الجدل الهيجلي كما يراه البوطي:

إذا تركنا جانباً موقف الشيخ البوطي ألتوصيفي الإنشائي لـ (هيراقليط), كأول فيلسوف مادي كما يراه هو, (من الصفحة 17 إلى 18 من كتابه), وانتقلنا إلى رؤيته النقدية لمفهوم الجدل (الديالكتيك) عند هيجل, يلفت انتباهنا هنا عدة مسائل منهجيه تتعلق أولاً, بطبيعة مصادره التي استقى منها معارفه, والتي على أساسها بني أحكامه أو رؤيته, ثم ثانياً, طريقة توثيقه, وأخيرا موقفه الْقَبْلي (المُسَبَقْ) تجاه (الفكرة المطلقة) لهيجل, التي استطاع من خلال ليّه لعنق النص الهيجلي أن يصل إلى ما يريد تأكيده, وهو:
إن هيجل يريد بالفكرة (المطلقة) كما يقرر البوطي بأنها (الله). وإن كل شيء في هذا الوجود هو من خلق الله. وإن معرفة هيجل لله هي معرفة منطقية وليست حسية. وهذا ما ينسجم في الحقيقة مع العقلية السلفية بعمومها ومنها الأشعرية, التي يؤمن بها البوطي وفقاً لرؤية أبي حسن الأشعري وغيره من الأئمة والمشايخ السلفية.
من خلال متابعتنا لمصادر البوطي في نقده للجدل الماركسي مقارنة للجدل الهيجلي, نجده قد اعتمد بشكل واسع على كتاب (هيجل) لـ (فرانسوا شاتليه), وكتاب (المنطق) لهيجل, و(فيومنيولوجيا الروح) من وجهة نظر “فرانسوا شاتليه” ذاته ايضاً, أي, إنه لم يعتمد على كتب هيجل المشار إليها هنا مباشرة وإنما كما رآها ودرسها فرانسوا شاتليه. وهذه المصادر في الواقع لا تشكل أرضية صلبة لفهم هيجل وجدله لما سنشير إليه في موقع لاحق من هذه الدراسة النقدية. ثم على أي دارس لهيجل أو أي مفكر بهذا المستوى, لا بد له من فهم حالات التطور الفكري لهيجل ذاته عبر مراحل حياته. فنحن نعلم أن هيجل في رؤاه الفكرية قبل إقامة الدولة الألمانية كان ذا نزعة (مثالية موضوعية), بسبب الضغط الذي كانت تمارسه الكنيسة على الكتاب والفلاسفة آنذاك. ومع ذلك فهو لم يعلن تدينه المباشر. هذا إضافة لكونه راح يشتغل فكرياً على المسألة القومية عندما حقق “بسمارك” وحدة ألمانيا, وفيما بعد تعددت المواضيع الفلسفية التي تناولها, على مستوى الحرية وعلم الجمال والدولة وغيرها من قضايا الإنسان, حيث تتلمذ على فكره كما هو معروف, (الهيجليين الشباب), مثل ماركس وفيورباخ وفورباخ وغيرهم الكثير. ومن يكن تلامذته هؤلاء, لا أظن أن فكره وجدله الذي فهمه الشيخ البوطي سيوصله إلى أبي حسن الأشعري مثلاً.
أما بالنسبة مسألة التوثيق,فمن خلال إطلاعي على طريقة توثيقه, فلم أجد عنده المصداقية العلمية في التوثيق الكاديمي, وهذه المسألة لها أهميتها في تأكيد مصداقية المصدر أو المرجع الذي يجب أن يشار فيه بالضرورة إلى إسم الكاتب, ودار النشر ومكانها, وتاريخ النشر, وأخيرا رقم الصفحة. فبالعودة إلى مراجعه رغم ندرتها, إلا أنها تفتقد إلى مصداقية التوثيق. فمثلاً نجد توثيق مراجعه جاءت مدونة على الشكل التالي:
1- (هيجل- لفرانسوا شاتليه- ص 47 . والنص الذي بين قوسين لهيجل من كتاب علم المنطق- 1/71/) .(6) .
2- (من كتاب علم المنطق لهيجل القسم الأول ص 72 ). (7)
3- (المرجع السابق – وليلاحظ القارئ أنما أحرص على وضع صورة دقيقة وأمينة لتصورات هيجل, ولست بصدد تقويمها لا
بتصويب ولا بخطأ.). (8)
4- (علم المنطق لهيجل ترجمة برمان). (9)..
5- (فينومنيولوجيا الروح لهيجل – نقلاً من هيجل لفرانسوا شاتليه ص149). (10).
6- (مقطع لهيجل من كتابه دروس في التاريخ .). (11).
أعتقد كأي باحث, أن مثل هكذا توثيق لدكتور أكاديمي, له سمعته وشهرته في التأليف, سيقف كثيراً أمام هذه الطريقة في التوثيق التي ستدفعه إلى الشك بكل معلومة قد جاء بها الباحث او الكاتب.
أما بالنسبة لرأيه في الجدل الهيجلي, فبعد أن يأخذ بعض المقتبسات لهجيل (التي لا يعلم إلا الله ما هو المقصود منها) ووفقاً لطريقة توثيقه الفاقدة للمصداقية, نجده يقرر التالي:

