في مقالة الثلاثاء الماضي، ألححنا على مطلب الحوار الداخلي بين مكونات اليسار، سواء تعلق الأمر بالهيأة الواحدة أو بالتشكيلات المتعددة لليسار. وبينا الطابع الموضوعي وراهنية الضرورة المرتبطة بهذا الحوار .
في السبعينات من القرن الماضي كان هناك شعار ملائم وإيجابي يُوَظَفُ من قبل اليساريين وهو «الوحدة في النضال» أو «الوحدة النضالية». ولم يكن يعني شيئا آخر غير الاتفاق على برنامج يجعل من جميع الفصائل تجد نفسها فيه. وإذا كانت الظروف العامة اليوم قد تغيرت كثيرا والخصم الذي كانت تتم مواجهته لم يعد على نفس المواقف، فإن روح هذا الشعار لا تزال موافقة للحظة التي نعيشها. وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن الإشارة بسرعة إلى مثال «سياسة الأوراش الكبرى» : هل تشكل فعلا سياسة للإقلاع الاقتصادي والتقدم الاجتماعي؟ أقلام قليلة وجهت النقد لهذا التصور الذي تتبناه الدولة اليوم بنوع من الوثوقية. أما اليسار فإنه لا يملك تصورا موحدا بخصوصه. وإذا استثنينا الرفض الإنشائي لبعض مكونات اليسار لهذه السياسة فإن اليسار ككل لا يملك تصورا مضبوطا حول هذا الموضوع ذي الأهمية الكبرى. لذا فإن اليسار مطالب بالتنادي الداخلي، وذلك بهدف صياغة علمية موحدة، تقود إلى بلورة مواقف موحدة تسمح بممارسة موحدة تجاه الذين يخططون سياسات لا تخدم في النهاية مصالح الشعب، بقدر ما تخدم مصالح فئوية تعيق الانتقال من ملكية الحسن الثاني إلى ملكية محمد السادس. وهو ما يعني أن وحدة اليسار التنظيمية هي تحقق مستحيل وهو مصير ليس وليد اليوم، في حين أن وحدته العملية المؤسسة على تصورات موحدة بخصوص قضايا محددة كقضية الإقلاع الاقتصادي تلك أمر ممكن وقابل للتحقق. إننا لو توجهنا بالسؤال إلى أي رديف من مكونات اليسار حول هذا الموضوع بالذات لما تلقينا غير تعبيرات فضفاضة هي بالذات ما يتيح للخصوم ترديد لازمة « العدمية اليسارية «. أو أسطوانة « اليسار العدمي «.
في يونيو 2010 وعقب عمل لجنة مختصة في الاقتصاد، خَلُصَ الدارسون في مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد إلى هذا السؤال العريض والذي كان على اليسار الانكباب عليه لكنه لم يفعل وهو: هل يتوفر المغرب الرسمي على استراتيجية للإقلاع الاقتصادي؟ وكما يعرف الجميع اليوم فإن التقدم الحاصل في البنية التحتية مثلا ملموس وهو ضروري ، لكنه غير كاف. والتقدم هنا ، مثبت في سياق المقارنة مع مملكة الحسن الثاني وليس مع ما كان يمكن أن تتيحه الظرفية الدولية والمحلية. إن التقدم في مجال العقار لا يسمح بتنمية حقيقية وذلك لأن هذا المجال يقوم على المضاربة التي كما هو معلوم تلحق ضررا كبيرا بتطلعات المجتمع ككل وخاصة في مجال التصنيع. وبالمثل فإنه لا يمكن الاعتماد على قطاع السياحة في الإقلاع الاقتصادي، وذلك بسبب طبيعته المرتبطة بتقلب السوق الدولية. وهي ذي الأسباب التي جعلت المغرب لا يحتل مرتبة دالة على المستوى العالمي في ترتيبه الدولي الخاص بإشكال الإقلاع الاقتصادي والتنمية الشاملة.
ليس موضوع الأوراش الكبرى وإشكالية الإقلاع الاقتصادي غير مثال نقدمه هنا لجعل اليسار يلتف حول موضوعات توحد حركيته الكفاحية المرتكزة على تصورات تسمح بوحدته. هناك أمثلة أخرى عديدة تتعلق بالتعليم والتربية وأخرى ترتبط بهذه الحالة الفريدة التي تقودها الدولة تحت مسمى المبادرة الوطنية للتنمية، وإشكاليات القيم المجتمعية وإشكاليات أشكال الانحراف الاجتماعي والتربوي والصحي والبيئي، وفي مقدمة هذا كله إشكاليات العدالة الاجتماعية…
إن أصل اليسار الاشتراكي كان هو الانبهار. الانبهار الغاضب بصلابة وعناد وجبروت الظلم الرأسمالي. أصله كان هو الدهشة القلقة. والاندهاش لطغيان كل هذا الحيف الذي يطبع النظام الرأسمالي. تم الوقوف تبعا لهذا الانبهار وتلك الدهشة على القساوة اللاأخلاقية للجشع الرأسمالي. أما النتيجة فكانت بنفس قوة الفعل، كانت ردة الفعل هي الاستنكار العظيم، والغضب الفائض للاشتراكيين كي تنطلق الأبحاث والدراسات والمؤلفات والنظريات المصحوبة بالفعل المُوَحِد والمُوَحَّد، وهي جميعها النظريات والأفعال التي كانت توحد الاشتراكيين اليساريين. هي ذي الحال التي كانت في السنوات 1934-1937 وما تلاها. هذا الغضب، هذا الاستنكار، هذه الانتفاضات، يتعين أن تزلزل اليوم ذات اليسار. هناك حاجة ملحاحة كي يستنكر اليساريون سلوكات ذواتهم ليستعيدوا أصلهم ، ليستعيدوا مقدار الغضب ضد الظلم والحيف والجبروت الاقتصادي والعبث اللاأخلاقي.


فهل يستعيد اليساريون غضبهم؟.

عن جريدة .ا.ش

2 نونبر 2014