مصطفى المتوكل / تارودانت

 الاربعاء 3 نونبر 2014

 

يقول تعالى ”  يا ايها الذين امنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا  يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم …”

ويقول  : ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) النساء 

وقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الحجرات

وقال ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ سورة الأنفال

 

ان إصلاح ذات البين  في الامور الخاصة و العامة تعلق الامر بالدولة او الهيئات السياسية والنقابية …او الاسرة او بين الافراد  هو عمل  واجب وضروري وراق وحضاري ونبيل يؤجر عليه الساعي له  خيرا في الحياة الدنيا كما  في الاخرى …فبه يحافظ الناس على مدنية وسلمية وتسامح المجتمع ..وبه يضمنون  اتمام  وتطوير ما بناه السابقون  …وبه يتم التغلب على الصعاب والاكراهات كانت نفسية او مادية او …

كما ان غيابه / او تغييبه في ثقافة الناس وخاصة من يطلق عليهم النخب يعتبر امرا غير سليم ومخالف للمنطق ويطرح اكثر من علامة استفهام تستدعي ان يستحضر الجميع وعيه ونضجه واتزانه بالابتعاد عن  الانانيات والمصالح الزائفة  والضيقة  والاتجاه نحو المستقبل بامل مصحوب بعمل بناء في اطار ما يحافظ به الناس على المسارات المشتركة التي لولا من سبق لما كان لمن هو حاضر علم بما يدعي انه  يؤمن به او يملكه…ولهذا يقال  مالايدك كله لايترك بعضه ..ويقابلها  في القران  قوله تعالى: “فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ” التغابن.. ونظيرها في الحديث النبوي قوله (ص) “وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم.

 

…و باستحضار قوي للاولويات والضروريات اللازمة لسلامة الجميع وحفظ الثراث الفكري والنضالي  وتقوية الامل بالاسهام في تطوير قدرات العطاء وتنمية المبادرات التي تتجه نحو  مستقبل فكر فيه وعمل وضجى من احله  الرواد من شهداء وقادة وجنود الخفاء …سنجد القواعد العقلية والعلمية  والفقهية تربط بشكل جدلي بين التقدم وبناء الحضارات ووجود نضج يتجسد في التكامل واحترام لاليات العمل المشتركة بين الناس كافة او مجموعة منهم ..او داخل نفس الجماعة او  المجتمع او بين الدول …وكلما قامت صراعات او  انقسامات او فتن.. فغالبا ما تجد ان البعض من المعنيين  بالريادة اوالقيادة اوالامامة  او هم كلهم ..يلتجؤون  الى جعل اية مسالة خلافية ولو كانت تافهة او في الفروع والجزئيات والشكليات  تصل بهم  لدرجة القطيعة واشعال الحروب الكلامية التي تلامس الحضيض وتجعل  البعض ” يتمرغ في اوحال ووسخ الكلام ”  ظانا انه يحقق  انتصارا ..ولنا فيما كتبه   البعض من الخوارج والشيعة والسنة تجاه بعضهم البعض امثلة لا يفرح لها الا الاعداء والذين قي قلوبهم مرض  …

ومن هنا نعرج  اختصارا بدءا بالقواعد الفقهية الكبرى  مع  ضرورة التدبر العميق في دلالات وضعها واعتمادها في التاصيل الفقهي..للعديد من القضايا والمجالات  ذاث صلة بالحياة الانسانية في مستوياتها المتعددة ووفقا للنوازل …

فالاولى هي ان  ”  اليقين لايزول بالشك ” في ارتباط بقاعدة ” الغاء الشك في المانع واعتباره في المقتضى الشرط “

الثانية  ان ” الضرر يزال ” وتندرج معها قاعدة ” ارتكاب اخفف الضررين “

الثالثة ان  ” المشقة تجلب التيسيير”

الرابعة..” العادة معتبرة  ” واصلها قوله تعالى ” خذ العفو وامر بالغرف واعرض عن الجاهلين ” سورة الاعراف 

الخامسة ..” الامور بمقاصدها “ومرتكزها قوله (ص)” انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى “

ولهذا فكل من يـبنون  امورهم الخاصة والعامة  على الشكوك وسوء الظن وعلى التطرف والتشدد وعدم الصدق في  النوايا  فقد اضاعوا البوصلة الدالة على  الهدف  والطريق المبتغى..واضلوا معهم من وثق فيهم  اواسند اليهم اموره ….

