من البديهيات أن السكون يسبق الحركة، والصفر قاعدة الأرقام، ولا شيء في الوجود بدون بداية، ولا بداية من فراغ. فحركة التكوين بدأت من السكون، وفلسفة الرياضيات اعتمدت الصفر منطلقاً، والمنطق الرياضي يثبت أن قيمة الصفر الإضافية يكتسبها من موقعه إلى يمين الأرقام في الجملة الحسابية، ليشكل الآحاد والعشرات والمئات، وما ينتج عنها، وإلى يسارها يفقد قيمته بالكامل.
 
هكذا حال المواطن الشريف في المغرب، تجمعه قواسم قيمية مشتركة مع السكون كقاعدة لحركة في سبيل البناء، ومع الصفر كمنطلق لتكريس إيجابي للفعل. فعندما يوضع هذا الصفر الأساس إلى اليمين، أي في المكان المناسب، تصبح قيمته تساوي الحاجة إلى إمكاناته ومواهبه وأخلاقياته، وعندما يوضع جهة اليسار، أي في المكان غير المناسب تصبح قيمته عدمية تعادل قيمة الصفر على الشمال.
 
وأكثر من ذلك للصفر قِيم مختلفة وفق موقعه بين أرقام العدد الواحد، أحياناً يقفز بالقيمة الحسابية قفزات بسيطة عشرات ومئات وآلاف، وأحياناً أخرى قفزات كبرى ملايين ومليارات وأكثر، بنفس المعنى والفرق الذي تقفز فيه قيمة المواطن الشريف العادي والمواطن الشريف المبدع المتميز، عندما نوظف إمكاناته وفق الحاجة إليها، وليس وفق العلاقات أو الانتماءات الفارغة أو الاعتبارات التي لا تمت إلى الوطنية والعدالة بشيء فينتقل بمهمته نقلات نوعية تنسجم وقيمة إبداعه عندها يرتقي بالمهمة الموكل بها من إنجاز عادي إلى إنجاز كبير يعود بالخير على الجميع.
فكيف إذا ما قورن مع مواطن لا يتصف بالشرف والنزاهة كان قد تبوأ مكاناً ليس له؟
آن الآوان كي نفكر من منطلق أخلاقي ووطني، في توظيف الأطر والكفاءات المغربية القادرة على العطاء بحكم الوعي والاستعداد، بخاصة الوطنية الشريفة منها لنحولها إلى أرقام فعالة تتعاظم عطاءاتها إيجاباً إلى حد الإعجاب، وحتى الإعجاز أحياناً، بدل أن نتركها تصدأ تحت غبار الإهمال والتجاهل والتناسي عن قصد أو عن غير قصد.
 
فكم من الطاقات المغربية الكبيرة تندثر هباءً لأن بعض القائمين على التنصيب في مجالات عملهم المختلفة قرروا تحت تأثير المحسوبيات و الوساطات والمصالح، أو ربما لإرضاء أمزجتهم وضعها في أماكن لا تتناسب ومواهبها أو اجتهادها أو علومها.
 
علينا أن نعترف أن هكذا ممارسات، باتت لا تليق بنا كشعب مغربي، له باع طويل وتاريخ عريق بتفعيل دور الإنسان ويسعى لدخول نادي الشعوب المتقدمة، أو كدولة لها مشروعها الوطني والإنساني الرائد.
 
فلا يمكن الخروج من الممارسات الماضية والخاطئة، إلا بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب بسدة المسؤولية الوطنية وتحقيق العدالة بين جميع أبناء الوطن الواحد وفق القوانين المؤسساتية الناظمة على أساس التساوي في الحقوق والواجبات، وذلك اعتباراً من اليوم قبل الغد ودون أي تأخير.
 
فعندما نضع الأصفار البشرية (الأرصدة الأساسية للأوطان) في مواقعها المنطقية نوظف الطاقات وننشط الإبداعات وننهض بالوطن إلى المستوى الذي يليق بنا ونليق به، عندها فقط نساهم في بنائه الشامخ الراسخ المستقل.
 
وعلى كل الشرفاء المغاربة الوطنيين الواثقين بأنفسهم والمستعدين للتضحية في سبيل الوطن أن لا يخجلوا أو ينزعجوا عندما يشبههم البعض بالأصفار شريطة أن لا يضعوهم إلى جهة اليسار كما اعتاد هذا البعض أن يفعل بالكفاءات النزيهين الأوفياء، لأن الصفر يستمد قوته وقيمته من ذاته أولاً ومن ثم من موقعه الذي يقرره بعض أصحاب القرار، وكم نتمنى أن يتصف هؤلاء البعض بالعقل والحكمة والوطنية.‏
 
فالشرفاء في وطني المغرب هم الملاذ والرصيد المطمئن، وهم البدور لطرد الظلام في الليالي الحالكة، وعلى الجميع الانتباه والاعتبار.