عن موقع سويس ءانفو

4 دجنبر 2014

انفض أضخم تجمع عالمي لحقوق الانسان نظم مؤخرا في مراكش دون أن يلتئم الخدش الذي أحدثته جمعيات ومنظمات حقوقية مغربية ذات سمعة عالمية بمقاطعتها للتجمع وبرنامجه الرسمي الذي امتد على مدى أربعة أيام (من 27 الى 30 نوفمبر 2014).

في أجواء مُمطرة، وعلى إيقاع فيضانات وسُيول ضربت مناطق مختلفة من البلاد وراح ضحيتها العشرات، عُقدت الدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الانسان، بمشاركة أكثر من 6 آلاف شخصية سياسية وناشط حقوقي وجمعوي أتوا من 100 دولة ليناقشوا مختلف القضايا والإنشغالات الحقوقية الكونية، وإتاحة الفرصة لمختلف هؤلاء الفاعلين للتداول حول تسريع الإصلاحات في مجال حقوق الإنسان والاجيال الجديدة لحقوق الانسان.

في الأثناء، كانت أصوات الجمعيات والمنظمات المحتجة أو المقاطعة للمنتدى (المقلقة للسلطات منذ عدة سنوات) الإيقاع الأعلى صوتا في التجمع، لكنها الأصوات التي سُجّل ارتفاعها أيضا لصالح المنتدى ومُنظميه، بل قدمته السلطات برهانا على المدى الذي وصلته الحريات بالمغرب، بعد الحقبة المعروفة بـ “سنوات الرصاص” أو “سنوات الجمر”، المرموز لها في سجون ومعتقلات أبرزها معتقل تزمامارت وما خلفته وراءها من آلاف الضحايا والمختفين.

جمعيات مغربية مُقاطعة

بموازاة ذلك، أعلنت ثمان هيئات ومنظمات حقوقية (وهي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان والعُصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان وجمعية الحرية الآن وجمعية التضامن والدفاع عن الحريات والحقوق بمراكش وجمعية أطاك المغرب وجمعية العقد العالمي للماء بالمغرب)، وهي منظمات غير حكومية تتمتع بمصداقية دولية مقاطعة المنتدى بسبب ما اعتبرته “تضييقا غير مسبوق على الحريات العامة وحقوق الإنسان في المغرب”، واحتجاجا على “التعامل الإرتجالي وغير الشفاف في الإعداد للمنتدى”.

وأشار بيان صادر عن الجمعيات الحقوقية المقاطعة لمنتدى مراكش إلى أنها “حرصت من خلال مشاركتها في اجتماعين عُقدا مع الهيئة التحضيرية للملتقى على إبراز حسن النية والرغبة في المشاركة واعتبار المنتدى فرصة لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب بالرغم من التحضير الأحادي ولبرنامجه الانفرادي من طرف الدولة”، على حد زعمها.. 

شكوى التهميش لم تقتصر على هذه المنظمات والجمعيات، حيث أعربت الأوساط الرسمية المغربية بدورها عن انزعاجها من استبعاد المجلس الوطني لحقوق الانسان (هيكل رسمي) للحكومة (تحديدا لوزارة العدل والحريات) كطرف مشارك بالإعداد بل تجاهلها في ترتيبات المنتدى وحتى محاولة تغييبها والأحزاب المشاركة فيها عن الانشطة وورشات العمل التي نظمت. وقال مسؤول حكومي كبير لـ swissinfo.ch: “إن البعد الوطني لاحتضان المغرب للمنتدى وايجابيات هذه المبادرة وضرورة إنجاحها، دفع الحكومة إلى كتم غيظها من هذا الإستبعاد”. 

الجمعيات الحقوقية اشترطت لحضورها “ضرورة تنقية الأجواء بين الجمعيات الحقوقية والدولة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وفي مقدمتهم أولئك الذين صدرت لصالحهم قرارات لفريق العمل الأممي المعني بالإعتقال التعسفي الذي يُطالب الدولة المغربية من خلالها بإطلاق سراحهم.

