كان الزعيم الاتحادي المرحوم عبد الرحيم بوعبيد يردد مقولته الشهيرة السياسة أخلاق لكن أغلب الناس لا يعرفون معناها و مغزاها إلا قليل من الساسة المقربين منه، و ثلة من الموالين للنظام آنذاك و كثير لا يعي ما المراد بها، لأنه لا ينطق بها عبثا ، إنما حسب ما يفهم من قولته هو تعبير عن تصوره لما يجب إن تكون عليه الممارسة السياسية في البلاد خلافا لما يقوم به الآخرون في الاتجاه الحاكم و ذلك بسبب انخراطه المبكر في العمل السياسي و به اكتسب تراكما من التجربة سواء كان في موقع المسؤولية مع النظام أو في المعارضة التي تزعمها طيلة حياته تقريبا إلى أن انتقل إلى جوار ربه، لكن من المؤكد أنه عندما يشارك في تدبير شؤون الدولة كوزير الدولة تكون مشاركته استثنائية و مؤقتة حسب ما تقتضيه المصلحة العليا للوطن، حيث لا يمكن الاستغناء عن دوره كما هو الشأن بالنسبة للوحدة الترابية و الاتحاد ألمغاربي و الاتحاد العربي الإفريقي مع ليبيا وغيرها اللهم ما كان مشاركته الرسمية في حكومة الاتحاد الوطني كوزير للاقتصاد و المالية أو الخارجية و التي يترأسها المرحوم عبد الله إبراهيم، و هي الحكومة التي دامت ثمانية عشر شهرا و تم إقالتها سنة 1960 و تولى رئاستها المرحوم الحسن الثاني كولي العهد أنذاك و من قبلها و زارة الخارجية في حكومة المرحوم بلافريج . و أنه رغم قصر مدة مشاركة بوعبيد فلا أحد ينازع الإنجازات التي سجلها عليه التاريخ بمداد من الفخر و الاعتزاز، و يتعلق الأمر بإحداث بنك المغرب و استبدال الفرنك الفرنسي بالدرهم المغربي و مشروع الصلب و الحديد بالناضور و أحدات مكتب الابحاث و المساهمات المعدنية و غيرها ، و إلى جانب هذه المنجزات الهامة فقد ساهم في وضع الأسس القانونية و التنظيمية المتعلقة بعدة المجالات كقانون الحريات العامة و النقابات و الوظيفة العمومية و غيرها، حيث مازال المغرب يعتمد على أغلبها و الأعمال بها في كثير من الميادين الخاصة في حياة المواطنين.

هكذا، وكما سبق ذكره، فإنه بعد إقالة حكومة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، اختار الحزب التموقع في المعارضة منذ سنة 1960 إلى غاية سنة 1998 ، حيث جاءت حكومة التناوب التوافقي برئاسة المجاهد عبد الرحمان اليوسفي لإنقاذ البلاد من السكتة القلبية، كما سماها الملك الراحل المرحوم الحسن الثاني، والحل أن الأمر يتعلق بفشل السياسات الحكومية المنتهجة أربعين سنة أوصلت المغرب إلى الباب المسدود من جهة، وضمان انتقال الملك إلى والي العهد محمد السادس في خضم الوضعية المتأزمة للبلاد وتدهور صحته، نظرا لعدم الثقة في محوره، جاءت هذه الحكومة بعد وفاة المرحوم بوعبيد بست سنوات وتأكد صحة مشروع الاتحاد الاشتراكي و فشل السياسات التي يعارضها الاتحاد بقيادة الراحل بوعبيد. وبالفعل اختار الاتحاد التموقع في المعارضة منذ سنة 1960 وهي السنة التي اتخذت معه الوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية منحنى أخر لا تخدم مصلحة البلاد والعباد ، و هي سياسة لا شعبية و لا ديمقراطية لا تخدم إلا مصلحة أقلية من الأسر المغربية، و سارت تستفيد بجميع ثروات المغرب و انهماكها على تنمية مصالحها و تفتقد إلى الروح الوطنية و القيم الإنسانية و تتحكم في جميع دواليب الدولة اقتصاديا و سياسيا و أصبح الحكم في البلاد يعتمد على الهاجس الأمني و ما ترتب عنه من أساليب القمع و التعذيب لكل من لا يمتثل لأمر القائد أو العامل والشرطة و الدرك لا حرية في التعبير ولا احترام لكرامة المواطن ولا و لا. و بتعبير مجمل هو غياب سيادة القانون و ممارسة الحاكمين للدكتاتورية في جميع الأمور وكفى . أما بالنسبة للمؤسسات التي يجب أن تعبر عن الإرادة الشعبية فقد تم الإجهاز أولا على المجلس التأسيسي لوضع دستور منتخب من طرف الشعب، وهو مطلب الحركة الوطنية للتأسيس على بناء دولة الحق و القانون وجاء محله دستور ممنوح سنة 1963 وخاض الاتحاد حملة واسعة لمقاطعته، لكن دون جدوى، وصارت معه جميع الاستفتاءات الشعبية المغربية لا تعكس الإرادة الشعبية حيت يرى النظام المغربي أن الشعب ليس مؤهلا ، و كان رد فعل المرحوم بوعبيد أن كان الأمر كما يقول النظام فيجب تمكينه من الممارسة و التجربة.


