محمد المعزوزي إلى قيام المحتل الأجنبي بتنفيذ خطته يوم 12 نونبر 1914 حيث تحرك بأربع فرق تضم 1300
جنديا، معززة بالمدفعية. وتوجه إلى معسكر الهري حيث قام بهجوم مباغت على الدواوير ومكان تمركز المجاهدين.
لقد كان الهجوم على معسكر الزياني عنيفا، حيث بدأ في الساعة الثالثة صباحا وتم تطويق المعسكر من أربع جهات
في آن واحد، ليبدأ القصف شاملا، حيث قذفت الخيام المنتصبة التي تضم الأبرياء، وقام الجنود بأمر من “لافيردير” بمهاجمة
القبائل المحيطة بالقرية، فيما استغل البعض الآخر الفرصة لجمع القطيع الموجود من الأغنام والأبقار واختطاف النساء
توهما بالنصر. هذا في الوقت الذي كان فيه حشد آخر يقصد الجبل لتمشيطه من المقاومة، وبذلك تحولت منطقة الهري الى
جحيم من النيران، وسمعت أصوات الانفجارات في كل المناطق المجاورة، وظن قائد الحملة العسكرية على الهري أن النصر
صار حليفهم، وأنه وضع حدا لمقاومة الزياني. غير أنه أصيب بخيبة أمل حينما فوجئ برد فعل عنيف من طرف المقاومين
ليدرك أنه ألقى بنفسه وبقوته في مجزرة رهيبة ودوامة لا سبيل للخروج منها.
وبالفعل، فقد كان رد المقاومة عنيفا وأشد بأسا حيث ازداد عدد المقاومين بعد انضمام سائر القبائل الزيانية من :
اشقيرن، آيت اسحاق، تسكارت، آيت احند، آيت يحيى، آيت نوح، آيت بومزوغ، آيت خويا، آيت شارط وآيت بويشي، وتم
اللجوء إلى استعمال كل أساليب القتال من بنادق وخناجر وفؤوس. وقد تحمست جل هذه القبائل لمواجهة العدو للثأر لنفسها
ولزعيم وبطل المقاومة موحى وحمو الزياني، وأبانت عن روح قتالية عالية. ومما زاد من دهشة القيادة الفرنسية وارتباكها
الحضور المكثف والسريع للقبائل رغم المسافات التي تفصل بينها.
لقد كانت أرض الهري من أكبر المقابر العارية لقوات الاحتلال، حيث قدرت خسائر القوات الفرنسية ب : 33 قتيلا
من الضباط، و 580 قتيلا من الجنود، و 176 جريحا، وغنم المقاومون 3 مدافع كبيرة و 10 مدافع رشاشة وعددا كبيرا من
البنادق. كما قام موحى وحمو الزياني في 16 نونبر 1914 أي بعد مرور ثلاثة أيام على معركة الهري بتصديه بفرقة مكونة
من 3000 مجاهد لزحف العقيد “دوكليسيس” الذي كان قادما من تادلا لإغاثة وإنقاذ ما تبقى من المقيمين بخنيفرة، وكبده
المجاهدون خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
لقد شكلت هزيمة الهري نقطة سوداء في تاريخ الاستعمار الفرنسي لشمال إفريقيا، في حين تركت بصمات مشرقة
في تاريخ المغرب المعاصر. وفي هذا الصدد كتب الجنرال “كيوم” أحد الضباط الفرنسيين الذين شاركوا في الحملة على
1933 “يقول : “لم تمن قواتنا قط في شمال – الأطلس المتوسط في مؤلفه “البربر المغاربة وتهدئة الأطلس المتوسط 1912
إفريقيا بمثل هذه الهزيمة المفجعة”.
وإن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وهي تستحضر أرواح شهداء معركة الهري
المباركة باقليم خنيفرة وتشارك هذا الإقليم المجاهد إحياء هذا المجد التاريخي الأثيل بكل ما يقتضيه ويستوجبه من إجلال
وإكبار لتنوه بالصفحات الوضاءة التي خطها وصاغها وصنعها أبناء القبائل الزيانية الذين يحق لنا أن نفخر بما قدموه للوطن
وما أسدوه من أعمال خالدة سيظل التاريخ يحفظها وتتناقلها ذاكرة المغاربة قاطبة، تتغذى بمثلها وأقباسها بهدف مواصلة
التحلي بالروح الوطنية الأصيلة، وكسب حصانة دائمة لمواجهة كل التحديات وكسب الرهانات والتمسك بالمقدسات الدينية
والثوابت الوطنية. وعلى هدي هذه الذكرى الخالدة لمعركة الهري ومن وحيها، تستلهم أجيال اليوم والغد ما به تتقوى فيها
الروح الوطنية وقيم ومواقف المواطنة الإيجابية ومواصلة التعبئة الوطنية لصيانة الوحدة الترابية والسيادة الوطنية وتثبيت
المكاسب التي حققتها بلادنا باسترجاع الأقاليم الصحراوية إلى حظيرة الوطن الأب.