موقع ” الاوان  “

الأحد 14 كانون الأول (ديسمبر) 2014

بداية سيبدو لنا التذكير بأنّ الدولة الدينيّة – هذا إذا لم يكن مُصطلح الدولتية هذا فضفاضاً وغير دقيق في وسم تلك الكيانات – كانت سابقة على الفكر القوميّ من نافل القول، ناهيك – من ثمّ – عن الدولة الوطنيّة! هذا حال الامبراطوريّة الرومانيّة الوثنيّة -قبل أن يُؤمن الامبراطور قسطنطين وأمه هيلانة المسيحيّة، فيتقدّسا تحت اسم قسطنطين الكبير وسانت “القديسة” هيلانة -والرومانيّة المسيحيّة بعدهما، أو حال الامبراطورية الإسلاميّة، ولهذا – وبالتأسيس على الدينيّ – لم تجد الشعوب التي خضعت للأخيرة غضاضة في الانتقالإلى الإسلام، على ألاّ يُفهم من كلامنا أنّ تلك الشعوب فقدت هُويّتها تماماً، بل أنّ العربيّة انتشرت خارج حدودها الجغرافيّة على قاعدة القداسة، باعتبارها لغة القرآن الكريم، من غير أن نُنكر حيويّة هذه الامبراطوريّة، وقدرتها على تمثل الثقافات المُختلفة، بعد أن بادرت الشعوب الأخرى – إلى جانب العرب المسلمين – بترجمة ثقافاتها إلى العربية، الفارسيّةمثالاً -أو أن نغضّ النظر عن إسهام القساوسة السريانفي ترجمة الفلسفة اليونانيّة -ومن ثمّ – هضمها، فإعادة إنتاجها في ثقافة أصيلة، أو أن ننسى دور اليهود – لاحقاً – في تصدير الفلسفة العربيّة الإسلامية إلى أوروبا في تثاقف مُتبادل! وبالتأكيد سيكون علينا أن ننسى المنشأ الصحراويّ لهذه الدولة، إذ أنّ مكة – كما نعلم – تقع في وادٍ غير ذي زرع، غبّ أن استقرّتالقبائل – التي رافقت التوسع الإسلامي – في الحواضر، فتشذبت طباعها بتغير بيئتها، ناهيك عن التطور الذي ساسها تاريخياً!

 هذا التوصيف لا يشمل الإسلام – فقط – أو المسيحيّة، بل يشمل الديانات الوثنيّة أيضاً، فإذا استشهدنا بمكة قبل الإسلام، عادت إلى الذاكرةِ الجمعيّةِالمقروءةِالصورة التقليديّة للجاهليّة، هذا إذا تجاهلنا الغبن الذي حاق بها لمصلحة الإسلام، لتستعيد – أي الذاكرة – البيت الحرام كموطن لأوثان القبائل العربيّة، تلك التي كانت تحجّ إلى مكة، لكنّ أهميّتهالن تقتصر على الجانب الدينيّ فقط، ذلك أنّها – أي هذه الأهميّة – لم تكُ بعيدة عن الاقتصاديّ، في تجليه السياسيّ، إذ – وإلى الشمال من شبه جزيرة العرب -كان ثمة امبراطوريتان، الرومانية في الشمال الغربي، والفارسية في الشمال الشرقي،أمّا العلاقة بينهما فكانت تحتكم إلى حروب دائمة أو تكاد، ما قطع السبيل على طريق التجارة العالمي البريّ، تلك التي عُرفت بطريق الحرير، لتلعب مكة هذه دور الوسيط أو البديل، بسبب موقعها بين اليمن السعيد وبلاد الشام، وذلك باعتماد الطريق البحري عبرالمحيط الهندي، للوصول إلى الشرق الأقصى حيث حرير الصين وخزفه أو ذهبه، ناهيك عن توابل الهند، ، أو إلى أوروبا للتحصّل على المنسوجات الصوفيّة، أليست تلك رحلة الشتاء والصيف التي جاء عليها القرآن الكريم، وهي تحتكم في توقيتها إلى عامل مناخي، فاليمن مدارية موسمية تمطر صيفاً، لذلك قصدها القرشيون شتاءً، أمّا بلاد الشام فهي ذات مناخ متوسطيّ مُمطر شتاءً، ولذلك توجّهوا إليها صيفاً! ؟لهذين السببين – الدينيّ والاقتصاديّ – بدأت لهجة قريش تتسيّد على باقي لهجات العرب، ثمّ جاء القرآن الكريم بهذه اللهجة ليتمم تلك السيادة، ويفرضها – مع دخول شعوب مختلفة إلى الإسلام – على العالم الإسلامي، ربّما لأنّ ظل القداسة انسحب على هذه اللهجة، التي أضحت لغة التواصل، ثمّ انسحب علىتأريخ الدولة الإسلامية أيضاً، كما سنُفصل لاحقاًعلى نحو مُتأن!