ومن فقه اصلاح ذاث البين تطهير النفس  -” القلب .الفكر .العمل-” بافراغها وتنقيتها من الاهواء والمصالح الدنيوية الانتهازية  والاحكام المسبقة وسوء النية …ذلك ان الاصلاح جزء جوهري من اليات بناء العدل  واقراره باعتباره  يقي من الصراعات الوهمية والمفتعلة والانانية التي تعلل بمبررات قد يستعملها كل طرف في مواجهة  الاخر بغض النظر عمن هو الاصدق منهما …

…وهنا لابد من التاكيد على ان من اكبر واخطر عمليات التزوير  اعتماد التشكيك والتشويش والتضليل كمنهجية في المعاملات والسياسات  .. باستهداف  مباشر وغير مباشر لعرقلة كل الاعمال الايحابية   مع السعى لتعطيل مسارات ومبادرات  عمل الاخر ولو كان قمة في الابداع او التضحية المتخلقة  …  لدرجه انهم  لايعنيهم من الامر الا قطع صلة  الرحم  وروابط الاخوة والصداقة ..والتعويض عنها  بالكراهية  التي لا يلجا اليها الا من كان في نفسه شيئ من الضنك  الذي  لايؤدي الا الى الاساءة للنفس اولا ..وللمختلف معه من اهل البيت  الصغير والكبير ثانيا والى كل من كان يبتغي خيرا للبشرية … وفي هذا قال السابقون  العديد من الحكم والكتابات الجامعة المانعة الحاملة لدروس وعبر لن يستفيد منها  من يجهل اليات تطور المجتمعات والعلوم والمعارف …

…فوصفهم “الجاحظ” بقوله، هم: “أغرار يدّعون الذكاء، إن مدحهم أحد الناس، لغاية في نفسه، تمايلوا كالطاووس وحسبوا أنهم سادة الرأي وولاة الأمور، فبقدر ما يخضعون لرؤسائهم بقدر ما يتكابرون على عامة الناس”…

…و قدّم «مكيافيلّلي»  احدى مواصفاتهم اي الانتهازية في أجط صورها:  بقولته الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة» التي توظف وتؤول سلبا …؟؟

… فان يعمد اي كان   الى نشر   التجريح والاساءات امام  الناس  بدون  ارتكاز لا على حقائق ولا منطق بقدر ما يعتمد على المزايدات الكلامية والتصنع وسفاسف الامور  التافهة  بعد تنميقها والتي تقدم “كبدائل” ضالة مضلة للذين لايستطيعون التمييز بين المؤمنين حقا والذين يدعون الايمان او المنافقين …فمنهم من يبتغي لنفسه العزة بالتاريخ الفكري والانساني والنضالي والشرعية  ويحرص على حماية كل ماهو جميل وتطويره وتصحيح كل ما هو سلبي او تجنبه …ومنهم من يتضايق من كل ذلك ويسعى الى  محوه واعادة تشكيله بما يوافق الهوى والمصالح الشخصية في انسلاخ متدرج عن الهوية الاصلية مع اظهار نقيض ذلك للعموم لدرجة تصنع الورع… وامثال هؤلاء نعرفهم عبر التاريخ القديم والمعاصر والذين تسببوا في انهيار حضارات ودول ومنظمات ومجتمعات ..فكلما احسوا بالقوة او الضعف يتصرفون بنفس النية والمنطق … بالالتجاء  للكيد ونشر الفتن  والانجراف مع الحياة المادية امتلاكا وحكما ..  الى المبالغة في التسلط والتطاول ..فانهاروا وانهارت معهم حقب تاريخية …وذلك منتهى دركات مساراتهم ..

