كل رهان على توازنات المجتمع في اتجاه تثبيت الاستقرار يقتضي اشتغالا في العمق من داخل النسق السياسي لتحصين انسيابه الطبيعي وفق قاعدة ” ضوابط البناء الديمقراطي” الذي يفترض فيه أن يكون حاصلا بالتراكم .

اللازم في هذا الإشتغال أن يكون حادثا بتقاطع كل إرادات القوى الإجتماعية الموكول إليها تاريخيا مسؤولية التغيير والبناء الديمقراطي وفي مقدمتها الأحزاب السياسية الوطنية بمختلف مرجعياتها الإيديولوجية وخياراتها السياسية. وهذا يعني، ومن باب تحصيل الحاصل، أن اضطلاع الأحزاب بهذا الدور مقرون بسيادة قراراتها واستقلالية مقروئيتها وانجازيتها السياسية، أي أنها ملزمة بممارسة فضيلة التباعد السياسي مع الدولة لتكون شريكها الايجابي في بناء مجتمع تنافسي يجتهد في اختصار المسافات بلوغا للمعرفة وللحداثة المتجددة .

الوصول إلى هذه الغاية مقرون بشرط لازم، وهو تمتين الاستقرار وتمنيعه من إمكانات العطب والتحلل. وهذا يفترض معالجة “ميتاسياسية” تنأى عن مقترب القراءة السياسية المكرورة إلى حد الملل، بهدف وضع مسالك نقدية بانية (constructive) لا تروم السقوط في أحكام القيمة وهي تنظر إلى دينامية الدولة والأحزاب في بلادنا، وإنما تتغيا الانحياز إلى جرأة الاستبصار ومبدأ المكاشفة الرزينة. بمعنى أن الاحتماء بالمناولة التاريخانية لمسألة الاستقرار يؤمن هذا المطلب ويعززه، باعتبار أن الاستقرار حمال لدلالات تاريخية لها زمنها المنساب والمتجدد، تختلف طرق تحققه باختلاف السياقات والطوارئ المستحدثة، أي أن المنظور التاريخاني للاستقرار يحتكم لقوانين التطور التاريخي نفسه عملا بأن لكل مرحلة قوانينها الخاصة التي تنظم “الماهية” و “النوعية” و “الإنجازية” .

لقد خط تاريخ الاستقرار في المغرب لذاته منحى اتفاقيا وليس توافقيا يقوم على التداول المتكرر للنسق السياسي للملكية باعتبارها متاحا تاريخيا لأنطلوجية الدولة وخياراتها الدينية والثقافية والسياسية. ولقد استمر هذا النهج الاتفاقي بالحفاظ على المرجعيات المختلفة واحترام الخطوط الحمراء ما بين مختلف مكونات المجتمع المغربي العليا منها والمتوسطة ، وهنا تبلور وعي النخب القائم على الاتفاق مع احترام سيادة الرأي واستقلالية النظر ممثلا في حقل الفقهاء وعلماء الدين وزعماء الزوايا، لتثبيت تاريخ زمن محلي يقوم على العقيدة الأشعرية والفقه المالكي ثم التصوف السني لصون مبدأ الوسطية والاعتدال كرابط ديني سياسي يتأسس على مبدأ الحق والعدل في خلق التوازن ما بين المتعارضين، ويجمع ما بين الشرعية الثابتة والمعطى المتغير ومتطلبات العصر المتجددة .

إن تحقيق الجمع والتوازن قد حدث من داخل ” الإتفاق ” المبدئي ما بين فقه الأحكام وفقه الواقع وليس بالتوافق المبني على الخروج عن المبدأ والأصول إرضاء لهذا الطرف مغايرة للآخر. وهذا ما جعل الفكر الأشعري يصمد لما يزيد عن عشرة قرون بالرغم من تعاقب كثير من الدول على حكم المغرب إلى يومنا هذا .

