كاتب فرع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بالجزائر الذي تواجه سنوات مع البوليزاريو، مهندس الدولة في الأشغال العمومية، العابر في مخيم الزبداني بسورية، علبة أسرار أخرى للراحل الفقيه البصري بقي في الظل.. عاش عفيفا، بذات الإباء الذي تشربه في قريته «أدوز» بإقليم بني ملال.

عبد المالك الأفلاحي، رجل اختار أن يبقى في الظل، حتى وجيل كامل من مناضلي الحركة الاتحادية، في الزمن الحارق للنضال السياسي الوطني والتقدمي، في الستينات وبداية السبعينات، يعرفونه حق المعرفة، ويعرفون معدنه الصلب. خاصة في الدار البيضاء، وفي الحركة النقابية وضمن صفوف الطلبة الاتحاديين. فالرجل الذي سيعود اليوم الثلاثاء إلى بلده المغرب، بعد أن قضى أزيد من 44 سنة في المنفى، حين سيعانق سماء البلاد وتطأ قدماه مطار الرباط سلا (مستقلا الطائرة القادمة من باريس، المقرر وصولها في الواحدة والنصف زوالا)، يجر وراءه قصة نضالية خاصة ومتميزة. ليس فقط لأنه سليل عائلة وطنية، شاء قدره الجميل فيها أن يكون خاله واحدا من كبار قادة المقاومة وجيش التحرير، ومناضلا يجر وراءه تاريخا غنيا من النضال السياسي المفصلي في تاريخ المغرب الحديث، هو الراحل محمد الفقيه البصري، الذي هو شقيق والدته. بل لأن المنطقة التي ولد فيها وترعرع في ربوعها، هي أيضا مدرسة غير عادية في تاريخ المقاومة الوطنية المغربية. أي منطقة الأطلس المتوسط، في ذلك الامتداد الذي حرثه مقاومة وعزة نفس وإباء رجال من طينة موحى وحمو الزياني وأحمد الحنصالي. من هنا الصلابة التي ميزت سيرة هذا المناضل، الذي يعتبر عمليا واحدا من آخر المنفيين العائدين إلى سماء البلاد، رغم صدور قرار العفو العام عن المعتقلين السياسيين والمنفيين منذ سنوات.
لقد عاد خاله الراحل محمد الفقيه البصري، بكل سيرته التي شغلت الدنيا والناس، واختار هو أن يبقى في فرنسا بعيدا عن رائحة بلدته «أدوز» بنواحي بني ملال، حيث رأى النور سنة 1949. لقد بقي صاعدا الجبل، بمعنى من المعاني، مكتفيا بتربية الأبناء والسلالة، بعد أن نجح هو قبل عاليا في دراساته الجامعية وأصبح إطارا عاليا في الهندسة. وكل من تسأله عنه من جيله (خاصة بمدينة الدار البيضاء)، يستعيدون فيه طاقة نضال غير عادية، وأساسا أخلاقا نضالية رفيعة، كونه (كما أكد لي إطار بنكي) كان يتحرك أساسا تحت سقف رقابة عائلية بشكل غير مباشر. لأنه ليس دوما سهلا أن تكون من أقارب قائد سياسي يشغل الدنيا والناس، ومنخرط في معمدان الفعل السياسي من موقع القيادة. حينها يكون الحرص مضاعفا والمسؤولية الأخلاقية أثقل وأشد وطأة. وذلك كان حال هذا المناضل الاتحادي عبد المالك الأفلاحي، الذي انتصر دوما لأن يبقى في الظل، دون سعي أبدا للركوب على مجد خاله الراحل محمد الفقيه البصري، أو أن يستغل تلك القرابة للبروز والتدافع من أجل خلق موقع قدم له في المشهد العام للفعل السياسي والطلابي والنقابي المغربي.
