الجهاد في سبيل الحاكمية او الإلوهية:

يظل القتال أو الجهاد في سبيل حاكميه الله عند الإخوان كما يراه سيد قطب أمراً مشروعا ومقرراً من قبل الله عز وجل, وهو فرض عين على كل مسلم مؤمن عليه أن يؤديه بالشكل الذي يستطيع تأديته. وبالتالي فالجهاد ليس بحاجة لمبررات أدبية أكثر من المبررات التي حملتها النصوص القرآنية التالية كما ازردها سيد قطب في كتابه :
(فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً. وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها. واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله, والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت , فقاتلوا أولياء الشيطان, إن كيد الشيطان كان ضعيفاً. ). (النساء 74 -76 ).
وكذلك في قوله تعالى: ( قل للذين كفروا: أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف, وأن يعودوا فقد مضت سنة الأولين. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير, وإن تولوا فاعلموا إن الله مولاكم, نعم المولى ونعم النصير.) . ( الأنفال- 40).
وكذلك في قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون باله ولا باليوم الآخرة, ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله, ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدهم وهم صاغرون. وقالت اليهود عزيز ابن الله, وقالت النصارى المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل, قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم, وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً, لا إله إلا هو, سبحانه عما يشركون. يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم, ويأبى الله إلا أن يتم نوره, ولو كره الكافرون.(. (التوبة- 29-32).
إذاً هذه هي مبررات القتال عند الإخوان المسلمين, هذا القتال الذي يقوم على معطيات وشروط وأساليب قننها سيد قطب في كتابه معالم في الطريق حيث جاءت عنده وفق التالي:

أولاً : الجهاد (القتال) ليس حالة عرضية أو مؤقتة أو تهدف للدفاع عن النفس والمال والعرض أو الوطن. وإنما هو قتال دائم (مستمر) لا توقف فيه, هدفه الدفاع عن حاكميه الله والعمل على تطبيقها في كل زمان ومكان.
ثانياً: الجهاد هنا ضد كل ما يعيق تطبيق أمر هذه الحاكمية, بدءاً من جهاد النفس, وهو الجهاد الأكبر ضد كل ما يعيق في نفس وضمير وعقل المسلم المؤمن الوصول إلى الإيمان بإلوهية الله وتطبيق أوامر حاكمتيه, من جهة, ثم الجهاد ضد كل من يحاول أن يقف أمام الإيمان بهذه الإلوهية الحاكمية من الخارج, ممثلاً بعالم الجاهلية وما يتضمنه هذا العالم من سلطات للطاغوت أو نظريات معرفية أو علاقات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية يراد فرضها بالقوة أو بدونها على الناس كافة, بغية إبعاد تطبيق منهج الله الذي جاء في كتابه المبين.
إن المؤمن المسلم يقاتل هنا كونه يؤمن بأن الله ابتعثه كي يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. وإن الله أرسل رسوله بدينه إلى خلقه فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه, وتركناه وأرضه, ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر. (1)
ثالثاً: الجهاد وحرية الإنسان, حيث يقول سيد قطب في الأسباب العميقة للجهاد بأنها تحقيق حرية الإنسان: إن من حق الإسلام أن يتحرك (أي يجاهد), فالإسلام ليس نحلة قوم ولا نظام ولا وطن. ولكنه منهج لإله, ونظام عالم, ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية (الإنسان) في الاختيار. وحسبه أن لا يهاجم الأفراد ليكرههم على اعتناق عقيدته, إنما يهاجم الأنظمة والأوضاع ليحرر الأفراد من التأثيرات الفاسدة, المفسدة للفطرة, المقيدة لحرية الاختيار. فالإنسان لا يتلقى التشريع لحياته من العباد وإنما من الله فقط. (2)
رابعاً : (لا إكراه في الدين). يرى سيد قطب في هذه الآية موقفاً آخر يختلف تماماً عن الفهم السائد أو المنتشر عند من سماهم السذج, حيث يقول : من السذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير (الإنسان) في كل الأرض البشرية أن تقاتل باللسان والبيان فقط!!. إنها تقاتل باللسان والبيان فقط حينما يخلى بينها وبين الأفراد تخاطبهم بحرية, وهم مطلقو السراح من جميع تلك المعوقات التي تحد من تطبيق الحاكمية.. فهنا (لا إكراه في الدين), أما حين توجد تلك المعوقات والمؤثرات المادية, فلا بد من إزالتها أولاً بالقوة, للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله, وهو طليق من هذه الأغلال. (3).
خامساً: أما مسألة القول بأن الإسلام يسعى إلى (السلم) , فهذه الرؤية عند قطب مختلفة أيضاً في دلالاتها, عند الآخرين. فالإسلام حين يسعى إلى السلم لا يقصد ذاك السلم الرخيص في دلالاته, وهي الإيمان بالرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية. إنما المقصود بالسلم, هو السلم الذي يكون فيه الدين كله لله, أي أن تكون عبودية الناس كلهم لله, وبالتالي فالقتال الذي أمر به الله هو قتال من أجل تحقيق هذه الغاية, وهذه الغاية لا يحد منها زمان أو مكان, أو أية ظروف أو معوقات مادية كانت أم روحية (4)
سادساً : الجهاد هنا يقوم على مستويين : المستوى لأول هو الجهاد بالبيان, والمستوى الثاني الجهاد الحركي.

