ما يحدث في الاتحاد الاشتراكي مؤلم تماما.فالتقاطب وصل درجات غير متحكم فيها ورائحة المؤامرة تأخذ الكثيرمن أريج عطرالمهدي وعمر وعبد الرحيم. هل نلوم القيادة الجديدة لأنها اختارت هذا الإختيارأوذاك؟ أم نلوم الٱخرين الذين اختاروا إختيارات أخرى؟ لا أملك جوابا واضحا وسط كل هذه العتمة والضباب…..

لكني، وبتجرد الذي يفكربمنطق المثقف المنخرط في السياسة كما يصفه العلامة الجابري، أسجل ثلاث ملاحظات أبغي منها التنبيه إلى مكر التاريخ.

ما يحدث اليوم شبيه تماما بما حدث في 1982، المخزن لم يكن بعيدا في كلا الحالتين، الأزمة تأتي مع دينامية مشهودة يعرفها الحزب منذ المؤتمر التاسع. دفاعا عن الحزب أقترح هذا المقال الفكري،مطالبا حكماء الدولة العميقة بإعادة النظرفي قرارإقالة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من أداء مهامه التاريخية كحركة تحرير وطنية….

تاريخ الاتحاد الاشتراكي، من دون شك، هو تاريخ صراع خارجي وداخلي، صراع تاريخي ضد الحكم الفردي والتسميات التاريخية التي استحقها ( المخزن والدولة المركزية اليعقوبية والدولة العميقة)، وضد الفكر الديني الذي يسخر الدين لخدمة الهدف السياسي سواء من طرف الدولة العميقة أو من طرف الخصوم السياسيين ممثلين أساسا في الإسلام السياسي، وصراع داخلي تدشن مع الخلاف الكبير الذي انبعث حول نظام الحكم الممكن بين التيار المحافظ والتيار الثوري في حزب الاستقلال صراع سيتطور حتى داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بين التيار السياسي، والتيار النقابي وتيار المقاومة. وستترتب أسباب ودوافع هذا الصراع داخل مسار الفكر الاتحادي حتى لأنها ستتحول إلى كيمياء حيوية تمنح الحياة والوجود للتنظيم والفكر، ولهذا كان من الطبيعي إعادة تجدد الصراع وتطوره إلى أقصى مستوياته، حيث الرغبة في الاستقلال والانشقاق، مع كل منعطف حاسم في تاريخ الحزب.

فقد حدث أن اعتزل التيار الجذري في خضم تدافعات خيار الإصلاح من داخل المؤسسات في 1975، لتكتمل حلقاته تواليا في 1982 وفي المؤتمر السادس للحزب، الصراع يشكل بالنسبة لحزب كالاتحاد الاشتراكي كيمياء وعقيدة وأفق، وفي الوقت الذي يعيش الآخرون تاريخيا سكونيا وأجوفا يمتلئ تاريخ هذا الحزب بتدافع حقيقي في القناعات والأفكار، لكن قد يحدث أن ينحرف هذا الصراع عن ماهيته التاريخية المميزة له إلى صراع ذاتي مسكون بكثير من الذاتية والأنانية، وفي الوقت الذي ينتظر من أي صراع أو توتر أو اختلاف إغناء الفكر وتطوير الممارسة والسلوك، يؤدي الصراع الذاتي إلى إنتاج خطاطة تقليدانية تنتعش فيها سلوكات الفئة والعرق والقبيلة والولاء والخدمة والسخرة وعدم الانضباط وعدم الالتزام. إن هذا يعيق الأداة والأفق ويسيء إلى الخطاب ويقلل من وتيرة التدافع، وعندما، ينبعث هكذا صراع في خضم مسار دينامي فإن الأثر يكون مضاعفا على النفسيات والعزائم والمبادرات ويوفر لخصوم الحزب مزيدا من نقط الضعف.

إن أمر هذا الصراع يتكرر مع كل المنعطفات والديناميات التي قد يعيشها الحزب، وعندما يرفع (الحزب) من إيقاع الخطاب والمطالب (الملكية البرلمانية، الإصلاح الدستوري والسياسي، إعادة قراءة الدين …)، او من إيقاع تجديد الأداة الحزبية (تجديد الفروع والكتابات الإقليمية والجهوية، والتنظيمات الموازية …) يحدث المحظور مما يدفع إلى التساؤل عن سر هذا التلازم، ألا يكرر التاريخ نفسه، ويعيدنا إلى بداية التاريخ الحديث عندما وصلت المواجهة أوجها وبلغ التقاطب مداه بين الدولة والحزب.

دائما هناك سوء تفاهم كبير، وحتى عندما يتجاور الاتحاد الاشتراكي مع الدولة في سكن من طابقين، فإن الدولة تتخوف من طمع الحزب في امتلاك هذا السكن أو جزء منه. فالدولة قد تبرم مع الحزب تعاقدات وتحالفات، وربما تسويات، وتراقب، بل وقد تتحكم في منسوب تطور الأداة ومناعتها، وقد تنجح في استقطاب واحتواء العناصر المقررة محليا وجهويا ووطنيا، وتضمن تبعا لذلك شرا لابد منه، ولكنها دائما تتخوف من طيور الفينيق داخل حزب بني بالدم والاعتقال والقهر.

