يشكل الحوار – من حيث المبدأ – عنصر ضبط اجتماعي تقوم الدولة بتحريكه. و الغاية منه المساعدة على تصحيح الاختلالات و من حيث المنهج: التفاوض المستمر. و هي سياسة تداول تحول مواقف الصراع أو التنافس بين الشركاء الاجتماعيين إلى حوار مفتوح يحترم مختلف وجهات النظر في إطار القوانين الجاري بها العمل.

و هذه مهمة جسيمة و مستمرة، مهمة تلقينية تتمثل في تكييف شروط الحوار الاجتماعي مع تضارب المصالح و الأفكار، و مع الهيآت الحرفية الجماعية و موازين القوى التي تحرك الضرورة المجتمع و اقتصاده و ثقافته.

من يحاور من ؟ متى يبدأ الحوار الحقيقي ؟ أولا، بالاعتراف المتبادل بين الشركاء بمشروعيتهم القانونية و الفعلية. و هكذا تتأكد هويتهم. فمثلا، عندما يتفجر صراع اجتماعي، يحب أن يؤخذ باعتباره صراعا، و يحلل كعنصر يمكن التفاوض في شأنه. فيكون موضوع تشاور بين الشركاء الاجتماعيين مع الجهات المعنية المحلية و الوطنية، كما يكون مادة إعلامية مضبوطة لدى الدولة و الرأي العام. إذ ليس من المعقول أن نلتزم الصمت أثناء صراع اجتماعي، لأن الصمت يجعل الصراع أكثر عتمة، بتركه يتحول إلى حرب مواقف، و إلى مزايدة لا تفيد في شيء مسلسل الحوار و التفاوض.

و هكذا، تخضع ممارسة الحوار الاجتماعي إلى لغة وحيدة لغة الضبط الاجتماعي. و تبعا لذلك إلى تلك التي ترمي إلى خلق التوازن المنشود بين المصالح المتعارضة التي يدافع عنها الشركاء.

لذا، يطرح الحوار الاجتماعي من منظور المجتمع، و الاقتصاد و الثقافة على حد سواء، ذلك أنه إذا كان الحوار يرمي أساسا إلى الضبط الاجتماعي، و تلك في اعتقادنا غايته، فإنه يتعين تقويم مصالح هؤلاء و أولئك و إعادة تقويمها باستمرار بناء على المصلحة العامة للمجتمع، و الظروف الاقتصادية التي تشكل الضائقات الرئيسية.

و من ثم، فإن دور الدولة دور تحكيمي، و هكذا عندما قررت الدولة المغربية وضع حد للاقتصاد الموازي المتمثل في التهريب فإنها حررت مجالا اقتصاديا جديدا يجب أن يبرهن فيه الشركاء الاجتماعيون -أرباب العمل و الأجراء- على روح التضامن الوطني للإسهام في تنمية البلاد.

فالدولة تتدخل بصفة مصحح و موازن. و في المغرب، توجد ثلاثة مركبات للشغل: الأجراء و العمل الحر، و الملكية المنتجة للخدمات. و هذه المركبات الثلاثة المتفاوتة الأهمية على الصعيدين الوطني و الجهوي، تميز البنية الأساسية لاقتصاد المغرب و موروثه الاجتماعي. و هي بنية مركبة تميز مختلف مراحل تطور المغرب: مرحلة المغرب التقليدي و مرحلة التصنيع و الأجراء، و هما من إنشاء الاستعمار. و مرحلة المغرب المستقل -حيث تسود- بالإضافة إلى هذه المكتسبات و إلى أنظمتها الإنتاجية، ازدواجية بين التدبير الاقتصادي للدولة، و آليات السوق الوطنية و الدولية.

و تقابل هذه البنية المركبة للاقتصاد الآخذة في التكيف مع النظام العالمي للسوق تعددية نقابية و سياسية. لذا يجب أن يتكيف الحوار الاجتماعي مع هذه المعطيات. فكل شريك مدعو للعب الدور المنوط به كعنصر ضبط اجتماعي، فكيف يقوم بدور و بأية استراتيجية؟

فبهذه المطالب المقبولة و المعقولة إلى حد ما، لا تقوم النقابة بالتحريض فقط، بل تسهم بطريقتها في التماسك الاجتماعي، حيث إنها تبرز الاختلال و التفاوت الاجتماعيين بفضل مشروعيتها التمثيلية الحقيقية. و النقابة كفيلة بالقيام بوظيفتها كموازن في عالم الشغل و في الرابطة الاجتماعية.

و بالرغم من كون أرباب العمل ينظمون أنفسهم على المستويين الاقتصادي و الجبائي، فإنهم يخضعون لمنطق خاص يتمثل في المردودية و النمو، فهم يعطون أكثر أو أقل حسب اغتنائهم، و هذه آلية سيكولوجية أولية. بيد أنه في الواقع كل مفاوضة تتم بين أرباب العمل و الأجراء، يجب أن تخضع لشكلين من الأنانية: الأنانية المتفتحة لأرباب العمل، و الأنانية الانطوائية للأجؤاء، اللتان تتحولان إلى حقد. و من ثم يتجلى أيضا الدور الحاسم للدولة دولة القانون.

كما يمكن توضيح طرق الضبط الاجتماعي بواسطة الثقافة و التاريخ و التقاليد، و بواسطة نظام التراتب و توزيع الممتلكات. و يندرج الحوار الاجتماعي ضمن هذا الموروث. و علاوة على ذلك يجب أن يتكيف مع التغيرات الواسعة التي يعرفها العالم.

و يقال: إن نموذج الديمقراطية التمثيلية المبنية على مجتمع الأجراء، و على اقتصاد السوق هو النموذج الاجتماعي الأليق. إن مكتسبات هذه الديمقراطية متعددة و تهم ضبط النزاعات و ملاءمة مختلف مصالح الشركاء الاجتماعيين، فيما بينها و مراقبة الثروات لمساواة اجتماعية أوسع.

إن هذه المكتسبات جميعها، لا يمكن التمتع بها إلا إذا توفر في الممارسة الديمقراطية من جهة احترام حرية الرأي، و من جهة أخرى التسامح الكفيل بالتحكم في التعصب و في عنف هؤلاء و أولئك، و من ثم فإن الحوار الاجتماعي منهج تكييف الضبط الاجتماعي مع متطلب الأخلاقيات، إلا أنه قد يقال: إن الأخلاقيات تتغير مع تقاليد البلد، نعم، نعتقد في المغرب أن الحوار الاجتماعي يمكن أن يرجع في هذا الميدان إلى قيم الاتزان و الحكمة و التفاني و التسامح و احترام الشركاء و كرامتهم في خدمة الصالح العام، كما أن الحوار الاجتماعي ميزة أخلاقية و سلوك نحو الضبط الاجتماعي الذي هو نموذج توازن. و لاستمرار التوازن الاجتماعي يتحتم الحفاظ على المكتسبات التي حققتها بلادنا في هذا الميدان لإغنائها يمكتسبات أخرى. و من ثم يتمخض مطلبان اثنان: استمرار موروثنا الاجتماعي و ملاءمته مع عالم السوقين الوطنية و الدولية.

عن موقع الازمنة