 ان من معانى ذلك انهم يسعون بوعي او بدونه الى احراق الفلك الذي يمتطونه  لركوب  سفينة مازالت في عالم الخيال تصورا ووجودا وعمرا اذ قد تموت في الفكر ..وقد تولد معاقة .. معتقدين   بذلك  انهم  يحسنون  صنعا وهم في الحقيقة  يعتمدون  على مقولة وبعدي الطوفان التي يتبعها الخراب  الذي لايبقي ولايذر الا الهشيم والمعطوبين والمنكسرين والفارين فلن تسمع لهم بعدها ..لا  همسا ولا ركزا.. كما قال تعالى  فى ختام سورة ( مريم ): ” وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا..”

ولهذا فكلما  تظافرت الجهود الخيرة  ضاق مجال  الخلاف لينفرط عقده  ..ولتنكشفت السرائر لما فيه الخير ..فتجف البرك الاسنة التي يتلذذ  بصنعها وملئها بماء عكر وسخ   ضعاف البصيرة والمنطق  الذين لاشك  ان لهم ايادي سوداء  في تاريخ التلويث والتسميم واثارة الاحقاد …

ولو استحضرنا من التاريخ  حقبه وجيزة  وافترضنا ان البعض من  بني امية لم يتامروا ويقتلوا سيدنا الحسين رغبة في السلطة والتحكم وهو احسن منهم اخلاقا وعلما وسياسة لما كان بعد ذلك ولا اليوم التشيع  بجميع مذاهبه  …ولو افترضنا ان انصار سيدنا علي والحسن والحسين  من بعده تعاملوا مع الانقلاب والتمرد  السياسي وبعده عمليات الاغتيال والابادة المعروفة بمعركلة كربلاء   بمنهجية  تعتمد  التسامح و التجاوز البناء بما يحقق  في الامة والدولة الاسلامية  الوحدة والاخوة والتكامل .. لما كان هذا التنوع غير المتزن  الذي تحول بفعل عقليات بعض الائمة الى تشرذم ووقود للفتن والانكسارات  والتي لن تتوقف مادام  عشاق التازيم من تلك الحهة ومن الجهة الاخرى يتمادون في غيهم وعصبيتهم  …ونحن اليوم وبعد مرور قرون طويلة جدا مازالت العداوات قائمة مرة تختفي  و تخف  وتارة  تتصاعد …

 ان الاصلاح عندنا شرعا يعتبر عبادة ..فـبه تتصافى القلوب وينصلح المجتمع وتلتئم الكلمة على المشترك من اجل كل الاهداف النبيلة

..ان كل من يسعىون الى افتعال الخصومات والتناقضات ..ثم بعد ذلك لايقبلون بالصلح ولا يعملون من اجل تحقيقه.. لاشك ان قلبهم يكون كما وصفهم تعالى في قوله “..كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون “..سورة المطففين

…وليتحقق الصلح يجب ان لايبنى على تحريم الحلال او تحليل الحرام ..او نقض العهود والمواثيق الجامعة للناس قبل الخصومة ..ويجب ان تطال اثاره الافراد والجماعات من جهة الدم او الاخوة الانسانية او الفكرية والعقدية ..ولو هم الامر الاموال او الدماء اوالم\اهب او السياسات او مختلف العلاقات ..كلما ظهرت بوادر النزاعات والشقاق …

…ان كل من يشجع الجدال السلبي العقيم  لاذكاء  الخصومات  واثارة الفرقة يعتبر  شرعا فعله ذاك   ذميما ..   حيث   قال في هذا   رسول الله (ص): ” من جادل في خصومة بغير علم، لم يزل في سخط حتى ينزع “. وقال (ص): ” ما أتاني جبرائيل قط إلا وعظني، فآخر قوله لي: إياك ومشادة الناس فانها تكشف العورة وتذهب بالعز “.