سيظل كثيرون دائما مسكونين بثنائيات الديمقراطية – الاستبداد، الدولة المدنية – الدولة التيوقراطية، الدولة – الوطن ….. وغيرها من الثنائيات التي يتم الحرص على تدويلها وتوسيع هوامشها. داخل هذا الإطار التاريخي والسياسي يمكن أن نفهم الفرامل التي تعترض كل انطلاقة جديدة للحزب وكل دينامية تسري في أحشائه.

وموازاة مع هذا المعطى التاريخي فالحزب مسكون بالذاتية، وكلما كان يصنع الزعيم كان يصنع بموازاة معه دوائر من الزعماء ومن المنتسبين الملهمين ببركة الزعيم، لقد حدث الأمر مع دائرة الزعيم عبد الرحيم بوعبيد، ودائرة المجاهد عبد الرحمان اليوسفي، وخلفت المشاركة في حكومة التناوب خطاطة تقليدانية معقدة هيمنت فيها الذاتية على قيم التطوع والتضحية والنضال والمواجهة…
داخل هذا الإطار الذاتي الثاني يمكن أن نفهم كيف تسربت ثقافة الولاءات والفئوية والطبقية في الانتساب والنضال وثقافة عدم الانضباط للقرارات والمقررات الحزبية. في الاتحاد الاشتراكي اليوم واقعان إثنان، واقع دينامية تنظيمية (تجديد الأداة على مستوى الفروع والكتابات الإقليمية والجهوية والتنظيمات الموازية (النساء والشباب والقطاعات المهنية وغيرها)، وهناك مبادرات لتشكيل جبهات اجتماعية وثقافية، وهناك دينامية ديبلوماسية خارجية انسجاما مع الانتماء الوطني والتوجه الكوني للحزب، ويتم العمل على إنشاء ذراع فكري – علمي وكادر تأطيري وتسجيل تصورات الكتابة تاريخ الاتحادية الوطنية.

وواقع ارتخاء في الأحاسيس الإنسانية وفي منسوب التعبئة والانضباط، وفي الوقت الذي نلاحظ فتح جبهات متعددة، نلاحظ أن حجم الاستجابة لا يلائم طبيعة الجبهات وطبيعة المرحلة، بل تظهر سلوكات أقرب إلى التخاذل، الأمر شبيه بجسم يتمنع عن مصاحبة فكر صاحبه.

لا يمكن لكل حركة بشرية أن تضمن نجاحها مسبقا، إن يقينا كهذا سيجعلها دوغمائية وقطعية ومثقلة بالأنانية وسوء التقدير؛ كما أن محاكمتها في بدايتها هو نقد ومراقبة غير مستقيمة أخلاقيا وعقليا وإنسانيا.

فالمبادرات البشرية هي اجتهادات تملك إمكانيات نجاحها مثلما تملك حقيقة تملك الخطـأ فيها. نعم يمكن تنبيهها إلى الانحرافات التي قد تخترقها ودفعها إلى تصحيحها وتصويبها، ويمكن حتى إعادة النظر في منطلقاتها ووسائلها وأهدافها، لكن من غير المقبول أخلاقيا وعقليا خندقتها (Son écrasement) ضمن ثنائية ستاتيكية من حدين، خطأ – صواب، فشل – نجاح، نضال – خيانة … لا يصح حكم كهذا، فهو دوغمائي ومطلق ولا يؤمن بالنسبي، إنه يكشف عن عقل منغلق كما يقول الإبستمولوجيون (باشلار أو كارل بوبر مثلا). عقل عقدي ينظر إلى الحقيقة بعين واحدة، وبأفق واحد وبمنهج واحد، ويرسم حقيقة واحدة، حقيقته المطلقة.

ولهذا بالضبط يتخوف العلم من الأحكام القطعية، فهي بالقدر الذي تحمل الخطأ في أحشائها بالقدر الذي تحوله (الخطأ) تدريجيا إلى حقيقة، مما يعيق تشكل الحقائق في العلم. وفي مجال السلوك الإنساني، وبالخصوص السلوك والممارسة السياسيين، لا مجال لادعاء الحقيقة المطلقة وتخطيء الآخرين دفعة واحدة. إذا حدث هذا الأمر يتحول الفكر إلى عقيدة، ويتحول الفكر إلى مجرد إيديولوجيا باهتة مسكونة بالأنانية والذاتية.