ينضاف إلى ذلك أن دور القبيلة والزوايا في استقرار المغرب ووحدته، لم يكن خارجا عن المبدأ التنظيمي لبنية القبيلة والزاوية بالتوافق مع الدولة / المخزن لأداء الخدمة وتنفيذ الأوامر، وإنما كان منظما في سياق اتفاقي لا توافقي ينطلق من سيادة القبيلة والزاوية وليس العكس ، وذلك بقبول تعاملها مع الدولة/ المخزن في سياق تبادل المنافع من منظور المصلحة العامة للقبيلة والزاوية بقبولها اختيار الدولة/ المخزن الجيش من القبيلة ذات النفوذ الواسع لولائها وتأثيرها الاجتماعي، مقابل شرط توسع القبيلة لتسليط نفوذها على القبائل المجاورة والاستعانة بالدولة/ المخزن ذاتها للتحكم والانتشار المهيمن .

يعني هذا، أن اتفاق علاقة مكون الدولة بمكون الزاوية والقبيلة عبر نخبها، كان علاقة تقوم على ” المقبولية السياسية ” لبناء تاريخ محلي مغربي بعمق ثقافي ينأى عن الانخراط والتماهي باديلوجيات القومي المنقطع عن الخاص، المحلي المغربي .

بالانعطاف اليوم، على مسألة الاستقرار في المغرب ،سياسيا، نلحظ أنها لا تعالج ضمن سياق جينالوجي بهدف بلوغ ” المقاربة التاريخانية ” سعيا إلى فهم الزمن الخفي المتحكم في أوجه دلالات الاستقرار وضرورات التجديد والتكيف التي تقتضيها حتميات انتقال التاريخ والحداثة المتجددة .

إن القفز عن هذه المقاربة التاريخانية في النظر إلى استشكال الاستقرار في بلادنا يسقط المشتغل فيه والوكلاء على حمايته في آفة اقتطاعه من زمنه التاريخي وحصره في كل ما هو لحظي ونفعي ومباشر، الشيء الذي يعرض الاستقرار ذاته إلى ما يشبهه. ومن ثمة إلى ما يضاده…

ولعل السؤال، هل النخب والأحزاب السياسية اليوم تؤثر في مسار الاستقرار وترسيخه في انسجام تام مع قوانين تطوره التاريخي لتحقيق الطفرة السياسية والاجتماعية؟

هناك ملاحظة سابقة تقتضي ،افتراضا، بأن المجتمع المغربي اليوم لم يستطع أن يبني نموذجا انتقاليا للمعرفة والتنمية. وبالرغم من التحولات التي يعيشها في كثير من مظاهره وبنياته الفوقية، فإنه لم يستطع أن يتخطى وعيه المشتت والمتناقض فقط ،بل وقع في أحبولة كثير من الدورات الارتجاعية جعلت من الديمقراطية وحقوق الإنسان محطات للتنفيس التاريخي وتبادل الأقنعة ضمن احتفالات سياسية تحددها المناسبات والطوارئ الضاغطة .

في المقابل لم تتمكن القوى الاجتماعية الحية،وفي مقدماتها الأحزاب السياسية من الاحتماء بسيادتها واستقلاليتها لخلق توازن موضوعي (اتفاقي) ما بينها وبين الدولة تطبعه الديمومة والتجدد. بمعنى أن المجتمع بمختلف مكوناته العليا والمتوسطة، قد فشل نتيجة انحسار الوعي التاريخي،في تمثيل الديمقراطية وتملكها وفي الحسم الصارم في ممارستها اجتماعيا وسياسيا .

لقد اكتفت هذه المكونات بالاختباء وراء ما يشبهها حفاظا على الذات النفعية، والتوافق الاعتباطي المجترح من لاشعور ثقافي ثابت حول عرف مغرق في “السلبية” ومن خارج مقتضيات الديمقراطية والمنفعة العامة،وليس من داخلها، الشيء الذي أهلها لأن تكون مجالا خصبا لانتعاش الريع ونفوذ العائلات القوية وتضخم للأسماء الغليظة وصناعة الصغار وتصغير الكبار. إن عرف “التوافقات” السياسية على الطريقة المغربية الذي أصبح بنية حاكمة في حياة الأحزاب ،لا يشعل متاحا موضوعيا تستطيع من خلاله هذه الأحزاب بلوغ “الحزبية المستقلة” المنشغلة بالاجتهاد في صوغ حلول للمشاكل المجتمعية والسياسية والارتباط العملي بفئات المجتمع ونخبه حول فكرة الديمقراطية والتحدث .

