كان عبد الرحيم يحيل دوما على الشهيد المهدي، في ما يتعلق بتحديد طبيعة علاقاته هو نفسه مع الآخرين، ولا يقارن ، في كثير الأحيان ، بينه وبين غير المهدي في المواقف والقرارات ، وذلك منذ بداية الزمن السياسي الوطني ، كما حدث في العلاقة مع الزعيم علال الفاسي، والفرق بينهما كان يزول في غالب الأحيان في أمهات القضايا .
ومعه، يسجل الفقيد عبد الرحيم تاريخه الديبلوماسي لفائدة البلاد فقد ورد في حوليات الحركة الوطنية من أجل الاستقلال أن عبد الرحيم والمهدي عملا معا من أجل إعداد تقرير في 1946 و1948 حول الوضع في المغرب حيث سافرا إلى باريس .. وكان الرفيقان معا من عمل على تقديم التقرير الخاص بأوضاع المغرب الثائر إلى الوفود العربية وغيرها التي ستحضر الجمعية العامة للأمم المتحدة. في ذلك التاريخ، وعلى ذكر الحركة الاستقلالية، لا نعرف رأي المهدي سوى مما قاله الفقيد بوعبيد في خصوص الشخصيات الاستقلالية الرئيسية.
ففي العلاقة مع السي علال روى عبد الرحيم بوعبيد عن واقعة غير معروفة كثيرا عن يوم عودة محمد الخامس وما كان مطلوبا من قيادة حزب الاستقلال، اللجنة التنفيذية. وقال الفقيد الكبير أنه «ليلة 16 نونبر 1955 ، أي ليلة عودة الملك المغفور له محمد الخامس من المنفى تم الاتصال بأحمد بلافريج، الأمين العام للحزب وبعلال الفاسي، من أجل اجتماع استثنائي للجنة التنفيذية بمدريد، وتم تحديد موعد اللقاء يوم 17 نونبر 1955 ». وأضاف عبد الرحيم في وصف الأجواء، « كان الحاج عمر بن عبد الجليل منشغل البال، وأسر لي بأن هذا الاجتماع بالرغم من أهميته يكدره ويقلقه أيما قلق، فقد كان يخشى أن يتحول إلى مأساة، لأن علال الفاسي وأحمد بلفريج كانا على جفاء، بحيث لا يكلم أحدهما الآخر منذ مدة. وكان لكل منهما طبع يناقض الآخر ويتعارض معه… » وهي حكاية يقدم الفقيد عبد الرحيم بها إحالته على المهدي بنبركة، إذ يقول« فعلال الفاسي، كما روى لي المهدي ، لم يغفر لرفاقه أنهم اختاروا، في غيابه، عندما كان في المنفى بالغابون، أحمد بلفريج أمينا عاما … فقد كان يعتقد بأن الأمر مؤامرة ضد شخصه، ومسّا بهالته ووضعه، لأن عمله النضالي لم يكن له لدى القاعدة الحزبية التجذر والاتساع الكافيان.
عند عودته من المنفى، كان يلمح إلى أن رئاسة الحزب من حقه هو، لكن بلافريج كان يعارض ذلك..، كما أن علال الفاسي، في علاقاته مع الملك في فترة إيريك لوبون، لم يكن يحظى بنفس التعامل المتميز الذي يحظى به رفاقه، والحال أن مصالح الإقامة العامة وبعض شخصيات المخزن ، كانوا يلعبون بمكر لإثارة الحذر، بل الارتياب، بحيث كان هناك خطر أن لا تبقى زعامة الحركة الوطنية حكرا على القصر. كانت هناك الكثير من التنقلات والخطب الطويلة، حيث كان البعض ينتقون منها كلمات وعبارات كانوا يعطونها تأويلات، أقل ما يقال عنها أنها مغرضة»، ويستفاد من هذا المقطع الطويل أن عبد الرحيم اعتمد فيه على رواية المهدي، دونها في مذكراته لكي تكون مصدرا تاريخيا موثوقا، كما يبين بالتدقيق الثقة التي كانت بينه وبين الشهيد في تسجيل الروايات التاريخية الوطنية .