على هذا سنتذكّر بأنّ الوقائع رشحت تحاصصاً بين بطون قريش، تقاسمت بموجبه السلطة في ما بينها، فانعقد لواء الحرب لبني مخزوم، فيما وضع بنو هاشم يدهم على رفادة “إطعام” وسقاية الحجيج في الأشهر الحرم، حين تتوقف الغزوات والحروب بين القبائل في هدنة مُتفق عليها لهذه الغاية، أولئك الحجيج الذين كانوا يتوافدون من مُختلف أنحاء شبه الجزيرة العربيّة، فيما كانت الزعامة الاقتصادية – التجارة بخاصة -معقودة لبني أميّة، فهل كانت دار الندوة – على نحو ما -كياناً يتشبّه ببرلمان إن اعتمدنا لغة اليوم في توصيفها! ؟ وهل كان نظام مكة شبه جمهوريّ كما يرى غير دارس!؟ حيثما توضعت الإجابة، إلاّ أنّ سؤالاً ملحاحاًسيظلّ يبحث عن إجابة غير مُتاحة ربّما، أنْ لِِمَ لمْ تلتقط طبقة التجار طبيعة الدعوة الإسلاميّة، التي ستحقق الوحدة لشبه جزيرة العرب ما سيصبّ في مصلحتها، فناصبتها عداءً طالت أتباعها بالتعذيب – حتى الموت أحياناً – ناهيك عن التجويع أو الحصار!؟

وإذا عرجنا – عرضاً – على السلسلة الثقافيّة العربيّة التقليديّة، التي تشكلت من الشعر أساساً، لوجدنا بأنّه الجنسالوحيد الذي تواتر بلا قطع منذ ما يُقارب المئة وخمسين سنة قبل الإسلام حتى يومنا هذا، ربّما لأنّ تناقله تمّ شفاهاً، أو لطبيعة وقعه في الأذن تأسيساً على وزنه! أمّا باقي حلقات تلك السلسلة فلقد انكسرت ثمّ غابت لأكثر من سبب، إذ أقصي الرسم والتشخيص بسبب النظرة الإسلاميّة المُرتابة إليهما، لكن الملاحم لم تتلاشمُباشرة، وإنّما تعرضت لتحوير حتى تتلاءم مع نظرة الإسلام إلى الفنون والآداب، ذلك أنّنا إذا وقفنا بفنّ السير مثلاً، وبالتحديد بسيرة الأمير اليماني سيف بن ذي يزن، لوجدنا عناصر الأسطرة بالغة الوضوح فيها، بيد أنّها – على تلوّنها – توارت في ما بعد، إذ ليس ثمّة سير بعد تغريبة بني هلال جهات تونس على سبيل التمثيل! غابت سيرة الزير سالم – إذاً – أو سيرة عنترة بن شداد أو سيرة بني هلال، هذا حالنا مع النثر الفنيّ في نماذجه الرفيعة، تلك التي جاءت على لسان الجاحظ أو أبي حيان التوحيديّ أو ابن المُقفع، أو مع الحكاية – مقامات الهمذانيّ والحريريّ نموذجاً- وقد يكون تجليها الأبرز في درة النثر العربيّ “ألف ليلة وليلة”، من غير أن يفترق الحال عنه في فنّ الخطابة أو التراسل – الوزير عبد الحميد الكاتب مثالاً- أو في أدب الرحلات – ابن بطوطة أنموذجاً -ثمّ ماذا عن الفكر الفلسفي العربي الإسلامي الذي ابتدأ بأبي يعقوب الكندي- الذي قضى سني عمره في المُواءمة بين الفلسفة والدين، ربّما لأنّه كان نصرانياً – ليتتوّج بابن رشد ، ولينتهي بالملا صدر الدين الشيرازي – صاحب نظريّة الأعراض في الجوهر – الذي عاش في كنف الدولة الصفوية، باعتباره آخر الفلاسفة المسلمين،مروراً بالفارابي أوابن سينا مثلاً، على هذا قد نتساءل أين امتداد علم الكلام – واصل بن عطاء – أو آثار المُعتزلة – الخليفة المأمون – أو المُتصوّفة -إذا استثنينا شعرائهم كالنفري أو ابن عربي أو السهرورديّ الشهيد ـ القدريّة – صفوان بن الجهم -أوالجبريّة – أبي حامد الغزالي – أو اخوان الصفا، نقول أين هذا الماضي من حاضر مُملق في غير وجه، سنأتي عليه لاحقاً!؟

