حُكْمُ المَنِيةِ في البَريةِ جاري
مَـا هــذه الدُّنيـــــا بــــدارِ قــــــرارِ


هذا البيت نفثةُ صدْر مَكلوم بفقد عزيز، بيتٌ من «السهل الممتنع» استهلَّ به شاعرٌ من القرن الخامس الهجري قصيدةً مُطولةً في رثاء ابن عزيز اختطفه الموت في مقتبل عمره. هذا المعنى هو الذي نُجمله في في جملة نقولها أحيانا من طرف اللسان: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، وحين توجه إلينا نتلقاها والقلب جريح.
عند هذا الحد يقف المتألمون الصادقون من العقلاء عندما يفقدون عزيزا غاليا، يتوقفون ليتأملوا الموت والحياة، فتنطفئ الأحقاد، وتُسَلُّ السَّخائِمُ، ويَعُمُّ التسامح، ولذلك كانت الجنائز أحسنَ الفرص للتسامح والتصالح، ليتفرغ الجميع للدعاء بالرحمة للميت وذكره بخير، والكف عن الحديث عما كان له من خلافات ومشاحنات حسابها عند الله. حتى الشيطان ينساه الناس في المآتم، ولا يستحضرونه كما يفعلون في الخصومات ليعلقوا به أخطاءهم.
فإذا وجدت من يعدل عن طريق الرحمة والتسامح في مواقف العزاء والتصبر، إذا وجدت من يحرص على جر جثة الميت إلى مجال المهارشات والمناوشات، وجر خصوم الميت في العاجلة إلى أن يقولوا فيه، أو يتقولوا عليه وهو في الآجلة، فاعلم أنك أمام كاسر من الكواسر الناهشة، أو ضبع من الضباع هيجته الدماء.
بعد هذا التأصيل العام نقول: رحمة الله ومغفرته لفقيد الاتحاد الاشتراكي كله، وفقيد الوطن كله، وفقيد أسرته ومحبيه قبل ذلك وبعده، أخينا السي أحمد الزايدي، ومتَّع الله كلَّ متألم بحق لفقده بالصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون، «حكم المنية على البرية ساري».
أما بعد، فإن كل ما نستطيع تقديمه لروح الفقيد التي نحسبها طاهرة، ولا نزكي على الله أحدا، هو طلب المغفرة.
لمــــــاذا؟
لأنه ليس مهتما، الآن، ولا منتفعا «الآن»، بحسابات الدنيا الزائلة: ليس مهتما لا بالأشكر الذي يَعِدُه منافسوه، الرافضون لنتائج مؤتمره التاسع، بمحاربته والانتصار عليه باسمه، وباسم مشروع حكم الله برفع يده منه لحكمة لا نعلمها.
هو الآن غير مهتم بأمر التزكية التي يبكون عليها، ويرهبهم ضيق الوقت في الحصول عليها، وليس مهتما بالوظائف والحوالات المتعددة التي يحرص البعض منهم على استمرارها لهم ولأولادهم ونسائهم، ويرهبهم أن يعودوا إلى صفوف المواطنين الذين يعيشون بحوالة واحدة.
والمرحوم ليس مهتما بتعاطف «هيئة»، ولا «جهة»، بينه وبينهما حواجز تاريخية وفكرية، ويقول لهما، أدبا منه، ما يقال للمعزي غير المرغوب فيه: «تقبل اللهُ خطواتكم»، بمعنى انصرفوا غير مطرودين، فلا حق لكم في أي استفتاء يهم الاتحاد مهما حشدتم. ولا تهتموا بِـ»مستقبل الاتحاد الاشتراكي»، فهو بيد أبنائه.
وهو لا يُلقي بالا للخدمات «المجانية» التي تتطوع بها صحف وصحافيون رضعوا كراهية الاتحاد يوم ولادتهم، ويرضعونها من أثداء يعلمونها. ومنهم من وُجِد أصلا لِـ»تقليل الحياء» على رجال الإتحاد، وعلى كل القادمين من جيش التحرير والحركة الوطنية.
ولكأني بروح المرحوم تراقبُ تحركات الكذابين والمغرضين والمنافقين ومرتزقة السياسة وهم يطوفون حول جثته لزرع الفتنة في صفوف الاتحاد فتقول لهم: «شاهَتِ الوجوه»، «شاهَتِ الوجوه»، اخسأوا في نذالتكم ولا تكلموني.
توضيح:

لم نذكر أحدا بالاسم، فمن وجد في نفسه شيئا من هذه القاذورات فليتطَّهر منها أولا.