ويضيف بوعبيد في ذات السياق، «شخصيا لم أكن أعرف علال الفاسي إلا عن طريق ما أسمعه عنه.. ولم أتعرف عليه عن قرب سوى عند الإقامة في باريز، وقد قدرت فيه ميزاته التي لا غبار عليها، ميزات المناضل ونشاطه الفياض: … أما المهدي، الذي كان يعرفه معرفة شخصية، عندما كان عمره بالكاد 16 سنة، كان يعرف الكثير عن الزعيم..
جوابا على صداقة أخرى.. أو عندما يتحدث المهدي عن اكديرة بلسان
عبد الرحيم

في الوقت ذاته، الذي تم ترسيم علاقة الصداقة والثقة بين المرحومين الحسن الثاني وأحمد رضى اكديرة، أعلن المهدي وبوعبيد رحمهما الله ، شهيدا وفقيدا، عن تصورهما الواحد والموحد كزعيمين للاتحاد الوطني.
هل هي الصدفة؟ هل هي رسائل من تحت الماء؟
في وصف عبد الرحيم تحديد الرؤيا المشتركة لهما إزاء اكديرة، الذي سيخصصان له حوارا في الحديث عن السياسة، يقول عبد الرحيم رحمه الله«..تم التفويض لولي العهد، المرحوم الحسن الثاني ، نائب رئيس المجلس الحكومي بكل سلطات رئيس المجلس، وعين أحمد رضى اكديرة، المدير العام لديوانه، وبذلك، أصبح هذا الرجل الحذق، الذكي والذي لاماضي وطني له ، مفتاح الفريق الجديد، وكان يستمد سلطته من ثقة الأمير- الرئيس، فقد كان مصنفا، من لدن قادة الحركة الوطنية، لاسيما في سنوات 1955/1950 من ضمن »الشباب الجديد« الذي تعول عليه الحماية، ذلك أنه انتمى إلى مجموعة من المثقفين في الرباط يتزعمهم محمد رشيد ملين، وهو رجل ذو ثقافة صلبة ووطني صادق، يظهر أحيانا تصلبا شديدا، كان الخصم اللدود للمهدي بن بركة، الشيء الذي يفسر نفوره من حزب الاستقلال وعداءه له. في سنة 1940، أصبح رشيد ملين مدير المطبعة الملكية، وجاء من ضمن من جاء بهم، باكديرة الذي تعرف وقتها على الأمير مولاي الحسن. في سنة 1952، وفي خضم حملة التطهير الكبيرة، تم وضعه رهن الاعتقال في ظروف ذات صعوبة خاصة، وقد عانى من جراء ذلك جسديا ونفسيا، ولم يستطع أن يسترجع عافيته، بعد هذا الامتحان، وهكذا وجد اكديرة الذي لم يكن سوى ظل له، نفسه ضمن محيط الملك، سنة 1955 بعد عودة العائلة الملكية من المنفى، ومما تشير إليه سيرته الذاتية، التي يبدو أن أصدقاءه الفرنسيين سهروا عليها بعناية فائقة، أنه كان يدافع عن الوطنيين أمام المحاكم، وهي إحالة، ظاهريا صحيحة، إذ أنه دافع عن بعض المناضلين، ولكن بطريقته الخاصة، حيث كان يطالب على وجه الخصوص بتسامح وعطف القضاة بدون أن يحاكم أبدا الحماية، أو يدافع عن قضية موكليه كما كان يفعل محامون آخرون فرنسيون بشجاعة، مجازفين بحياتهم. في دجنبر 1955، عندما تطلب الأمر تشكيل أول حكومة، في إطار الشروط المنصوص عليها في اتفاقيات »سيل سان كلود« استسلمت لإلحاح الأمير مولاي الحسن، حتى يحصل على منصب وزير دولة، باعتباره شخصا مستقلا.. قال لي الأمير ليطمئنني: »إنه صديقي، وأنا مسؤول عنه«. قيادة الحزب، من جهتها صعقت، وكنت أسمع من كل جانب »يبدو أن الانتظارية أكثر ربحا من الالتزام«. في سياق الأجواء الاحتفائية وقتها، كنت أبعد ما أكون، ربما بسذاجة، من أن اكتشف لدى هذا الرجل قدراته على الدسائس الماكرة، ولاسيما إحساسه بالغل والضغينة