من جهة أخرى، اتهمت الجمعيات السلطات العمومية بـ “الإصرار على نهج سياسة التضييق على الجمعيات الحقوقية بحرمانها من استعمال الفضاءات العمومية، ومنع أنشطتها واتهامها من طرف وزير الداخلية بالإساءة لسمعة البلاد، وخدمة أجندة أجنبية”، وأكدت أنها قررت المقاطعة “نظرا لتردي أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب، ولإدانتها لسياسة السلطات العمومية التي تستهدف العمل الحقوقي، والتضييق الممنهج على أنشطة الجمعيات الحقوقية بمنعها من استعمال الفضاءات العمومية”، وأعلنت عن مساندتها إلى “مبادرة التنسيقية المحلية للدفاع عن الحريات والحقوق في مراكش بخصوص الأنشطة المقررة كمشاركة بديلة على هامش المنتدى العالمي لحقوق الإنسان”.

من ناحيتها، قالت جمعية أطاك المغرب إنه “لا مصداقية لمنتدى عالمي لحقوق الإنسان تشارك فيه المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، التي تملي سياسات اقتصادية واجتماعية “نيو ليبرالية”، تدمر حقوق الشعوب وتشارك فيه حكومات تعمل على تطبيق هذه البرامج، وتديم تخلف بلدانها، وتحكم على مواطنيها بالبؤس والحرمان”، حسب رأيها..

في المقابل، اعتبر محمد الصبار، الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، أن “المقاطعين للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان، ورغم محدودية عددهم، فإنهم فوتوا على أنفسهم فرصة المشاركة الفاعلة في فعاليات هذا المنتدى، بما في ذلك إنجاز الأنشطة المقترحة من طرفهم في إطار الأوراش المسيرة ذاتيا، وربط علاقات مع الدينامية الحاضرة”. وقال الصبار: “إن الإئتلاف المغربي لجمعيات حقوق الإنسان بالمغرب (ائتلاف واسع من بين مكوناته العصبة والجمعية المغربية لحقوق الإنسان) شارك في فعاليات المنتدى بتنظيم ندوة حول دور المجالس الوطنية في مجال حماية المدافعين عن حقوق الإنسان”. 

الصبار أوضح أيضا أن المنتدى العالمي لحقوق الإنسان يختلف تماما من حيث الطبيعة والوظائف والأدوار عن المنتديات الإجتماعية التي تزاوج ما بين النقاش والجد والتفاعل والتظاهر والإحتجاج ورفع العرائض، وغير ذلك من أشكال الإحتجاج التي لا تخلو من إشارات سياسية. وأضاف أن المنتدى هو في نهاية المطاف “منتدى للحوار والتفكير الجماعي وتقييم المسارات الكبرى، والتفاعل الهادف مع الانشغالات العالمية المشتركة”، أي أنه يشكل فضاء دوليا لتبادل المعارف والمعلومات والمهارات، ما يعني أنه “منتدى معرفي وعلمي وتكويني حسب برمجة ضمت أكثر من 40 ورشة موضوعاتية، وكان المنتدى مفتوحا إزاء كل الفعاليات الحقوقية والجمعوية المحلية والجهوية والقارية والعالمية”.

المُحتجّون والإحتجاجات.. ممارسة ديمقراطية

وفي ساحات واسعة في مركز القرية أو في باب اغلبو، حيث القاعة الرئيسية للمنتدى، وعلى مدى ساعات الإشتغال (ندوات أو ورشات عمل أو محاضرات)، كان العشرات من النشطاء المحتجين (سواء كانوا ينشطون في المنظمات أو ضمن الهيئات المقاطعة أو تلك المشاركة بتحفظ أو بحماس)، وفي إطار ما أسموه “منتدى الإحتجاجات” يجُولون مرددين شعارات تندد بقمع هنا لهذه الفئة المجتمعية أو تلك، او احتجاجا على هذه السياسة أو تلك.