أما جهاد البيان: فهو الجهاد الذي يقوم على نشر مفهوم الإلوهية بين الناس كافة من أجل تنقية نفوسهم من الداخل وإيصالهم إلى حالة الإيمان المطلق بهذه الإلوهية وتطبيق أوامرها دون تلكؤ أو اعتراض, وذلك بعد تخليصها من معطيات الجاهلية التي يعيشها الناس بكل معطياتها.
أما الجهاد الحركي: فهو جهاد (السيف) ضد كل من يحول دون الوصول إلى إلوهية الله (حاكمتيه) في كل زمان ومكان. وقد اتكأ سيد قطب في فهمه لحالة الجهاد الحركي هذا على (ابن قيم الجوزية) في كتابه ” زاد المعاد ” الذي حدد فيه أسس هذا الجهاد في التالي:

1- جهاد أهل الصلح وأهل الهدنة. حيث أقر فيه, بأن يتم لهؤلاء عهدهم, وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد, فإن خانوا العهد فعلى المسلمين مقاتلتهم.
2- جهاد أهل الحرب. وهو جهاد أمر به الله مقاتلة الكفار والغلظة عليهم بالسيف والسنان, والمنافقين بالحجة واللسان.
3- جهاد أهل الذمة. وقد أقر فيه مقاتلة أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام.(5) .

هكذا نرى من خلال قراءتنا لقضية الجهاد عند سيد قطب بان الجهاد واجب ديني (عقيدي) على كل مسلم مؤمن, وهو فرض عين يقاتل فيه المؤمن وفقاً لإمكانياته, قد يكون بالمال أو السلاح, ولكن ما يهمنا هنا, انه قتال للآخر مهما يكن دينه أو مذهبه أو عقيدته, طالما هو لا يؤمن أو يطبق مفهوم الحاكمية والإيمان بإلوهية الله. ومن هذا المنطلق تأتي راية الجهاد (السوداء ) بشعارها (لا إله إلا الله محمد رسول الله), هي الراية التي تحت مظلتها يتم القتال من أجل تحقيق (الحرية) التي تختلف في دلالاتها عن حرية الإنسان وعقله وتحقيق مصيره بيده كما بينا أعلاه, وإنما هي حرية الإنسان من كل ما يقف أمام تشبعه بالعقيدة الإسلامية وإلوهية الله وتطبيق حاكمتيه على هذه لأرض. إنها حرية من نوع آخر, حرية يراد بها تحويل عقل الإنسان وعواطفه وضميرية وكل ما يمت إليه بصلة من إنسان له ارض ووطن وقومية ومجتمع خاص به, إلى إنسان “عقيدي” فاقد لكل هذه القيم الحياتية, ومرتبط فقط بهذه العقيدة التي حددت له كل مسار حياته ومماته وما يصيبه من خير أو شر, بل وكيف يفكر, بشكل مسبق.. إنسان ليس له أية إرادة إلا إرادة الانتماء لعالم الغيب.

المراجع:
1- – سيد قطب – معالم في الطريق – مكتبة وهبة – القاهرة – دون تاريخ نشر. ص 57
2- المرجع السابق – ص80
3- المرجع السابق ص 66
4- المرجع السابق – ص66.
5- المرجع السابق ص55

د.عدنان عويد لنشرة المحرر

13 نونبر 2014