أولاً: إن الوجود المطلق (مساو لنفسه فحسب, كما أنه ليس غير
مساو لشيء آخر….إن تعييناً ما, أو مضموناً يدخلان عليه فوارق أو يضعانه مختلفاً عن شيء آخر, لن يحافظا عليه في نقائه الأصلي.) (12).

ثانياً: أما العدم المطلق شأنه برأي البوطي كما فهمه عند هيجل,
وحسب رأي هيجل ذاته فهو ( خواء….ولا تعيين وانعدام مطلق للمضمون…إن الفرق بينه وبين الوجود المطلق ليس أكثر من الفرق بين الفكر في شيء والفكر في لاشيء..) (13).

ثالثاً: (الحقيقة ليست لا الوجود ولا العدم. بل هي كون الوجود وقد انتقل إلى العدم , والعدم انتقل إلى الوجود. ). (14).

رابعاً: (إن الحس العام إذا كانت تمزقه التناقضات, فذلك لأنه يعكس شتات الظاهرات وغموضها وبلبالها الأساسي. فلا بد إذا من فرض وجود عالم آخر غير هذا العالم, ألا وهو, ما وراء الطبيعة … موضوع القول الكلي, ينصرف إليه الإنسان تجريبياً عندما يتخلص من أهوائه. غير أن ما يجعل وجود ذاك العالم ضروريا,هو سعي ومطلب لا تجربة ولا تطبيق. ففي وراء هذا الواقع الذي يتدنى بسهولة مفرطة, لا بد من وجود واقع ثابت منتظم, الوصول إليه عسير, وكثافة وجوده تمنح القول الفلسفي قوامه. وإن لم يكن الأمر كذلك, فلا يبقى سوى الاستسلام للظلم والعنف.). (15) .

خامساً: (إن في الروح أغواراً يستله من صميمه ليدفع بها خارجاً, ولكنه في عملية الدفع هذه يبقيها عند حدود الشعور تصوراً. هذه الأغوار وجهل الشعور فيما يتعلق بما يقوله حقاً, هي شيء واحد مع تواصل السامي والوضيع الذي تعبر عنه الطبيعة بسذاجة في العضوية, عندما تربط بين جهاز الكمال الأسمى, جهاز التناسل
وبين جهاز التبول. فالحكم اللامتناهي بوصفه لا متناهياً, قد يكون اكتمال الحياة المدركة ذاتها. ولكن عندما يبقى الشعور بالحياة في نطاق التصور, فإنه يتصرف تصرف ووظيفة البول.). (16)

سادساً: ( إن الحقيقة هي الحركة من ذاتها وإلى ذاتها, في حين أن المنهج هو المعرفة المستقلة عن الذات.). (17)

سابعاً: (أن يكون التاريخ الكلي هو هذا النحو, أن يكون سيرورة الروح الحقيقية في شكل حركات تاريخية مبتذلة, وذلك هو العالم الإلهي الحق, وتسويغ وجود الله في التاريخ. إن هذا النور وحده هو الذي يستطيع أن يوائم بين الروح وبين التاريخ الكلي, والواقع معناه
أن ما حدث ويحدث كل يوم ليس قائماً بمعزل عن الله, بل هو جوهرياً من صنعه هو ذاته). (18).
إن هذه الآراء أو المقولات الفلسفية التي قدمها لنا البوطي كحقائق لا يأتيها الباطل من فوقها او تحتها, والتي لا يستطيع إلا الله وحده جل جلاله فك طلاسمها او تبيان دلالاتها المعرفية, والتي تذكرني بتعريف المنطق (في مدرسة المشاغبين), تدفعنا للتساؤل : ما هي النتائج التي توصل إليها الشيخ البوطي من كل هذا الذي طرحه هنا ؟.
وهذا ما سأبينه في المقال الثالث من هذه القراءة النقدية .
كاتب وباحث من سورية
d.owaid50@gmail.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
6- نقض اوهام المادية الجدلية – المرجع نفسه. ص 20.
7- المرجع نفسه- ص 21.
8- المرجع نفسه- ص 21
9- المرجع نفسه ص 21
10- المرجع نفسه ص 27
11- المرجع نفسه ص 29
12– المرجع السابق ص 20
13- المرج نفسه ص 21
14- المرجع نفسه – ص 21
15- مرجع سابق. ص22
16- المرجع نفسه . ص 27.
17- المرجع نفسه. ص 28
18- المرجع نفسه. 29