على قادة الحزب. خلال المفاوضات بباريس، في فبراير 1956، أفلح في ألا يثير الانتباه، فقد كان شخصا منزويا، مكلفا بالاتصال مع الصحافة، وهو الشيء الذي كان يزعج عبد الله إبراهيم في عمله، باعتباره كاتب الدولة في الأنباء، أما محمد الخامس فلطالما قابله، ربما عن حدس، بالكثير من الحيطة والحذر، وكان يسلم بحضوره، لأنه مدعوم من طرف ابنه، لكنه تسليم المرغم. بمجرد تشكيل الفريق الحكومي الجديد، اختار الملك مديرا عاما لديوانه محمد عواد، ذلك الإنسان النزيه أخلاقيا وماديا، وسرعان ما سيجد نفسه، هو المعروف بسلامة طويته ونيته النبيلة، في مواجهة، شبه يومية مع اكديرة المدير العام لديوان الأمير، وقد كان التوتر في أوجه، بين الرجلين وفي علم الجميع. وعندما توفي محمد الخامس، انتصر اكديرة بقوة الأشياء».
كيف ما كان الحال فقد تحدث عبد الرحيم والمهدي بلسان واحد، فعلا وليس مجازا في حوار لهما مع أسبوعية جون افريك، استجواب عضوي الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية مع مجلة جون افريك. في ابريل 1963 والدي أعادت «التحرير» نشره في عددها الصادر يوم 10 ابريل 1963. كشف على حقيقة ما كان يجري بالمغرب عن إثر الإعلان عن تأسيس حزب جديد، هو من طرف مجموعة من الوزراء وفي مقدمتهم المدير العام للديوان الملكي ووزير الداخلية والفلاحة أحمد رضى اكديرة، وهو حزب «الفديك».
حين قال الزعيمان
«اكديرة ليس إلا ظل مولاه»

سأل كمال جواد مندوب (جون أفريك) الأخوين المهدي وعبد الرحيم رحمهما الله… هل ترون في المجتمع السياسي الجديد خطرا كبيرا … وهل أصبح السيد اكديرة خصما لكم؟ فكان الجواب واضحا «نحن أناس جديون على رأس هيئة جدية، وغير وارد عندنا أن يكون خصمنا السياسي رجلا لا كيان له ولا يمثل أي شيء كالسيد اكديرة . فلا يجب أن نفسح المجال للغموض، إذ إن خصمنا الحقيقي هو الذي يرفض الاضطلاع بالمهمة التي هي مهمته الطبيعية أي مهمة الحكم «بفتح الكاف « حيث يتعين على الحكم أن يضع نفسه فوق الأحزاب، ولكن الذي نشاهده الآن هو أن الحكم تحول إلى رئيس كتلة من المصالح ونعني بذلك الملك .
إن اكديرة ليس إلا ظله وليس له وجود سياسي خاص إلا الوجود الذي يجعل منه المعبر الأمين عن وجهات نظر مولاه . فلو أن الملك قرر غدا الانفصال عنه، فلاشك أنه سيعود إلى ما كان عليه ، أي لاشيء. ومن السهل أن نلاحظ أن الملك عندما أراد الانفصال عن القوات الشعبية، فإن النتيجة لم تكن مثل ذلك . وقد بقيت الحركة الوطنية نشيطة حية بعد هذا الانفصال فاكديرة ليس إلا أداة لسياسة معينة ينهجها القصر.
وليست الأداة هي التي تهمنا بل تهمنا هذه السياسة المعينة .
س – وهذه السياسة ما هي في نظركما ؟
ج- إنها تبدو واضحة تقريبا وهي تقوم على متابعة العمل الذي يقوم به القصر منذ الاستقلال . أي تفتيت الحركة الوطنية إلى مجموعة أحزاب، بحيث لا يكون مواجها لخصم قوي .وإن الجبهة التي أنشئت مؤخرا تهدف بالطبع إلى جمع عدد من الرجال المرتبطين بالحكم . وهذا الجمع يمكن أن يتم إما بوعود تبذل بمنح مناصب أو ترقيات يسهل على مستغلي الحكم أن يحققوها وإما بواسطة التهديد المحض .