كان ملفه من الملفات المعروضة على هيئة الإنصاف والمصالحة، كواحد من مجموعة المنفيين المغاربة بالخارج، قبل أن يحال على المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي يشرف عمليا اليوم على أمور عودته إلى وطنه. كان ملفه مشتركا مع ملف شقيقه الآخر المنفي عبد الله الأفلاحي (الذي عاد منذ سنوات وهو اليوم مقيم بألمانيا)، لكن خصوصية ملف عبد المالك أنه لم يصدر ضده أي حكم قضائي، لكنه كان موضوع بحث طويل مدة سنوات، كونه كان من المجموعة التي تدربت في معسكر الزبداني بسوريا وكان دوره كبيرا في الجزائر، كونه هو من يرافق دوما الفقيه البصري كلما حل ضيفا على الدولة الجزائرية، قبل أن ينهي دراسته الجامعية ويغادر الجزائر صوب فرنسا. بالتالي، فهو واحد من المجموعة المتكونة من أحمد بنجلون وباقي المناضلين الشباب الذين تدربوا على السلاح في سوريا. كانت أول مرة غادر فيها المغرب إلى الجزائر في أكتوبر 1967، شهورا قليلة بعد نكسة يونيو 1967، التي غيرت من قناعات عدد كبير من شبيبة المغرب، خاصة في القطاع التلاميذي والطلابي، لأنها كانت هزيمة مذلة للنظم السياسية المشرقية أمام إسرائيل (خاصة في مصر وسورية). ومن الجزائر توجه في يوم 11 فبراير 1969 إلى دمشق، حيث بقي هناك ضمن شباب مخيم الزبداني حتى آخر شهر أكتوبر 1969، حيث عاد إلى المغرب. وهي نفس الفترة الزمنية التي اعتقلت فيها المجموعة الاتحادية المعروفة بـ «مجموعة الفرقاني»، التي ستحاكم بمراكش. وحين اشتد الخناق على رفاقه، خاصة من القطاع الطلابي والشبيبي، وبعد سقوط مجموعة دهكون (التي نفذت فيها أحكام الإعدام سنة 1973)، غادر المغرب سريا يوم 10 مارس 1970، صوب الجزائر مرة أخرى، هربا من الشرطة التي طوقت محل سكناه لاعتقاله، لكن حظه شاء أنه كان قد غادر المنزل قبل ذلك بقليل، فتم اعتقال شقيقه الأكبر محمد وكذا شقيقه الأصغر هشام (الذي غادر المغرب بدوره سنوات بعد ذلك وهو صيدلي بفرنسا منذ أكثر من 30 سنة). كان اعتقال شقيقيه مندرجا في باب محاولات الضغط عليه لتسليم نفسه، لكنه كان قد عبر إلى الجزائر، فتم نقل كل محمد وهشام الأفلاحي إلى مركز الاعتقال السري الرهيب بالرباط «دار المقري» حيث ذاقوا أشد أنواع التعذيب والتنكيل عبثا.
أكمل عبد المالك الأفلاحي دراساته العليا بالجزائر، وانخرط ضمن صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (فرع الجزائر) وانتخب رئيسا لذلك الفرع بين سنوات 1976 و 1982، حيث تواجه بقوة ضد المجموعات الانفصالية للبوليزاريو آنذاك بالجزائر، ومع الطلبة المغاربة المتياسرين المتضامنين حينها مع أطروحة الانفصال، بعد إنهاء دراساته الجامعية وتخرجه مهندس دولة في الأشغال العمومية سنة 1982، قرر مغادرة الجزائر صوب باريس يوم 15 أكتوبر 1988 رفقة عائلته المتكونة من 4 أفراد وبقي هناك إلى اليوم، دون أن تنقطع علاقته مع أصدقائه وأصهاره بالجزائر.
حين سينزل عبد المالك الأفلاحي، اليوم الثلاثاء 25 نونبر 2014، بمطار الرباط سلا، قادما من باريس، في الثامنة والنصف ليلا، ما الذي سيجول في خاطره، وبأية عين سينظر إلى تراب البلاد، إلى سمائها الصافية، تلك التي غادرها منذ 44 سنة كاملة؟. في الآن نفسه الذي يعقد الملتقى العالمي لحقوق الإنسان بمراكش، وهو لقاء عالمي رفيع يحضره حوالي 5 آلاف مشارك (ثاني ملتقى عالمي بعد الملتقى الأول بالبرازيل). هي تجربة حياة غير عادية، وهي لحظة إنسانية خاصة أكيد. سينزل مهندس الدولة، ربما، بذات يقينه العلمي الرياضي، ليمشي واثق الخطو، كي يطوف المغرب الجديد، كي يقف عند قريته «أدوز» ببني ملال، كي يقف عند قبر والدته، كي يقف أيضا عند قبر خاله الفقيه البصري بمقبرة الشهداء. سيعيد اكتشاف الدار البيضاء، تلك التي تغيرت كثيرا في غيابه وسيجدد الوصل مع رفاقه القدامى، الذين كانوا معه في المنافي والذين بقوا هنا (خاصة عائلة فجري).

….

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

25 نونبر  2014