وهكذا فقد ساد التزوير من طرف الإدارة منذ سنوات إلى أن حل محله استعمال المال، وانطوت النخبة السياسية و الطبقة المثقفة على نفسيهما وأصبح المنتخبون أكثرهم أميين ذوي المال يتبوؤن مواقع في مختلف المؤسسات الدستورية وعلى رأسها التشريعية.. واستمرت الوضعية في البلاد وتخلفها على عدة مواعيد مع التاريخ وأصبحت معه القوى الضاغطة بقوة نفوذها و مصالحها وتعمد إلى إجهاض كل تجربة تسعى إلى رقي البلاد وتقدمه حفاظا على مصالحها . لذلك أصبح المغاربة يفقدون الثقة في العمل السياسي وعدم المصداقية والثقة في المؤسسات الدستورية شيئا فشيئا وأدى بهم الأمر إلى العزوف على الانخراط في العمل السياسي والعزوف على التصويت والذهاب إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم على الأقل، ولا يلج لها إلا من باع صوته بأبخس ثمن . وهذا الوضع الذي ألت إليه السياسة في البلاد هو ما أبدى في شأنه المرحوم بوعبيد تخوفه، وهذه السياسة اللاأخلاقية هي التي يعارضها و حزبه، وتأكد صحة قوله رحمه الله، السياسة أخلاق، وهو ما عبر عنه المرحوم الشاعر المصري أحمد شوقي، إنما الأمم الأخلاق ما بقيت و إن هي ذهبت أخلاقهم ذهبوا . وهكذا فالمغرب يعيش في وضعية أخرى أصبحت فيه الحكومة سجينة اختياراتها و لم يعد بإمكانها الرجوع عنها و تمادت في غيها بعيدة عن المرجعية الدينية التي كانت تدعيها، وجاءت أقوالها ووعودها مخالفة لما كانت تتوعد، وهو ما اعتبره الله مقتا بقوله (يأيها الذين امنوا كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. ) بهذا فإن غياب المرحوم بوعبيد وكل سياسي من طينته والرعيل الذي سار على نهجه الذين لم يبق منهم إلا قليل لم يكن خسارة للحزب فقط، بل خسارة للمغرب لأنه مؤسسة لوحده كرس حياته من أجل مصلحة البلاد وهو في المعارضة يتحلى بالحكمة وبعد النظر والجرأة في اتخاذ القرار و لم ينل منه الاعتقال والإغراء بالمنصب والجاه شيئا، وبقي متمسكا بمواقفه ومبادئه إلى أن انتقل إلى جوار ربه. والكل يشهد له بخصاله الحميدة وعلى رأسه الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، لذلك سمي بالملك المعارض. وهكذا فإن الأخلاق لا تنحصر في السياسة فقط، بل يجب أن تكون في جميع الأمور وفي الأقوال و الأفعال، ذلك أن الأخلاق أساس في قيام الحضارة الإنسانية، وهو من وصايا النبي “ص” و الذي يتصف بكمال الأخلاق فيها صلاح الفرد واستقامة نظام المجتمع وهو معاملة الناس بالخلق الحسن و معاملتهم بما يجب أن يعاملوا به في الخير حتى يصبح المسلم أليفا يحب الناس ويحبونه ويكرمهم و يكرمونه ويحسن القيام بواجبه راضيا مطمئنا و تستقيم وتسود القيم وتقوم الحضارة والتقدم هنا ما قاله المرحوم بوعبيد في أخر لقاء به في اجتماع اللجنة المركزية بمقر الحزب بأكدال، وقد ألقى كلمة بصوت خافت و مقتضبة جاء فيها ” إن ما أسديناه ليس هو الكمال، لكنه نابع من أعماق القلب نقي خدمة للوطن ، خدمة للتاريخ وخدمة للديمقراطية الخ.