كان هناك ما يُشبه  “التواطؤ” الواضح بين المحتجين والمسؤولين.. فالمحتجون يُريدون إسماع أصواتهم، التي كانت يُمكن أن تضيع وسط ضوضاء المنتدى وعشرات الأوراش المفتوحة حول العديد من القضايا وأصوات مئات المتدخلين، ويعتقدون بأن مقاطعتهم ومن ثم احتجاجهم بالتظاهر في ساحات المنتدى وأمام القاعات ستؤدي إلى أن يكون صوتهم أكثر تاثيرا، مع إدراكهم بأن الأصوات المعارضة والمحتجة تلقى تعاطفا أكبر مقارنة بالأصوات المُوالية.

في المقابل، وجدت السلطات الرسمية في أصوات المقاطعين واحتجاجاتهم، ورقة تؤكد أن البلد مُؤهل وعن جدارة لاحتضان هذا التجمع الكوني، بل أكبر تجمع عالمي لحقوق الانسان، بل دليلا بشهادة كل المدافعين عن حقوق الانسان، على أنه أضحى بلدا يُمكن أن يُوصف بانه ديمقراطي وأن هامش الحريات فيه بات واسعا، حتى وإن أبقت التقارير الدولية، وبعض الثغرات القائمة هنا وهناك، سؤال حقوق الانسان بالمغرب مطروحا، فيما تُسابق الدولة المغربية الزمن من أجل تقليص مصداقية هذه التقارير.

في الواقع، تُدرك السلطات المغربية منذ عقد ونيف أن مسالة حقوق الإنسان أصبحت موضوعا رئيسيا في أجندة العلاقات الدولية، وأن المنظمات الحقوقية الكبرى (كالعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وغيرها) تلعب دورا بارزا في بلورة واعتماد القرارات الحقوقية الدولية التي تحمل في طياتها انعكاسات جدية، كما تعلم بأن تكتلات إقليمية كبرى مثل الإتحاد الأوروبي باتت تربط الإتفاقيات بمدى احترام حقوق الإنسان.

رسائل إيجابية… وانتظارات كبيرة

هناك أيضا ارتباط مسألة حقوق الانسان مغربيا بنزاع الصحراء الغربية التي استطاعت جبهة البوليساريو من خلال الإنتهاكات المُرتكبة من طرف الدولة المغربية أن تحقق مكاسب دبلوماسية وسياسية هامة، لذلك حرصت الرباط عشية احتضان الملتقى على توجيه رسائل عديدة ترمز لمنهج جديد في التعاطي مع مسألة حقوق الإنسان، فأعلنت الإنضمام التام إلى الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، فيما أدانت محكمة بالرباط الدولة لمنعها نشاط لجمعية حقوقية، وأقدمت محكمة أخرى على إلغاء حكم صدر ضد صحافيين. 

وعلى الفور، تلقى المغرب هدية من بودلير ندونغ إيلا، رئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (مقره جنيف) الذي وصف إيداع المغرب لوثائق التصديق على البروتوكول الإختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة بـ “التقدم الملحوظ”، منوها بالإنجازات التي حققتها المملكة في مجال حقوق الإنسان عموما. ويبدو أن هذه الهدية كانت ضرورية للمغرب بعد إصدار الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان تقريرا بعنوان “ورش العدالة في المغرب: إصلاحات أساسية لكن غير كافية لحماية حقوق الإنسان” سلط الضوء على الوضعية الحقوقية في المغرب وانتقد العديد من الممارسات المناهضة لحقوق الإنسان. 

إجمالا، كانت الدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الانسان، امتحانا حقيقيا للمغرب، سواء تعلق الأمر بتحسين صورته الحقوقية أو بقدرته على تنظيم وضبط تجمّع بشري لوفود وشخصيات من عشرات البلدان (حوالي 100) يحملون كل الإيديولوجيات والأفكار الإنسانية والرؤى الإجتماعية والمواقف السياسية، من أقصى اليمين الى اقصى اليسار، يلتقون ويتناقشون، ويسمعون هتافات احتجاج ضد الدولة المُضيفة على مدى أربعة أيام. ومع أنه يُمكن القول بأن التظاهرة نجحت لكنه نجاح يبقى رهين مُمارسات المستقبل، لان احتضان مثل هذه المنتديات يُحسّن الصورة لكن الأساس يبقى مضمون الصورة وما تحتويه.