وبالجملة فهذا النظام الذي يدعي ، في الدستور الذي منحه لنفسه، بأنه يمنع قيام الحزب الواحد، هو في الحقيقة نظام يحاول إقامة حزبه الواحد أي حزب الإدارة والشرطة الخ …. وقد ينجح في ذلك وقد لا ينجح، لست أدري وكلما أعلم هو أنه إذا ما نجح في ذلك ، فستكون تلك بداية نظام فاشستي حقيقي …
في عز الصراع مع سلطات الحسن الثاني، كان الفقيد يتحدث الى المهدي بالرغم من المواقف الرسمية للاتحاد الوطني عن عمق تفكيره المخالف، ومن ذلك الحديث عن مؤسسات المغرب وقضية المجلس التأسيسي لوضع الدستور في المغرب وقد روى عبد لرحيم في مذكراته ما لم يكن يفاتح فيه أحدا من قيادة الاتحاد الوطني.
ومما جاء في حديثه أنهما كانا في باريس، وقد غادرا منزل الكاتب الفرنسي مورياك «و كنت – يقول عبد الرحيم- جالسا إلى جانب المهدي بن بركة الذي كان يسوق السيارة، فيما جلس المهدي العلوي في المقاعد الخلفية. استأنفنا مناقشاتنا اللا نهائية حول السبل والوسائل الكفيلة بإقرار نظام ديمقراطي. وجهة نظري كانت هي أن التوافق هو السبيل الوحيد في سياق الظرفية الداخلية المغربية. قلت: – إن الوقوف عند شرط المجلس الاستشاري المغربي، المنتخب عبر الاقتراع السري، سيكون خطأ فادحا. فليس بمقدورنا أن نفرض على ملك يحظى بشعبية، حظي بمباركة مجموع الشعب، لدى عودته من المنفى، أن يسلِّم الملكية إلى مجلس منتخب، حتى ولو انتخب ديمقراطيا … لن يسعه أبدا القبول بذلك … أجابني المهدي: ـ فات الأوان، لن يمكننا العودة إلى الوراء … وعلى كل، حاول أن تحدث المحجوب والاتحاد المغربي للشغل في الأمر … – ما فات أوانه هو أن نريد إعادة صناعة التاريخ من جديد. فعندما تضيع الفرصة، يكون من غير المجدي السعي لاستعادتها … سيكون ذلك بالضبط سقوط في فخ التاريخ … أية إيديولوجيا. أي رؤية كانت لدى المقاومين والنقابيين وحزب الاستقلال … إلخ في السنوات من 1952 إلى 1955. لاشيء، فالشعار الوحيد كان هو عودة محمد الخامس، وحتى الاستقلال الوطني وضع في المرتبة من بعد … لا أعتقد في الوقت الراهن، يجب أن نأخذ من جديد بفكرة الغرفة الدستورية. يمكننا أن نتفاوض بخصوص تشكيلتها وسلطاتها، لكن تبدو لي تسوية من شأنها أن تخرجنا من المأزق … بيد أن مواصلة النضال من أجل مجلس تأسيسي، مع ترك المشاكل الأساسية للاقتصاد والقضايا الاجتماعية والثقافية جانبا، دون الحديث عن القواعد الأجنبية أو سياسة اللا ـ تبعية … يكون المجلس التأسيسي بلوكاج (انحسارا) .. فشئنا أم أبينا ذلك، فإن السلطة بين يدي الملكية … هل تعتقد أن الاتحاد المغربي للشغل وقادته قادرون على تعبئة وتحريك الطبقة العاملة من أجل المجلس التأسيسي. أبدا، إن تفكيرهم هو ترك الوضع يتأزم، ومن هذا التأزيم سيولد النور ويأتي يوم الثورة الأغر! إنه الفراغ، اللاشيء!. ظل المهدي صامتا. والمهدي الآخر، التزم بدوره الصمت متجنبا التدخل بالأحرى. – يا