إن الارتكان إلى “التوافقات” من خارج الديمقراطية والعمل بمبدأ “انتظار إشارات الفوق” والانصياع إلى إدارة الأوامر بدون خلق مسافات نقدية وبلورة أسس للتحليل والنظر دفاعا عن السيادة والاستقلالية، لن يدفع بالسياسة إلى الموت فقط، بل سيفقد النظام السياسي مناعته بفتح مداخله جميعها على فيروسات تدمير الاستقرار وجر البلاد إلى مستنقع بدون قرار .

إن طبخة “التوافقات” لا تؤشر على الفشل السياسي في بلادنا بل تلمح إلى فشل اجتماعي باعتبار المكونات الاجتماعية الحية بما تحتويه من نخب متنورة قد انسحبت من مواقع المقاومة وافرنقعت على أرض الله الواسعة تاركة وراءها الإرث الديمقراطي الذي راكمه الجيل السابق، عرضة للمتاجرة و النفعيات الذاتية مما فسح المجال واسعا لانتعاش طفيليات ضارة من الإنتفاعيين والوسطاء السياسيين الجدد. هذا يعني أن الوعي التاريخي، السياسي والمدني، لمختلف الفئات الموكول إليها تاريخيا مهمة التغيير الديمقراطي، يوجد إما في حالة تجمد، أو شلل ظرفي يعادل فترات نكوص في التاريخ عبر عنها كارل ماركس ” باللاستمرارية التاريخية”discontinuité historique” ، و إما أن هناك تحولا اجتماعيا و سياسيا في بلادنا ينحو منحى جديدا يقترب من اعتبار الممارسة الديمقراطية للسياسة مجرد بنية فوقية متعالية عن واقع نظامنا السياسي وعن لا شعورنا الجمعي والفردي .

إن افتراض وجود الحالتين معا ينبئ بخسارة تاريخية، انطلاقا من المبدأ القاضي بأن الديمقراطية هي جوهر الاستقرار وأن الاستقرار الدائم بلغة مونتسكيو رهين بديمقراطية دائمة .

لو سلمنا بالافتراض الأول، بوجود انحباس لحظي يرتبط بنوم الوعي التاريخي للمكونات الحية في المجتمع، فهذا يعني أن المجتمع المغربي في عطالة مجتمعية أمام بناء الديمقراطية وإشاعة الفكر الحر وإرادة الاختلاف، لأنه منقطع عن المستوى الموضوعي عن الديمقراطية نفسها.

وهذا يعادل دلالة تخلفه عن بناء مجتمع المعرفة. ومن ثمة، عجزه التاريخي عن اللحاق بالدول الصاعدة. ذلك أن الإيقاع التكنلوجي السريع الذي يفرضه الغرب والتحولات الرقمية المتجددة يجعل من مقولة حدوث فترات اللاستمرارية في التاريخ لا تستقيم أمام ” الانتقالات الضوئية ” التي تشهدها تكنلوجيا المجتمعات المتقدمة. وعليه، يعتبر الانجرار وراء كل أسباب العطالة، بالتخلف عن الديمقراطية، فشلا تاريخيا لبلادنا قد يمهد لبروز “هجنة اجتماعية وثقافية غريبة” لا تمت بأية صلة لهويتنا الثقافية والرمزية نتيجة صدمة تخلفنا التاريخي أمام خوارق الإبداع التكنلوجي التي تؤسس لتاريخ مختلف لهذه المجتمعات الناجحة، يتعالى عن التاريخ الميت الخاص بالمجتمعات الفاشلة حينذاك، يحدث بشكل مفاجئ تفاوت ما بين تمثل الاستقرار في علاقته بالنظام السياسي ورسوخه القبلي في الوعي الاجتماعي والسياسي، وما بين الرقمي المرتبط بالولاء لخوارق المخترقات الرقمية التي أصبحت مجاوزة للدول عبر منتظم بشري يعد بمئات الملايين تحكمه آليات الفايس بوك والغوغل ولا تحده حدود الدولة وثقافة المجتمع المحلي. إن هاجس هذا المنتظم ليس مركزة فكرة الاستقرار على حساب ترسيخ الديمقراطية، وإنما هو ربط الاستقرار بسيادة الديمقراطية المبرأة من قبول الاستخدام والتحايل.