وفي هذا قال أمير المؤمنين سيدنا علي  ” إياكم والمراء والخصومة، فانهما يمرضان القلوب على الاخوان، ويـنبت عليهما النفاق “.

…لقد أمر الله تعالى بالصلح العادل، وجعله قرين التقوى وشرط الإيمان..ووضع  الانبياء واهل العلم لذلك ضوابط لايستقيم الا بها …فكان عمر بن الخطاب ( ض)عنه يقول ..ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فان فصل الفضاء يحدث بين القوم الضغائن

..ويشترط للاصلاح ان يكون المصلحون  ممتلكين لتصور واضح المعالم والافاق وعارفين بالمسائل موضوع الخلاف ..وان يكونوا ملمين بالثابث والمتغير والمختلف حوله وبالاصول والفروع ..اذ لايمكن للفرع ان يلزم ويشترط على الاصل التبعية له او ان يغير طبيعة الاصول لتتلاءم مع رغبته كفرع ..كما لايصح استئصال الفروع المؤمنة باصولها والمتشبثة بها بسبب اختلاف في المسائل لفرعية او المنهجية ..باستثناء ان كان الفرع على النقيض البين تعارضه في  الكليات والجزئيات  …

..فالاصل في الفكر المتحضر والمتخلق هو التوجه نحو التوفيق والتكامل المنظم  للاختلاف في اطار حماية الوحدة …فالاسلام تستنبط احكامه وضوابطه وتوجهاته وعباداته من الكتاب والسنة كمرجعين جوهريين وقد يعتمد في الفهم والتاويل والاستنباط على  الاجتهاد الرصين  ما لم يخالف ويتعارض مع الاصل ..ولهذا فلا يحسب السلوك  والفكر  الارهابي والعدواني والتكفيري والتامري للبعض ممن يدعون “تمثيل الاسلام” على الاسلام اطلاقا والا اصبحنا كما ننعث وكما نتهم من طرف خصومنا واعدائنا على حد سواء …كما ان تنوع المذاهب عند المسلمين لا يعني انهم خالفوا جوهر الدين بقدر ما يعني ان البعض منهم غالى في التعصب لمذهبه ووصل الى به الامر الى التشكيك في المذاهب الاسلامية الاخرى والتقليل من اهميتها رغم  انها كلها تستند الى كتاب الله والى سنة نبيه …ولقد تسبب قصر نظر وحقد بعض المحسوبين على الحقل الديني عبر التاريخ في اطار تعاطيهم للسياسة والتعامل مع الحكام في العديد من المجازر والاضطرابات والفتن ..ليس حبا في الدين بل في استغلال بشع له لتحقيق مطامح زائلة تسيئ الى الاسلام واهله…

واذا كان هذا حال” الاوصياء” تعسفا على الدين .. فكيف سيكون حال بعض الساسة والحكام الذين بعدما كادوا يموتون عطشا للوصول الى السلطة والنفوذ وبعدما ظنوا انهم قاب قوسين او ادنى من “النبع” الذي يتوهموه وجدوا انفسهم امام السراب ..فسبوا الماء وعابوه ليس لانهم زهدوا فيه بل ليبعدوا عنه غيرهم وليطمعوا في التفرد  به ..وبئس المسعى والفهم

فلو تامل كل واحد  عبر التاريخ من الاقدمين والجدد في حروبهم الدونكيشوطية من المستفيد من التطاحنات والصراعات   والتمزق بين الاخوة في الدين والسياسة والمذهب ..لوجدوا انهم يخدمون مصالح خصومهم واعدائهم الذين لم ولن يستطيعوا ان يحققوا حتى عشر ما يفعلون…

 

يقول تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ هود

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ : اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ ”  البخاري