الحوار تفرضه الضرورة الموضوعية في كل مجتمع توجد فيه هيئات تشعر بثقل المسؤولية تجاه الذات وتجاه المجتمع الذي تحمل همومه. من أهم هيئات المغرب يوجد اليسار. وينبغي الاعتراف بأن هذا اليسار لم يعرف دائما طريقه إلى الحوار، ويعود ذلك ليس فقط إلى ما يعتمل في ذاته من تباعد في تقييم الأوضاع وتصور الحلول. ذلك أن القوى المتربصة به توفقت في هذه الفترة أو تلك إلى التأثير السلبي على مسارات اليسار.
هناك من يتمنى بل ويعمل على تفتيت قوى اليسار، وهذا الأمر قلما يتم الانتباه إليه. لقد صمد اليسار لما يزيد عن نصف قرن في وجه البطش والقمع الشرس بكل ما كان يستتبعهما من تعذيب وتغييب ونفي وإعدام واعتقالات تعسفية ، ومحاكمات صورية وسنين طويلة من السجن والقهر. فكيف لا يصمد اليوم في وجه تنافي المصالح الفردية والمنافع الفئوية؟ وكيف يعجز عن إيجاد الحلول لها سواء بالاتفاق التام أو بالتوافق فقط.
بفضل تضحيات اليسار، واليسار وحده، تحقق اليوم للدولة ولباقي الأحزاب ولمجموع هيئات التعبير الصحفي والثقافي والفكري وغيرهما ما يشهده الزمن الراهن من مكتسبات لا احد ينكرها. ولكن هذا المعطى لا يلتفت إليه اليوم أحد، كما أن اليسار لا يمنه على المجتمع الذي ينتمي إليه أيا كانت مكونات هذا المجتمع. غير أن هذه المكتسبات لا يمكن أن تخفي أن المجتمع المغربي في مسيس الحاجة إلى المزيد من العمل من أجل مواجهة اختلالات هذا المجتمع الكبرى، وعلى رأسها أشكال عديدة من الخصاص والفقر، ومن أجل القضاء على البؤس الذي يعاني منه مغاربة كثيرون في المناطق النائية، تلك التي يتشكل منها المغرب العميق، مثلما تعاني منها هوامش المدن الكبرى. بل وبدأ الفقر في السنين الأخيرة يهجم حتى على المكونات الدنيا والوسطى للطبقة المتوسطة التي هي القاعدة الأساسية لقيادة التقدم بمعناه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وإذا كان الفقراء والبؤساء في العالم كله ومن ضمن هذا العالم المغرب، لا يتوفرون على هيئات سياسية تصيغ مطالبهم، فإن الهيئات السياسية المرشحة أكثر من غيرها لصياغة حاجات ذوي الخصاص من كل نوع إنما هي أحزاب اليسار. ذلك أن باقي الأحزاب، هي إما أحزاب انتفاعية لا يهمها سوى الدفاع عن المصالح التي تمثلها، أو أحزاب سياسية – دينية محافظة يهمها بالدرجة الأولى تحقيق مكاسب مادية لمكونات النخبة التي تقودها مثلما تهمها محاباة ذوي الثراء القابضين على مصائر الوطن الاقتصادية ، وهو ما نعايشه اليوم مع الحكومة المحافظة الحالية. هكذا تم الهجوم على القدرة الشرائية للفقراء والبؤساء وتُرك الأثرياء رغم أن أي مساس بهم من أي صنف، ما كان يمكن أن يلحق بكبريات مصالحهم أي ضرر يُذْكَر.
إن اليسار مدعو اليوم إلى إيجاد صيغ للحوار بغاية الوقوف على قضايا الشعب الكبرى، الجهوية منها والوطنية، وقد أعطينا مثالا واحدا فقط هو مثال الفقر والبؤس والخصاص الكبير الذي يتعلق بكل مستويات التنمية. ولا يمكن أن يتحقق مثل هذا الأمر الملح والملحاح في الظرفية الراهنة إذا ما انساقت مجموعة من الأفراد من ذوي التأثير السياسي والتنظيمي في مسارات اليسار مع عواطف وردود أفعال وحماسات غير مدروسة يمكن أن تزيد من الضربات التي تلقاها اليسار في السنين الأخيرة. ويتعين في هذا السياق أن يتعظ اليسار المغربي مما يجري سلبا هنا وإيجابا هناك عند رفاقهم في أوروبا، وخاصة في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا والمانيا.
في فرنسا مثلا أفادت انقسامات اليسار اليمين المتطرف. وبالمثل فإن انقسامات اليسار في المغرب لا تفيد غير اليمين المحافظ الذي يوجد اليوم في شكل تحالف حكومي قد تتغير ملامحه دون أن يلحق جوهره تغيير كبير.
اليساريون مطالبون اليوم بالعمل، والعمل ثم العمل. لكن الطريق إلى ذلك لا يمكن أن يتعبد بالتنابذ بل بالحوار. إن كل لحظة للتنابذ تخلفها لحظات مطلوبة للحوار. هذه هي رسالتنا اليوم إلى اليساريين. في مقالة الثلاثاء القادم سنعمل على صياغة نقط الحوار الممكنة.