إن إغفال هذا المستحدث في قراءة المستقبل القريب للسياسة هو وقوع أكيد في النظرة الستاتيكية لمعاني الاستقرار في بلادنا، وخطأ سياسي جسيم يترتب عنه أولا تفويت فرصة مراجعة الدولة والمجتمع معا لمنظورها للسياسة، وثانيا تعذر فهم المقتضى الجديد للديمقراطية من حيث هو نتائج مرتبطة عمليا بالحريات والقانون والعدالة والمواطنة والمؤسسات. و كل إخلاف لهذا المقتضى يعد إفشالا للاستقرار المستدام كما هو منشود.

أما إذا سلمنا بالافتراض الثاني الذي يعتبر الديمقراطية بنية متعالية عن واقع نظامنا السياسي وعن لا شعورنا الفردي والجمعي، فهذا يعني أن التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها بلادنا ليست إلا تحولات خارجة عن السياق الصحيح للانسياب التاريخي للديمقراطية، وهو افتراض يدفعنا إلى التأمل فقط، بدون جزم، في تلك الإنجازات التي راكمتها المؤسسة الملكية طيلة العقد الأخير من هذا القرن، إذ كانت هناك إنجازات مهمة تخص تأهيل البنيات التحتية وإطلاقها لديناميات قوية لمشاريع مهيكلة كبرى مرفوقة بإصلاحات سياسية واجتماعية ( هيئة الإنصاف والمصالحة، مدونة الأسرة،…). بالرغم من هذه الاصلاحات نلحظ أن أقوى تظاهرات حركة 20 فبراير التي رفعت شعارات متطرفة، كانت في المدن التي استفادت من هذه المشاريع وحظيت باهتمام سياسي واقتصادي مميزين، وهذا مؤشر مكثف يحيلنا إلى استشكال تمثلات المواطن لنوع الإصلاحات والاختيارات المعروضة عليه، وإلى استشكال آخر يتعلق بالذكاء التاريخي للإرادات السياسية في ترتيب الأولويات ضمن منظور استراتيجي له صلة عضوية بمضمون الاستقرار ورسوخ امتداده في المستقبل .

إن اعتبار الديمقراطية بنية متعالية أو إمكانا قابلا للاستخدام والتحايل ضمن ما يطلق عليه بديمقراطية التأثيث أو الواجهة، لن يكون إلا انحمالا على ما يضاد التاريخ ومجاوزة صريحة لمتطلبات الديمقراطية وضوابطها، وهذا يترتب عنه نبذ ايطيقيا المبدأ ومقتضيات المرجعيات والاختيارات السياسية الحرة. أي تحول وظيفة السياسة من حيث هي تطابق ما بين الفكر والممارسة، لبناء الدولة والمجتمع وخلق التوازنات الموضوعية لترسيخ الاستقرار، إلى مجال للشلل تتسمر فيه الأحزاب السياسية القابلة بهذه اللعبة ريعيا على هامش السياسة، تاركة للدولة وحدها دور اللاعب السياسي المؤثر والمعدل… إن آفة التوافقات على هذا النحو لا تخرج عما نطلق عليه بأوهام الديمقراطية، لأنها توافقات لا تقوم على ما هو مسموح به من داخل المرجعيات والقناعات ، وإنما على تنازلات تكون فيه الغلبة لكل ما يضاد المصالح العليا للمجتمع ولسمو الممارسة السياسية ونبلها .

إن رهان تحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان ينطلق من تصحيح المكونات الاجتماعية والسياسية الموكول إليها مهمة التغيير نفسها بنفسها، لمجاوزة مأزق “التوافقات” المنتعش بتهافت المنافع الخاصة والتمركز الذاتي للوبيات والعائلات النافذة.

إن مبدأ تصحيح الديمقراطية يبدأ بأدلجة الوعي التاريخي وإقامة المسافات مع يوتوبيا التغيير المفاجئ، لأن الديمقراطية لن تتحقق بقفزة واحدة ولا بقرار سياسي، بل هي بناء تاريخي وثقافي يقوم على مبدأ التراكم والقطائع التي تنجزها الأحزاب السياسية ذات السيادة وهيئات المجتمع المدني المستقلة، وكل النخب العضوية الناشدة إلى إقامة واقع جديد لا صوت فيه يعلو على صوت الحرية والقانون والعدالة وسلطة المؤسسات المنتخبة

عن هيسبريس

7 دجنبر 2014