لقد تراجع دور العرب المُسلمين بعد الثلث الأول من الدولة العباسيّة، فانقسمت على حالها، وانفصل عنها غير صقع – الأدراسة في المغرب مثلاً، أوالفاطميون في مصر، أو الحمدانيون في حلب، والزنكيون في الموصل ودمشق … إلخ – لينتهي بهم الأمر إلى الخضوع للاستعمار العثمانيّ مدة أربعة قرون! تبدأ بعام 1516 – معركة مرج دابق قرب حلب – وتنتهي بالثورة العربيّة الكبرى 1916، مروراً بغزو المغول – التتار – فالفرنجة! ثمّ ها هُمُ في الخواتيم يخضعون للاستعمار الأوروبيّ – فرنسا وانكلترة وإيطاليا وأسبانيا -لتستقل بلدانهم في أعقاب الحرب الكونيّة الثانية!

 كانت الأندلس قد تحرّرت غبّ اتحاد ملوك قشتالة – إيزابيلا وفرديناند – ضدّ الدولة الأمويّة فيها عام اثنين وتسعين وأربعمائة وألف، وللمُصادفة الدالة – ربّما – فلقد رُحّل بنو الأحمر – آخر ملوك العرب في الأندلس – غرناطة في العام ذاته الذي اكتشف فيه كريستوف كولومبس القارة الأمريكيّة!
 انتهت العصور الوسطى على تراجع غير مسبوق للعرب المُسلمين إذاً، وإذ انكسرت السلسلة الثقافيّة العربيّة عدا الشعر، تواترت إلينا أجناس جديدة من الغرب المُستعمر، مُتمثلة في القصة القصيرة الفنيّةوالرواية والمسرح!

 في القصة تباكى الكثيرون – في نفاج ليس له مُبرّر – مُطلقين صرختهم المعروفة أن هذه بضاعتنا رُدّت إلينا! لقد عبرت – بحسبهم – المُؤثرات العربيّة الإسلاميّة إلى أوروبا العصر الوسيط عبر آسيا الصغرى وصقلية والأندلس، لكنّنا – وبغض النظر عن الموافقة على ما تقدّمَ أو تفنيده – مُكرَهون على الإقرار بأنّ القصة القصيرة التي وصلتنا كانت قد قطعت حبل السرّة مع الحكاية تماماً، ما أشكل – معه – علينا نسبنا، فهل نحن أبناء شرعيون لنثر الجاحظ والتوحيديّ وابن المُقفعمثلاً، أم أنّنا أبناء شرعيون – أو غير شرعيين – لغي دو موباسان وأنطوان تشيخوف وفرانز كافكا!؟