مهدي، ذلك المجلس الاستشاري الذي ترأسته قرابة سنتين … ها هو، بالرغم من كل ذلك، حرّك الحياة العامة ونشطها… فقد نوقش المخطط فيه، كما تم ضمنه وداخله تفسير وتوضيح اختيارات والتصويت على توصيات حول مشاكل وطنية مهمة .. ومع ذلك تعرض للانتقادات واعتبر هيأة وهمية … والنتيجة في عمومها كانت إيجابية. ولعل مجلسا يتم هذه المرة انتخابه في إطار دستور مهيأ باتفاق مع الملك، يمكن أن يكون له دور بمثل نفس الأهمية أو أكثر .. وعليه، فأعتقد أنه يمكن أن يشكل إطارا ديمقراطيا، حتى ولو لم تكن ديمقراطيته كاملة، للشروع في النضال من أجل التنمية. وأخيرا، (قلت)، إن أسوأ وضع يمكنه أن يحدث هو رحيل أو إبعاد محمد الخامس. لم أدرك ما هو السبب الذي دفعني إلى التعبير عن هذا الإحساس (الحدس)، والحال أنني كنت في باريس، طيلة أيام عديدة، ولم أكن أعرف أن محمد الخامس سيخضع لعملية جراحية في اليوم ذاته. واصلنا طريقنا باتجاه باريس، وحوالي الساعة الخامسة والنصف أو السادسة مساء، أدار المهدي زر المذياع للاستماع إلى آخر الأخبار، وكان أول خبر يبث هو وفاة محمد الخامس، جراء عملية بسيطة، أجريت له في بداية زوال ذلك اليوم. خيم علينا الصمت وتَسَمّرنا في أماكننا، ثم سألني المهدي بن بركة: – هل كنت على علم بأنه سيجري عملية جراحية، اليوم؟ أجبته: ـ كلا!.. وبدأت صفحة جديدة في تاريخ بلادنا».
وقبل بداية الصفحة السوداء،
كان عبد الرحيم قد سافر إلى باريز لكي يلتقي بالمهدي.
1964 توجه إلى فرنسا للقاء المهدي بن بركة وباقي قيادة الاتحاد الوطني، وسيتولى اليوسفي في غيابه قيادة الاتحاد الوطني والفريق النيابي الذي سيشتهر بملتمس الرقابة التاريخي.
ولعل من سطور تلك الصفحة القاسية ، كانت كلمات اختطاف المهدي الأكثر سوداوية، وكيف عاش عبد الرحيم فراقه مع صديقه يا تري ؟
في اللحظات القليلة التي نعرفها عن حزنه العميق، سيتحدث بعد سنة من الوفاة إلى أندري أزولاي..
أزولاي يسأل بوعبيد عن المهدي

المهدي بعد رحيله سيظل الصديق الذي لا يمكن نسيانه ولا الرفيق الذي يمكن العيش بدونه، وإن كانت الحياة تمشي ولا شك كما ألفت. ففي استجواب نادر، لم يقع نشره، أجرته يومية Maroc-Informations، سنة 1966، وقبل نشره بأسابيع تعرضت الجريدة للمنع، ولم يكتب للاستجواب أن يرى النور، إلى أن قرر أحمد بنكيران، مدير الجريدة في ذلك الوقت ووزير التجارة والصناعة في حكومة أحمد بلافريج والمستشار بديوان عبد الرحيم بوعبيد و»مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد ذلك، وهو الاستجواب/ الوثيقة، الذي أجراه أندري أزولاي، مستشار الملك حاليا والذي كان وقتها رئيسا لتحرير الجريدة المذكورة، رفقة الصحافي الفرنسي «كينيل»، تحت إشراف أحمد بنكيران مدير «ماروك أنفورماسيون».
وفيه ربط عبد الرحيم ربطا لا تجاوز له بين الدخول إلى الحكومة و كشف حقيقة اختطاف المهدي بن بركة.
سأل أزولاي الفقيد بوعبيد السؤال التالي:«هل يمكن للاتحاد الوطني للقوات الشعبية أن يتحاور مع القصر؟ وهل تعتقد بأن حزبكم لوحده قادر على تحمل مسؤولية الجهاز التنفيذي؟ وإذا كان جوابكم نعم، ففي أي ظروف؟
فجاء جواب بوعبيد كالتالي :«خلال الحوار الذي دخلنا فيه مع الملك طيلة السنة الماضية، لم نخف جاهزيتنا لتسلم السلطة، وذلك على أساس برنامج محدد للوصول إلى تصور متماسك ومنسجم للعمل الحكومي. إلا أن هذا الحوار لم يكن مرضيا بالنسبة إلينا.
وعن جاهزيتنا اليوم، أقول إننا، نظريا، لازلنا على نفس القدر من الاستعداد. وتبقى أهم مسألة بالنسبة إلينا دائما هي تحديد الظروف التي سيكون علينا تسلم السلطة فيها. إلا أنه سيكون من الأسهل والمنطقي أيضا أن يتم أخذ هذه المسألة بعين الاعتبار بعد الانتخابات. فلطالما انتقدنا المنهجية القائمة على تعيين حزب غير تمثيلي. وبالتالي، سيكون من الصعب علينا أن  نتقبل هذا الأمر  بنفس الطريقة. نعم، نسعى إلى تسلم السلطة، ولكن من خلال انتخابات حرة ومراقبة، نحصل على إثرها على ثقة الشعب. وإذا لم تتمخض عن هذه المشاورات أغلبية، نتوقع عقد مشاورات بين الأحزاب لتشكيل كتلة حكومية.
لابد من تشييد مؤسسات جديدة بعد مراجعة للدستور والقيام بانتخابات حرة. وفي انتظار ذلك، من الممكن إنشاء فريق يتولى مهمة التدبير تحت ظل برنامج محدد ومقيد. ويجب أن تكون هذه الفترة قصيرة ما أمكن حتى نتمكن من الانتقال في أسرع وقت إلى مرحلة الاستقرار.
ومع ذلك، هناك شرط أساسي، حتى في هذه المرحلة الانتقالية. ويتجلى هذا الشرط في توضيح قضية الأخ بن بركة الذي تم اختطافه في ظروف غامضة.  لقد أشار بعض من أعضاء الحكومة، خصوصا المدير العام للديوان الملكي، إلى ضرورة الكشف والتوصل إلى الحقيقة. وليس لدينا أية أهداف أو رغبات أخرى. ونعاتب الحكومة على تقصيرها في هذا الملف، فهي لم تتخذ أي إجراء لدى الحكومة الفرنسية بشأن واحد من مواطنيها اختفى في ظروف غامضة ودرامية من على التراب الفرنسي. وكان على الحكومة المغربية أن تبادر إلى فتح ملابسات هذا الملف، إلا أنها لم تفعل شيئا. لكن عندما يختفى عامل مغربي يسارع السفير المغربي إلى فك ملابسات اختفائه.
وبعيدا عن هذا كله، توجه أصابع الاتهام إلى بعض من المسؤولين الكبار ووزارة الداخلية وبالتحديد الجنرال أوفقير. ومن خلال التحقيق الذي كشف عنه القاضي، يمكن تأكيد هروب المذنبين من التراب الفرنسي، ودخولهم بعد ذلك إلى المغرب. بوشسيش، لوني، ودوباي لم يسلموا إلى العدالة الفرنسية. وأكدت زوجة بوشسيش عند إدلائها بأقوالها أمام القاضي أنها زارت المغرب في 31 من أكتوبر، وأن زوجها وافاها إلى هناك في الثاني من نونبر. لماذا لم توقف الحكومة المغربية هؤلاء المجرمين؟ ويقال اليوم إنهم غادروا المغرب ومن غير أن تعلم الشرطة المغربية بوجهتهم، وإلى أين شدوا رحالهم.
شئنا أم أبينا، لابد لنا من التطرق لهذه الفرضية. نحن لسنا مجانين ولا ننطلق من منطق متعصب ونتهم هذا وذاك. لكن إذا كان هؤلاء الناس أبرياء مما نسب إليهم، فليثبتوا براءتهم. فهذه هي الطريقة الوحيدة التي من شأنها أن تظهر الحقيقة».

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

13 دجنبر 2014