كواحد من أبناء الشعب البسطاء، الذين يستوطن قلوبهم حب الوطن، ويعتزون بانتسابهم إلى رقعته الجغرافية وحضارته التاريخية، يهمني كغيري من الغيورين رؤية قطار التنمية، يشق طريقه بثبات في اتجاه الالتحاق بالدول الصاعدة، وأن يكون المثقفون والفاعلون السياسيون أكبر الساهرين على مسيرته، لاستكمال البناء السياسي والمؤسسي ومواكبة التحولات العالمية العميقة، ومن أشد الحريصين على تكريس الخيار الديمقراطي، لتعزيز المكتسبات وضمان مستقبل الأجيال القادمة

وفي الوقت الذي كنت أمني النفس، بتخلص بلادنا من شرنقة البؤس والتخلف، وتحررها من قيود الرجعية والتبعية، عبر توحد جهود جميع فعاليات المجتمع من كافة المشارب والاتجاهات، في تسخير طاقاتها الفكرية والإبداعية، وتوظيف أرصدتها السياسية والنقابية في خدمة المصلحة العليا للبلاد، للقضاء على مختلف مظاهر الفساد والاستبداد، سرعان ما أصبت بالإحباط، وتبين لي أنني أطارد خيط دخان، بعدما اكتشفت أن المعول عليهم في إحداث الطفرة النوعية، بإرساء أسس الديمقراطية والنهوض بمستوى الحياة السياسية، هم مصدر آلامنا بترجيحهم مصالحهم الذاتية والعبث بالقيم الإنسانية

لم تؤلمني أزمة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية العابرة، ولا أرقني ما ظل يرافقها من حملة إعلامية مسعورة، تكفلت بقيادتها في الأغلب الأعم أقلام وأبواق حاقدة ومأجورة، يتوخى مدبروها المزيد من إنهاك الحزب وتفتيته، لأني أكاد أجزم بأن الغاضبين لن يفرطوا في وحدته مهما اختلفت وجهات النظر بينهم، وأدرك أيضا أنهم بفضل ما تراكم لديهم من خبرات واسعة، قادرون على تجاوز محنتهم، باعتبار حزبهم رقما صعبا في المعادلة السياسية، وله سجل حافل بالمعارك والبطولات والمنجزات، خاض صراعات مريرة ضد الاستبداد في أحلك ظروف البلاد، قدم شهداء كثر وتضحيات جسام، وواجه مناضلوه بصلابة قوة الحديد والنار دفاعا عن الوطن وقضايا المقهورين، ويحمل مشروعا مجتمعيا قائما على الحداثة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فضلا عن كونه مهد للإصلاحات الدستورية. فالمؤلم حقا، هو لجوء “حامي الطرح”، إلى استغلال فاجعة الرحيل الفجائي للبرلماني والقيادي الاتحادي الكبير: أحمد الزايدي، ومن دون استحضار للشعائر الدينية، شحذ سيفه بغية الإجهاز على الحزب ودفنه مع الشهيد، في محاولة دنيئة لتصفية حسابات حزبه الضيقة مع القيادة الحالية

فأن ينبري قيادي بارز في الحزب الحاكم “العدالة والتنمية”، للتدخل في شؤون حزب معارض، مازال مناضلوه منشغلين بلملمة جراحهم ولم يستفيقوا بعد من هول المصاب الجلل، مدعيا بأسلوب دس السم في العسل الإشفاق على ما آل إليه من “تصدع”، بينما هدفه زرع البلبلة وشق الصفوف، لعمري تلكم منتهى الدناءة والوقاحة !! إذ ليس لمثل هذا التجرؤ من تفسير عدا أنه ينم عن سلوك مرضي وإفلاس أخلاقي، لأن من يزعم تأييد استقلالية القرار الحزبي وحمايته من المؤثرات الخارجية، لا يحشر أنفه أبدا في خلافات الآخرين، فهم أدرى بشعابهم ووحدهم القادرون على إيجاد أنسب الحلول لمشاكلهم. فمن أجاز له تنصيب نفسه مدافعا عن حزب من حجم الاتحاد الاشتراكي، كان مجرد النطق باسمه خلال سنوات الجمر والرصاص يثير المخاوف؟ ومن خوله الحق في دعوة الكاتب الأول للحزب إلى الاستقالة، وعقد مؤتمر استثنائي لاختيار قيادة جديدة؟ فالانتقال الديمقراطي في حاجة إلى رجال شداد، لا يجذبهم بريق المراكز السامية، ومستعدين دوما للتضحية ونكران الذات. أما القلعة الاتحادية، فهي أقوى من أن تدك أركانها معاول الغدر الواهية. قد تتعرض لهزات طارئة من حين لآخر، وقد يغيب الموت بعض نسائها ورجالها، لكنها تظل صامدة في وجه الشدائد والعواصف، وهي كذلك مدرسة وطنية شريفة، غذت المجتمع بالكثير من الأطر والكفاءات، وما زالت مصرة على المزيد من العطاء