هذا في ما يخصّ القصة، لكنّنا لن نقع على نماذج تتشبه بالروايّة في النثر العربيّ، حتى نطلق ادّعاء مُماثلاً لما جئنا عليه في القصّ، إنّ الرواية هي الابنة الشرعيّة للملحمة بحسب جورج لوكاكش في كتابه المعروف “نظريّة الرواية”، وهي إنجاز الطبقة البورجوازيّة المدينيّة الناهضة في أوروبا – “دون كيخوته” للأسبانيّ ثرفانتس، مثالاً-إذ يُجمع أغلب الدارسين على أنّها مُبتدأ الرواية! ويظلّ السؤال أن لماذا لم تنجز المنطقة روايتها بالاتكاء على ملاحمها الكثيرات – جلجامش – مثالاً، وما علاقة احتجاب الرواية بطبيعة الدور الذي لعبته البورجوازية المحليّة! ؟ ألأنّها كانت بورجوازيّة طفيليّة – بل وكولونياليّة – عجزت عن القيام بهكذا إنجاز! ؟
 أمّا في ما يخصّ المسرح فلا نظنّنا نحوز مسرحاً مُتوارثاُ، على الرغم من أنّنا ورثنا أصقاع شاسعة عن الرومان، شملت ساحل بلاد الشام وشمالي أفريقيّة! كان الرومان قد عرفوا مسرحاً ناجزاً ورثوا تقاليده عن الإغريق، ثمّ أنّ آثار مسارحهم تشهد على عراقة مسرحهم ماتزال كما في بصرى الشام! وها هُمُ الدارسون يتلمّسون – غير بعيد عن الإحساس بالدونيّة – عناصر مسرحيّة في التراث العربيّ الإسلاميّ، ليقف أدونيس بعاشوراء كعنصر يتشبّه بالمسرح، وليقف الـ : د . علي عقلة عرسان بـ “الظواهر المسرحيّة عند العرب”، فيما تذكّر آخرون مسرحاً قديماً ينتسب إلى حضارات ميزوبوتاميا القديمة كانت المنازل مسرحاً لها!

 ولكم ماذا تقولون في السياسة! ؟ سيطالعنا السؤال حاداً وجارحاً .. حسناً، لقد انقسم المسلمون إلى مُناصرين لمُعاوية بن سفيان، ومُشايعين لعلي ابن أبي طالب، فهل كنا بصدد حالات جنينية لأحزاب سيادينيّة – سياسيّة دينيّة – لا سيما إذا أغنينا اللوحة بالخوارج!؟

 إنّ دولة كتب لها أن تمتدّ من حدود الصين في الشرق إلى الأندلس في الغرب، ستتموّر بتيارات فكريّة عديدة من كلّ بدّ، ناهيك عن مصالح مُتباينة، على ألاّ يُفهم ممّا سلف بأنّنا نربط تلك التيارات بالاقتصاد فقط، ما قد يُحيلنا إلى انعكاس مقيت، وصل بها غبر باحث ماركسيّ البنية الفوقية بالبنية التحتيّة، مع ما تحمله المُفردة من ميكانيكيّة أحاديّة الرؤية! على ألاّ يذهب القارىء -بالمُقابل – جهات إنكارنا لأهميّة الاقتصاديّ في مُرتسماته على البنى الأخرى! ولكن ألسنا نقرأ تيارات سادت وما تزال – السنة والشيعة أو القرامطة مثالاً – في ضوء حاضر طالته صيرورة التطوّر، فاختلف في المعنى والمبنى! ؟ ألم يأتِ الحديث على اثنين وسبعين رهطاً على لسان الرسول!؟ هي ليست أحزاباً سياسيّة بحسابات اليوم، ولكن السؤال يظل مشروعاً أن أين تصنّف إذاك!؟
 إنّ حضارات العصر القديم – التي انتهت بسقوط روما بين أيدي قبائل الهون الجرمانيّة – نشأت في معرض انتقال التشكيلات الاجتماعيّة السابقة على الحياة المُستقرّة إلى الزراعة، إي إلى الاستقرار القرويّ بداية، إذ انتقل الإنسان من حياة التنقل إلى الحياة المُستقرة، وظهرت الملكيّة الخاصة، فالزواج الثنائيّ، ناهيك عن تقسيم العمل! هي حضارات قامت على الزراعةأساساً – إذاً – في قوس المناخ المُعتدل، المُمتدّ من أقصى الصين في الشرق – حيث نهري الهوانغ هو أو اليانغ تسي، فالسهول المدارية في جنوبها الشرقيّ – إلى هضبة المكسيك في الغرب، مروراً بوادي الغانج وهضبة الدكن في الهند، ووادي السند في باكستان، وهضبة إيران، فبلاد ما بين النهرين – ميزوبوتاميا -وساحل بلاد الشام، فشمال إفريقيّة، لا سيما بعد أتيح للإنسان أن يكتشف النار، بشكل نقله من استعمال الأدوات الحجريّة إلى عصر المعادن – البرونز مثالاً – ومن الظلمة ليلاً إلى النور لإبعاد الضواري ربّما، ومن الطعام النيء إلى الطعام المطبوخ !

وإذ ولج العالم العصر الوسيط لم يلجه على تواز أو تساو، ذلك أنّ الدولة الإسلاميّة تشكلت، ثمّ عاشت أزهى أطوارها في هذا العصر، في حين عاشت أوروبا انكفاءها وظلاميّتها، غير أنّها – وعلى أعتاب العصور الحديثة – راحت تسير إلى الأمام بخطى حثيثة، فاكتشفت العالم الجديد – الأمريكيّتين وأوقيانوسيا – لتتحصّل على ثروة طائلة، هذا إذا تجاهلنا أحكام القيمة الأخلاقيّ عن إبادة مُمنهجة ضدّ الهنود الحمر أو الاسكيمو ارتكبها البيض “المُتحضّرون”!
 ومع عمليّة النهوض هذه أنشأت القارة العجوز تتقدّم في نسق مُتكامل، طال الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة، إذ نفصلها-أي السياسة – عن الثقافيّ للخصوصيّة!
 على هذا ستعيش مُجتمعاتها فلسفة الأنوار على يد غير فيلسوف – كانط وروسو ولوك وهوبز مثالاً – فتتجلى اللبرلة في توكيد الذات الفرديّة المُتحققة في إطار القانون، غير بعيد عن الدولة الوطنيّة، تلك التي قامت في أعقاب الانقلاب الصناعيّ، الذي نقل حجر الرحى في عمليّة الإنتاج من القرية – الزراعة – إلى المدينة – الصناعة – ربّما لكيّ تحمي كلّ دولة صناعتها من التنافس، ولنشهد – في تناقض فاضح – ظاهرة الاستعمار بحثاُ عن المواد الأوليّة وقود الصناعة وجوهرها، وعن الأسواق لتصريف السلع الصناعيّة!

 ثمّة براغماتيّة واضحة في التعامل مع الخارج إذاً، ثمّة تخارج فاضح بين التعامل مع الداخل والتعامل مع الخارج! وإذن فها هو الغرب يوثق مقولة ميكيافيلي الشهيرة في السياسة “الغاية تبرّر الوسيلة” كثيمة على صعيد الخارج بالدرجة الأولى، لتعاضد المقولة الاقتصادية الفرنسيّة “دعه يمرّ .. دعه يعمل”!
 خارج هذا التناقض ثمّة علمانيّة ستفصل الدين عن الدولة، وفي ذلك ما فيه من إعادة الاعتبار للدينيّ، لكنّنا سنعود لهذه الموضوعة في ما بعد! لتتأسّس – من ثمّ – دولة المُؤسّسات كمُعطى مُتقدّم، يُحيل إلى خانة الحقوق – تماماً – كما يُحيل إلى خانة الواجبات، بيد أنّ التبصّر في موقف الكنيسة من ظاهرة الاستعمار، أو من التنوّع الدينيّ قد يُمهّد الأرض لفهم التطوّر الذي حكمها في أعقاب فصل الكنيسة عن الدولة!