هذا، والأخلاق هي قيمة على حياة الفرد كانت لها منزلة رفيعة في الإسلام و أولاها عناية فائقة وحسبنا دليل على ذلك كثرة الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية الواردة في الحث على الأخذ بمكارم الأخلاق وبيان فضل الملتزم بها و المتصف بها ولمكانتها فقد أثنى الله سبحانه على رسوله بقوله في الآية 4 في سورة القلم :(و إنك لعلى خلق عظيم) وقوله سبحانه في شأن الأخلاق الحسنة في الآية 199 من سورة الأعراف ( خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين) تم قوله في الآية 34 من سورة فصلت ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم ). أما بالنسبة للأحاديث لقد جاء عن النبي “ص” الحديث الذي رواه ابن حيان في صححيه ( ألا أخبركم بأحسنكم إلى الله و أقربكم مني مجلسا يوم القيامة قالوا بلى قال: “أحسنكم خلقا ” وما رواه عنه أيضا أحمد وأبو داوود ( أخيركم أحسنكم خلقا ) ثم قوله “ص” (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنكم خلقا ) و أما ما ورواه البخاري في الأدب و الحاكم والبيهقي عن النبي “ص” (إنما بعدت لأتتم مكارم الأخلاق) وفيما يخص اكتساب الخلق الحسن فقد جاء في رواية عن معاذ رضي الله عنه و رواه الحاكم و غيره بألفاظ مختلفة انه قال 🙁 حسن خلق مع الناس ) و في لفظ ( ولتحسن خلقك ما استطعت ) وهذا يتحقق اكتساب الخلق الحسن بأمور أولها الاقتداء بالرسول “ص” في حسن خلقه حيث أمرنا الله عز وجل بذلك بقوله ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) آية 81 من سورة الأحزاب .


ويبدو مما سبق ذكره أن الدين الإسلامي الحنيف يدعو إلى التحلي بالأخلاق الحسنة استنادا إلى الكتاب والسنة، كما أشار إليها أغلبية العلماء والأئمة، حيث جاء عنهم أن من مكارم الأخلاق ومن حسن الخلق من صلة الرحم، العفو، الصفح والسخاء الخ. وكذلك الحلم والعلم والتواضع و التردد إلى الناس وعدم سوء الضن بهم و كف الأذى عنهم، وجاء عن مسلم قول الرسول “ص” ( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)، وعن مسلم أيضا و البخاري (فليمسك عن الشر فإنه له صدقة). ويستفاد من الحديث أن من كمال الإنسان وصفات المتقين حسن الخلق والمجاملة في المعاملة والمعاشرة، ومن كمال التقوى كره أهل المعاصي والبعد من مجالستهم ومخالطتهم إذا لم يأتمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر. وهكذا تجدر الإشارة إلى أن قوة الإسلام وحقوق المسلم لا بد من سرد حديث ورد في الكتاب الوافي المتعلق بشرح أربعينيات النووي وهو الخامس والثلاثون و الذي جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله”ص” ( لا تحاسدوا ولا تنابشوا ولا تباغضوا و لا تدابروا ولا يظلم يعظكم بعضا وكونوا عباد الله مخلصين و المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يكذبه و لا يحقره، التقوى هاهنا و يشير “ص” إلى صدره ثلاث مرات بحسب ماروي من أكثر أن لا يحتقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ) رواه مسلم ، وعن هذا الحديث يقول أبي حجر الهيتمي، هو حديث كثير، مشيرا إلى جل المبادئ و المقاصد، بل يكتمل معناه و فهم مغزاه أوانه بجميع أحكام الإسلام منطوقا و مفهوما و مشتمل على جميع الآداب أيضا إيماء و تحقيقا . أما بالنسبة للإمام أبو حامد الغزالي فقد تناول مسالة الأخلاق بإسهاب حيثت تناولها في الجزء الثالث من كتابه إحياء علوم الدين لا يتسع المجال للإشارة إليه ضمن هذا المقال، إلا أن الصابوني في تفسيره للآية المشار إليها ( وإنك لعلى خلق عظيم ) المجلد الثالث صفوة التفاسير انك يا محمد لعلى أدب رفيع جم وخلق فاضل كريم فقد جمع فه الله الفضائل والكمالات وقد كان من خلقه “ص” العلم والحلم وشدة الحياء وكثرة العبادة والسخاء والصبر والشكر والتواضع والزهد والرحمة وحسن المعاشرة والأدب إلى غير ذلك من الأخلاق العالية والأخلاق المرضية .


والواضح من هذه الصفات أنها لن يوتى بأغلبها أو قل ما يأتي بها أحد إلا قلة من العالمين على وجه الأرض اللهم ما كان للرسول “ص” (الله اعلم حيت يجعل رسالته).