فمع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، التي تقرر تنظيمها ابتداء من صيف 2015 المقبل، جن جنون المتاجرين بالدين، وطمعا في الإبقاء على حظوظ وافرة في فوز الحزب وضمان الاستوزار، بادر “الصقران”: عبد العلي حامي الدين عضو الأمانة العامة ل”البيجيدي”، وعبد الله بوانو رئيس الفريق البرلماني في مجلس النواب وفق خطة مكشوفة، إلى توزيع الأدوار بينهما لخلط الأوراق، وتحويل الأنظار عن إخفاقات “الزعيم” المتتالية، وعجزه عن الوفاء بتعهداته في مكافحة الفساد والاستبداد، وترجمة وعوده الانتخابية إلى حقائق ملموسة، باختيار الأول الركوب على رحيل القيادي أحمد الزايدي رحمه الله، وتفجير الثاني قنبلة مدوية داخل البرلمان خلال الجلسة العامة لمناقشة مشروع قانون المالية، باتهام ثلاثة أشخاص من المعارضة دون ذكر أسمائهم بتلقي رشوة بمليارين، مقابل تقديم مقترح بخفض الضريبة على التبغ، لفائدة شركة أجنبية.

كم كان بودي التفاعل مع مرافعاتهما رغم رداءتها، لو أنهما يسعيان فعلا إلى المصلحة العليا للبلاد، وتحقيق آمال وأحلام العباد. لكن ما باليد حيلة، وقد أخطأ حزبهما الموعد مع إحداث التغيير، منذ أن سمح “الزعيم” بالتطبيع مع الفساد أمام العالم تحت شعار: “عفا الله عما سلف”، إزاحته للسيد: سعد الدين العثماني من منصب وزارة المالية، وإهدائه على طبق من ذهب إلى من ظل يعتبره ضمن لائحة كبار المفسدين السيد: صلاح الدين مزوار، فيما ألقي بمهندس شاب في غياهب السجن، جريرته أنه بلغ -طبقا للقانون- عن فضيحة تبادل العلاوات الشهيرة، ووقفت صقور الحزب تتفرج داخل أقفاص موصدة. فلماذا ابتلعت الألسن وجفت الأقلام إزاء هذه الانزلاقات الحقيقية الخطيرة وغيرها كثير؟ وما الذي حال دون تحريك وزير العدل والحريات للمساطر القانونية حيال اتهامات رئيس الحكومة (شراء الشقق بالخارج وتهريب الأموال)، ورئيس الفريق البرلماني (رشوة التبغ)؟

إن المفتقر اليوم إلى خطوة شجاعة لإنقاذ ماء الوجه، هو رئيس الحكومة الذي حان وقت الاعتراف بفشله الذريع في الاستجابة لانتظارات الشعب وتطلعاته، وكان حريا بمن له فائض من النصح، توفير الجهد على نفسه والتوجه المباشر إليه. إذ من غير المقبول استمرار السادة: حامي الدين، أفتاتي، بوانو، بوليف والشوباني… في مغالطة الجمهور بتقمص أدوار باهتة في مسرحية هزيلة ومملة، سيما وأن قائدهم أخل بالتزاماته تجاه الجماهير المغربية، ولم يستطع محاربة الفساد والقضاء على رموزه، تنزيل مقتضيات الدستور، الحد من نهب الثروات الوطنية والتملص الضريبي، امتصاص البطالة بخلق مناصب شغل للعاطلين، توفير تعليم عمومي جيد، تغطية صحية شاملة للمعوزين والفقراء وإيجاد السكن اللائق لهم وللمهمشين، معالجة مشاكل العدالة واستقلال القضاء، الحد من ظاهرة الاقتصاد غير المهيكل، التقليص من الفوارق الطبقية والأجور، تعميم الحماية الاجتماعية وتحسين أوضاع المتقاعدين وذوي حقوقهم

الاتحاديون واعون بدقة المرحلة، ويربأون بأنفسهم عن الدخول في مزايدات سياسوية، هم في غنى عنها، ولا تعوزهم إمكانية إبداع الوسائل الكفيلة بتدبير خلافاتهم ورفع التحديات المطروحة، بقدر ما يرغبون في وقفة للتأمل واسترداد الأنفاس. فقافلة الاتحاد الاشتراكي تسير بثبات، وليرقد موتاهم بسلام..

24 نونبر 2014