في المجال السياسي، يتخوف الخصوم دائما من قوة وعمق فكر حركة سياسية ما، وبالقدر الذي ينجح تنظيم سياسي ما في نحت معادلات حقل سياسي ما، مطالب وخطاب ومفاهيم وادوات، بالقدر الذي يصبح محل تركيز ومدافعة واستهداف كبيرين. والواقع أن الاتحاد الاشتراكي نموذج مثالي لهكذا تنظيم عضوي، ففي الوقت الذي نجح تاريخيا في نحت قواعد اللعبة السياسية بالمغرب المعاصر ثورة وإصلاحا، وأغنى الحقل السياسي بالأدوات (حزبا وتنظيمات موازية ونقابات وجمعيات فكرية وثقافية وغيرها) وخطابا ومفاهيم، في نفس الوقت الذي تصنف خصما للجميع، الحكم الفردي والدولة العميقة، والإسلام السياسي، والتكنوقراط والإقطاع، وأدواتها العاملة بالوكالة في الإدارة والإعلام وأماكن العبادة … وطيلة خمسة عقود نجح الحزب في مواجهة هذه الخطاطة رغم كل الهزات التي ” هندست ” داخله، وليس من المستبعد تشجيع الخصوم لهزات أخرى داخله عبر إذكاء الصراعات داخله وشخصنتها أكثر.

داخل هذا السياق يمكننا فهم توظيف الخصوم لما قد يجري داخل التنظيم. إن استدلال الإسلاميين مثلا بنماذج من صراع ذاتي بين أطراف الصراع داخل الحزب وترويجه وتصديره إعلاميا، وترتيب خطط لإضعاف المعارضة البرلمانية للحزب بناء على ذلك، هو في الواقع أكبر خدمة يمكن أن تقدم للخصوم ضد الحزب. وللأسف هذا ما يحدث.

بالمقابل يجب على قيادة الحزب إضافة جرعات في منسوب الثقة، فتوسيع قاعدة إشراك قواعد الحزب ومؤسساته في القرارات الاستراتيجية، المرتبطة بإحياء أحداث ومحطات الحزب وذكرياته وتحصين تاريخه، والمرتبطة بتحالفاته والتمييز فيها بين الاستراتيجي والتكتيكي، يجعل الأمور اكثر سهولة واكثر فعالية.

كان شارل دوغول يتخوف من إجماع فريق عمله وتوافقهم المطلق حول قضية أو مسألة معينة، لذا كان كلما كان هناك إجماع تام أعاد طلب النظر في القضية من جديد. إن حياة التنظيمات السياسية شبيهة بدورة الجسم وكلما كان أحد أعضائه لا يستجيب لدورة الجسم ككل تعطل الجسم برمته، نعم قد نمنحه ما يكفي من المضادات لضمان دوام تشغيله وقد ننجح في ضمان ذلك، لكن المؤكد أن ضمان صحة وعافية الجسم تحتاج أكثر من ذلك. والحال أن جزءا من جسم الاتحاد الاشتراكي لا يستجيب كما يجب لضمان دورانه السلس ومدافعته للأجسام الأخرى، فعدم الاستجابة لفكر الجسم يزيد من ارتخاء الأفكار وارتخاء العزائم، وعدم الانضباط إلى قدرات الجسم وطاقة تحمله وتمثلات وتصورات العقل، كما هو حال عدم الانضباط لقرارات الجسم الحزبي، يزيد من تراخي آلة دوران الجسم.

لم يكن الإسكندر المقدوني مثالا ديمقراطيا ناجحا، كان عسكريا يتكلم السياسة، وكانت كل تحركاته وقراراته وخططه معارك يحسمها عن طريق المناورة والتكتيك، كان الإسكندر، والذي سيؤسس امبراطورية عظيمة ، يقول إن أفضل معارض هو فارس صلب ومقدام في معركة الميدان، فارس يتعرض للهجومات حتى لا يتعرض جسم الجماعة للخدش أو التشويه. المعركة اليوم محتاجة جنودا يدافعون عن الجسم الحزبي ويؤجلون حساباتهم الذاتية إلى ما بعد المعركة، جنود بخبراتهم النظرية والعملية يمكنهم بلورة أحسن الخطط للمدافعة والمواجهة وقد تؤهلهم غيرتهم على الجسم وتعطشهم للنصر والفوز لإنجاح الأمر، ويزيد انضباطهم لاختيارات الجماعة من تحقيق الاكتمال.

وعندما يتماهى القائد مع مجموعته ويعزفان سمفونية مشتركة يعم الفرح وتكسب المعارك. ويمكن القول أن المعركة في بدايتها، ظرفيا هكذا انزياح عن الجماعة يجعل الآلة لا تدور كما يجب، وعلى المستوى البعيد الاختلاف ضروري لتمنيع التاريخ والأداة والأفق الاتحادي شريطة ألا ينزاح عن قصد أو غير قصد لخدمة غايات المدافعين الآخرين. هذا هو نبل الأخلاق في قاموس الحضارات الإنسانية والتنظيمات العقلانية.

غير ذلك تسميه الجماعات الدينية ” خروجا عن الجماعة “، وتسميه أخرى بتسمية ” الخيانة ” ، ويعتبره آخرون ” خروجا عن النص “، ويتفق الاتحاديون على تسميته بمسمى ” الخروج عن المنهجية الديمقراطية ” التي حلت للحقيقة محل ” الشرعية التاريخية “.
وقد نقول أنه اختلاف انزاح إلى حد ما عن ضوابطه الفكرية والأخلاقية والتنظيمية، نؤمن كما علمنا تاريخ الاتحاد بسرعة تصحيحه وتعافي جسمه بكل السرعة الممكنة.

نونبر 2014