مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء 10 دجنبر 2014

 

يقول تعالى ..{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }الانبياء
ويقول ..{قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ }ال عمران

  : “الموت : عبارة عن مفارقة الروح الجسد الذي كانت به حياته الحسية ، وهو طارئ عليهما بعدما كانا موصوفين بالاجتماع الذي هو علة الحياة …”

… ان الحياة بمختلف انواعها …حياة الافراد و الجماعات او الامم و الحضارات والدول  … هي  وجود معين في زمن ومكان معينين ..لاهداف وغايات محددة   علم بها  او لم يعلم خطط لها ام لا …  وتختلف فلسفتها ومنهجها باختلاف الفهم و الادراك فتتسع مجالاتها وتاخذ تمظهرات مختلفة وفقا لما تبتغى وتميل اليه النفس …

قال الشيخ ابن عربي: “الموت : عبارة عن مفارقة الروح الجسد الذي كانت به حياته الحسية ، وهو طارئ عليهما بعدما كانا موصوفين بالاجتماع الذي هو علة الحياة …”

…وما يميز الانسان عن المخلوقات الاخرى انه بامكانه ان يعطي لحياته الخاصة كما للمشتركة  قيمة ومعنى …فبعقله ومعرفته يدرك ان  حياته  تنتظرها نهاية محتومة لامفر له منها يستوي امامها الجميع كيفما  كانت نهايتها ..وبسبب ذلك يعمل وفق ما يستطيع من اجل  ان يحقق وينجز ويفعل ما  يريد  كلما استطاع الى ذلك سبيلا … فاختياراته طوال مدة عيشه التي يعرف انها ستتوقف في زمن ما..تكون مشبعة بالامال والمتمنيات .. فان كان صالحا وايجابيا كان  سلوكه في  الادنى غير ضار بنفسه ولا بغيره ..وقد يكون مفيدا ومساهما في بناء وتطور بني ادم في المجالات التي يتقن او يتعاطى  معها …اما ان كان طالحا انتهازيا ووصوليا ..فيسعى ليحقق  كل ما يهوى ولو كانت المحصلة  اساءات او تخريب …

عن علي رضي الله عنه,  أنه صلى الله عليه وسلم قال: ” إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان اتباع الهوى وطول الأمل, فأما اتباع الهوى:  فإنه يصد عن الحق,  وأما طول الأمل:  فإنه الحب للدنيا,”

…وهذه الحياة ممتلئة  بالضرورات والمحفزات والملذات  حيث يسعى الناس لاشباعها وتثمينها  وجعلها ذاث معنى وهدف على مستوى ضرورات استمرار النوع من غذاء وبقاء  وصحة واستقرار …وتحكم في الموارد وتوجيهها وتوظيفها من اجل التطور والرقي …

والحياة يمكن ان نرقى بها الى المراتب السامية للروح الانسانية شعورا وادراكا ونية وعملا بالاعتماد على العلوم الحقة الشرعية والوضعية سعيا من اجل بلورة وتجسيد القيم النبيلة التي تعود بالخير والنفع على الجميع ….

….فالانسان خلق ووجد من اجل مهام عظيمة منها اعمار الارض واقرار العدل وضمان العيش الكريم وحماية البشر والارض التي يعيش عليها ..وذلك لن يحققه الا بالمرور من المحن والتجارب والصراعات والتدافع والفتن  والابتلاءات والنجاحات والاخفاقات …لكن عظمة هبة العقل الواعي هي التي تجعلنا جاهزين للتطور ان وظفت بشكل سليم  …

قال تعالى ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ الأعراف

وقال تعالى ” تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شئ قدير . الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا وهو العزيز الغفور “….الملك

…انطلاقا من هذه الثنائية المتلازمة ..الحياة والموت  نقول ان  الدنيا دار نعمرها كبشر وكمخلوقات  لاجل محدود …وتقاس قيمتنا ورصيدنا فيها بما كنا نقوم به وما تنطوي عليه سرائرنا وما نعمله مع الاخرين او لمصلحة الناس ..

..فالمؤمنون والصالحون واصحاب المبادئ سواء  الذين يؤمنون  بالحياة الاخرى او  الذين لايرون حياة بعد الموت كلهم  لايريدون ان يذكرهم من بقي بعدهم بسوء وشر بسبب اساءاتهم وسيئاتهم وفسادهم وظلمهم للاخرين..لهذا وهم احياء يسعون من اجل  قول وفعل الافضل والاحسن  …والصنف الاول منهم فوق ذلك  يبتغون رضى الله ورحمته ويسعون للفوز بحياة اسمى واسعد بعد موتهم  لانهم يستحضرون قوله تعالى ” فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ” …

ان  الموت تتعدد معاني وروده في القران الكريم ..فاحيانا ياتي في سياق  اعتباره نهاية لمرحله  تكون في هذه الدنيا   ، وبداية لحياة  اخرى كما في قوله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)العنكبوت..

…ومنها تشبيه  الذي لايستمع للنصح ولا يتعظ بالميت في قوله تعالى (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) النمل..

..ومنها  اعتبار الضال  في حكم الميت  قال تعالى  (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)

ومن هنا نجمل القول بانه ان كان  كل من عليها سيفنى فهذا يعني  حتما الافراد والجماعات كما سيعني بمنطق العصر كل المؤسسات و المنظمات والهيئات  التي لم تستطع استيعاب واقعها ومتطلبات عيشها واستمرارها المعنوي في علاقاتها مع نفسها ومع الغير ولم تقدر على تصحيح مساراتها وتطوير افكارها ومناهج عملها … يقول تعالى  ..{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }الأعراف

وبما ان الحديث في هذه المقالة عن الموت فنسال الله ان لاتنطبق على واقعنا في هذا البلد وغيره من البلدان الاسلامية معاني قوله  تعالى {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} غافر 

ذلك ان من بين تفاسير  الإماتتين بالاية ..   الاماتة المادية اي التي تحصل لكل انسان بانتهاء حياته في هذه الدنيا… والاماتة المعنوية  بموت البصيرة  والعقل النير وهو من الاحياء ..مما يتسبب في الضياع والهلاك …

“قال الحسن البصري : طلبت خطب النبي صلى الله عليه و سلم في الجمعة فأعيتني فلزمت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فسألته عن ذلك فقال : كان يقول : في خطبته يوم الجمعة يا أيها الناس إن لكم علما فانتهوا إلى علمكم و إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم فإن المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه و بين أجل قد بقي لا يدري كيف الله بصانع فيه فليتزود المرء لنفسه و من دنياه لآخرته و من الشباب قبل الهرم و من الصحة قبل السقم فإنكم خلقتم للآخرة و الدنيا خلقت لكم و الذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب و ما بعد الدنيا دار إلا الجنة و النار..”

ونختم بدعاء  كان صلى الله عليه وسلم يقوله: ” اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات,  وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل”