تساءل  عبد الرحمن الكواكبي عن …ما هو الاستبداد؟…فقال
“…الاستبداد لغةً هو غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة. ويراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصة لأنها مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة. وأما تحكم النفس على العقل، وتحكم الأب، والأستاذ، والزوج، ورؤساء بعضالأديان، وبعضالشركات، وبعض الطبقات، فيوصف بالاستبداد مجازا أو مع الإضافة. الاستبداد في اصطلاح السياسيين هو: تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة،..”

 

ان ثقافة  الاستبداد المؤدية للاستعباد بمحاولات اخضاع الناس والسيطرة عليهم لاستغلالهم وتوظيفهم لاداء مهمات تقوم على المصالح الضيقة والخاصة  والارتزاق  والتبعية والولاءات “للزعامات ” كانت تلك الزعامات في قلب المعركة او تتهيا لايجاد مكان لها في المشهد العام . لاتاتي بخير ولا تحقق اية مصلحة  … وهكذا يمكن ان نرى امثلة  في بعض  الدول   التي تمارس الاستبداد من اجل الاستعباد بالتخلي عن الوطن لفائدة القبيلة او الدين او المذهب ..فصراعات اليمن منذ عقود والى يومنا هذا تقدم امثلة لاتحتاج الى توضيح او تحليل ..كما ان ما تدفع اليه ليبيا وسوريا من طرف قوى مختلفة  يصب في نفس الاتجاه ..واذا تاملنا العديد من الهيئات النقابية والسياسية في بلدان العالم الثالث وحتى البعض من شبه المتقدم .. فاننا نقف على قصور في فهم واستيعاب العمل المشترك وخدمة المبادئ والاهداف العامة… فتصبح خدمة الافراد بغاية  التحكم وتبوؤ موقع القيادة هو الهدف الاسمى … وان تعذر الوصول الى ذلك بالديموقراطية يتم اللجوء  اما للانقلابات او خلق اطارات اخرى تضمن القيادة والتحكم …

… وان مما يتسبب في نمو نزعة الاستبداد  ميلان الانفس المنفعلة والغاضبة او المبالغة في الطموح  للحقد والكراهية والبغضاء .. والتطاول على الاخرين بممارسة انواع مختلفة من القمع والاضطهاد للمساس بسمعة ومصداقية المختلف معه   بسبب  الدين او المذهب او التوجه السياسي بـنية الحلول محله ولم لا اضعافه واذلاله ومن ثم اخراجه من كل مجالات المشاهدة  …فاذا كان   تعالى  يتحدث عن منع الاكراه في الدين في قوله سبحانه  : ”   لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ ” سورة البقرة…فان الامر يسري على الفكر والقناعات بالضرورة …فالاختلاف لايعني اطلاقا  نفي الاخر او القطيعة المطلقة  كان المختلف معه اقلية او اغلبية من نفس المرجعية او من مرجعية مغايرة  ..بقدر ما يعني مدى رقينا  بادراكنا ووعينا الى ان  هناك دائما احر او اخرين لايشاطروننا الراي والمنهجية ولكن قد يتقاسمون معنا الاهداف والغايات والمتمنيات …

وان عدم قبول الاقلية بوجود اغلبية ما… او  عدم قبول اغلبية ما بوجود اقليات قد يشكل وجها من اوجه الاستبداد الذي قد  يمارس باسم الدين او العرق او الجنس او المذهب او الانظمة …

…ان  الانسان يولد حرا ومتفتحا  الا ان  اقدم  غيره باستغلاله  واستعباده وسلبه ارادته وحريته وملا فكره بكل ما ييسر تبعيته  بالتلقين او الشحن  او الاكراه .. بما يجعله قابلا للخنوع والخضوع مثله من البشر قال  عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-  (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).

 ولقد اجاد  ربعي بن عامر-رضي الله عنه عندما قال  لرستم “قائد الفرس” : الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام…”

… ان الاستبداد الممنهج والاخطر هو الذي تمارسه الحكومات بتشجيع  الجهل عن طريق  ترجيح الياته  على العلم ومرتكزاته .. وتيسير استبداد الفكر المتحجر والضيق الافق والظلامي وبسط سلطته على  النفس و العقل بهدف استعباد الانسان من اجل استعماله في مجالات لايمكن اطلاقا  للشرع والعقل السليمين  ان يتبنيا او يدعوا لما وصل اليه البعض من  انحطاط فكري وروحي من مثل قطع الرؤوس لالزام الاخرين بالخضوع قهرا وتجبرا ..فيؤدي ذلك الى ان يتصنع  البعض مشاطرة وتبني ما يؤمن به من يحكمهم  مع ما يتطلبه ذلك من تبعية للمستبدين في عالم الديانات والسياسات والمذاهب والانظمة …فالمتطفلون على الدين المدعون انهم اوصياء عليه يسعون الى ان يقنعوا  الفقراء والعامة بان ما حل بهم من تفقير بسبب الغلاء والاستغلال وضعف الاجور و…هو قضاء وقدر من السماء ولا راد لقضاء الله وقدره وان على المستعبدين والمستغلين ان يصبروا وان يرضوا ان كانوا مؤمنين ؟؟؟

..كما ان اصحاب النفوذ الذين يجمعون بين تملك الاموال و السلطة يعملون من اجل الزام الناس بسياساتهم ولو كانت ظالمة لايهمهم من تالم او تضرر او ضاعت حقوقه وانتهكت حرماته.. بقدر ما يهمهم  ادعاء انقاد البلد والامة والوطن من خطر داهم لايمكن رده الا بالتضحية بفقراء الامة وضعفائها  …فيحمون ثروات  الاغنياء والاثرياء وييسرون امورهم ..ولايهتمون باجور ذوي الدخل الهزيل من عمال وفلاحين واجراء وكادحين ..بل تطال قراراتهم حتى ما يطلق عليهم اصحاب الدخل المتوسط ليضيقوا عليهم سبل العيش …

ان استبداد  من يمتلك زمام السلط  بالقرار والتسيير  يولد الظلم والقهر.. ودرجة خطورة المسالة نلمسها في ان هلاك الحكومات والدول لايكون لانها كافرة او مؤمنة ..بل لانها ظالمة ومنتهكة لحقوق الناس ولو كانت مؤمنة او تدعي الايمان   ..والمحاسبة تزداد قوة ان كان  الظالم المستبذ مسلما.. لانه بفترض فيه بالاضافة الى علمه بالعدل كما هو متعارف عليه  بالمعارف الوضعية.. المعرفة  باوامر الله ونبيه التي خص بها الحكام في علاقاتهم بالمحكومين

 

فالحاكم في الدول الإسلامية إذا  صدر عنه ظلم يكون قد ظلم ظلمين .. حيث اساء للناس واساء لصورة  الحكمة و العدل في الاسلام …والسياسي ان اساء في عمله كان في موقع المسؤولية او خارجها فقد ارتكب حطا مضاعفا  في حق السياسة وفي حق الذين توظف السياسة لصالحهم او ضدهم  …

 ونختم بفقرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث  قال: ((…أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين ،فقالوا أجل يا رسول الله ،قال: فابشروا وأمّلوا ما يسركم ،فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم ،فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)).