يفاجئنا عبد الله العروي باستمرار ببداهات بيداغوجية عادة ما يسقطها النقاش السياسي من تداوله. ومن بين بداهات العروي الشتوية، مساء الاربعاء الماضي بالرباط، تحديد ما بين المواطنة والولاء من فرق، عند احتفاليات الولاء السنوية.
عبد الله العروي، الذي أدخل مفاهيم الدولة والحرية والعقل، من بوابة الشغف المعرفي والالتزام التنويري اإلى حقول المعرفة والتفكير العربيين، بطريقة تربوية، يقودنا إلى إعلان صريح في الفصل بين الموقفين: المواطنة والولاء.
وهو لا يقوم بذلك بطريقة فجة، فهو لا يعلن التبرم السياسي الراديكالي من مشهد يؤطر السياسة في المغرب، كما أنه لا يستسلم، كما يفعل أصحاب الخصوصيات المغربية الى ما في الخصوصية ذاتها من نكوص، وأنه يرفض شعرية الإعلان الإذاعي في النظر الى حفل الولاء، لكنه لا يدرجه في غير ما هو موجود فيه: تاريخانيته وعلاقته العضوية بالتجربة السياسية لممارسة الحقوق من داخل بنية الدولة.
يقول صاحب نقد الإيديولوجيا العربية، إن الذين يبايعون في حفل الولاء هم موالون وليسوا مواطنين.
وهو الذي اختار، منذ زمن طويل، أن يتكلم من داخل الدولة وتاريخها(الدولة الكيان وليست الجهاز كما هو مستساغ في فكر العروي) يعرف أن طرح الإشكال في المواطنة، هو رأي عميق في بنية الدولة ذاتها، وفي طقوسها التي تمسرح بها سلطتها..
ولا يمكن أن نغفل النقاش، قريبا من الفلسفة والتاريخ، بعيدا عن الدستور الجديد ومحاور إعادة طبيعة الدولة في المغرب. دستور يقوم على 10 محاور أساسية، هي في الواقع محاور «تعاقد تاريخي جديد بين العرش والشعب». ولم يكن صدفة أن المحور الذي تحدث فيه الملك بالتزامات واضحة عن دسترة «الملكية المواطنة والملك والمواطن» « »بما يعني ذلك التنصيص على أن شخص الملك لا تنتهك حرمته كملك وأمير المؤمنين ورئيس دولة، وتحديد سن الرشد في18 سنة عوض 16 التي كانت تميزه عن «كافة «إخوانه وأخواته المغاربة» »منوها أيضا، كما ورد في الخطاب المذكور أعلاه ، بتعزيز «الديموقراطية المواطنة من خلال السماح للمتقاضين بالدفع بعدم دستورية القوانين .. الخ.
فماهو الوضع الذي نبهتنا إليه أطروحة العروي البسيطة الواضحة والبديهية:
من جهة هناك ملكية تريد أن تكون مواطنة، بإعلان ملكي صريح وبفلسفة دستورية واضحة، وهناك من جهة ثانية مواطنون في حفل الولاء «يتخلون» عن المواطنة لفائدة الولاء…
إنه في حقيقة الأمر سوء فهم تاريخي كبير، بين نزوع مركز السلطة نزوعا مواطنا، في الوقت الذي .. تفرض ممارسة حقوق سياسية معينة المرور من خانة أقل من المواطنة أو على الأقل تختلف عن المواطنة كي لا نصدر حكم قيمة..
لقد وافق العروي الدولة المغربية، عبر تاريخها وتاريخ ممارستها للسلطة أو السطوة، وكتب تاريخها الحديث عندما تكلم عن «المغرب والحسن» الثاني، واتضح أنه كان يحمل قلما أحمر، كما يفعل أساتذة التاريخ الكبير للتصحيح والتقويم بدون أحكام ولا هجوم.
بل هو آمن دوما (كما في حواره لمجلة» زمان» الذي أثار الكثير من الاهتمام ) بأن التغيير لا يمكنه أن يأتي إلا من خلال المؤسسة الملكية، وهو يحلل حاضر المغرب نفسه من خلال منظور الملكية. إنها بالنسبة له، محرك للتطور إن لم نقل القوة الحقيقية للتغيير ، وقد صرح بذلك في محاولة تفسير دور حركة 20 فبراير ، التي اعتبرتها ثقافة اليسار أيقونة الجمع بين الشارع وبين تاريخ ذات اليسار.
لا شك أن العروي، وهو يؤصل لمفهوم المواطنة ، يرى بأنها صانعة الأفق التاريخي الآن ولهذا يسائل على ضوئها أدوار المؤسسات المركزية، وقبلها النخبة والفهم السليم للمواطنة.
وقد سبق للعروي، بوضوح أفكاره، أن كان قاسيا مع النخبة وتلقيها للتوجه الرئيسي في السلطة المركزية. عندما قال إن »جزءا كبيرا من النخبة المغربية لا يفهم ما تقوله خطب الملك«. وقد قلنا وقتها إن المقصود من وراء هذا الحكم، هو أن هناك قصورا حقيقيا لدى جزء كبير من النخبة عن تلقٍ سليم لما يقال في هذه الخطب. بل يمكن أن نذهب بعيدا إلى القول إنها تعطي تأويلا أقل بكثير من السقف الذي يعطيه الملك لكلماته. وعادة ما تحتمي بلغة الخشب، وانتظار الإشارة لكي تفسر هذه الخطب، وهي خطب تريد أن ترتقي بالممارسة السياسية إلى أعلى، في حين تشده – عادات وتقاليد النخبة إلى الأسفل ، بل تبين أحيانا« أن النخبة أخذت على حين غرة أمام هذه المبادرات، بل انتظرت أن تعطيها تفسيرا بعد حدوثها بمدة طويلة. »نفس النخبة احتمت بتقاليد العهد السابق في العلاقة بينها وبين ملك البلاد، رغم تجديد التوجهات والخروج من لغة متعودة على الخشب. وفي هذا الباب كانت الفكرة الثانية والمحورية لعبد الله العروي في حواره مع مجلة صديقنا يوسف شميرو، أي قولة »أن الملكية ضرورية لحماية الحداثة والدفاع عنها ضد القوى المحافظة والتقليدية«.
اليوم يضيف العروي فكرة أخرى، ولبنة في بناء كلامه عن دور الملكية وكيف تخرج السياسة من قوقعة التفكير التراثي السلطاني إلى آفاق جديدة..
اللحظة مناسبة دوما للتفكير الجديد، بدون إكراه الاستعصاءات السياسية والزمنية التي ترافق عادة مناسبات الطقس الخاصة بمناسبات الممارسة السياسية.
وعبد الله العروي، المفكر الذي عمل جاهدا من أجل تبيئ الكثير من معارف الحداثة مع فهم عميق للتاريخ المغربي، يطرح سؤال جوهريا، بدون أن يضعه في خانة التوتر التداولي: علاقة الملكية الطامحة للمواطنة، دستوريا( مع وجود فارق كبير) بحفل الموالين.

 

السبت 6 نونبر 2014