 لقد ناصرت الكنيسة الكاثوليكيّة – بما هي الكنيسة الأم – دولها في استعمار آسيا وأفريقية وأمريكا اللاتينيّة، بل وحتى أمريكا الشمالية أو أوستراليا، التي استوطنها البيض على حساب أقوام بدائيّة سيُطلق عليهم – لاحقاً – اسم الأوستراليّين الأصليّين كشعوب بدائيّة، إلى جانب البوشمن والهوتنتوت في صحراء كالاهاري “الصحراء الأفريقيّة الجنوبية” أو الصاموئيل والتونجوس في أقصى شمالي آسيا، أو بقايا الهنود الحمر والاسكيمو في وسط وشمال أمريكا الشماليّة، أو الألبيين والديناريّين في شمالي أوروبا – لكنّها – ومع ظهور حركات التحرّر – طلقت موقف دولها طلاقاً بائناً، لتقف في صفّ هذه الحركات، ربّما لتتمكّن من إدارة الكنائس الواقعة خارج العالم المسيحيّ – كنيسة الهند أو سوريا – مثالاً! ومن اليونان التمس رأس الكنيسة الكاثوليكيّة- البابا بنديكتوس السادس عشر – الاعتذار من الكنيسة الأورثوذكسيّة، التي تشمل الشعوب السلافيّة وصولاً إلى روسيا الاتحاديّة! ما يُذكّرنا بالأعداد الهائلة من الأرثوذوكس، الذين قتلوا في محيط بحر إيجة وأجزاء من آسيا الصغرى، خلال الحملة الصليبيّة الأولى التي قادها بطرس الناسك، بما يفوق عددهم قتلى المُسلمين فيها، وعلى الرغم من الحيف الكبير الذي ألحقوه بالبروتستانت، إلاّ أنّ قنوات الحوار لم تنقطع بين الكنيستين، وإذن ألسنا إزاء ما يُشبه إعادة ترتيب البيت المسيحيّ العالميّ! ؟ ثمّ ها هي الكنيسة الكاثوليكيّة تتجاوزعن التحدّي العقيديّ والحضاريّ الذي شكله لها الإسلام في دائرتها، دائرة حوض المُتوسّط الحضاريّة، هذا إذا قبلنا بتقسيم العالم إلى دوائر حضاريّة! لتحتكم علاقتها به إلى التكفير على المُستوى الدينيّ، ذلك أنّ مُحمّداً لا يزيد عن كونه مُهرطقاً عند اللاهوتي البارز توما الإكوينيّ، ربّما إذا نظرنا إلى الـ “كوميديا الإلهية” لدانتي كعمل أدبيّ، لا يرشح بتصوّرات الكنيسة عن الإسلام، إذ أنّ أليجري – هو الآخر – ألقى بالرسول في الدرك الأسفل من الجحيم، غير بعيد – ربّما – عن نظريّة المركزيّة الأوروبيّة على المُستوى السياسيّ، ، تلك التي لا تقرّ بأيّ مدنيّة خارج أوروبا على المُستوى الحضاريّ! فيما قال الإسلامبالمسيح ناسوتاًليس له أيّ طبيعة إلهيّة! تجاوزت الكنيسة الكاثوليكيّة عن هذا التحدّي – إذاً – لينطلق في أعقاب المؤتمر الموسكوني الثاني -1962/1965- الحوارُ الإسلاميّ المسيحيّ بين الفاتيكان وعلماء الأزهر والسعوديّة، أمّا الطفرة المُذهلة في الفكر – أو السلوك – المسيحيّ فلقد تجلت في إعلان المسيحيّة – على لسان البابا بنديكتوس السادس عشر ثانية – كأحد الأديان على سطح هذه البسيطة، وعليها أن تتعايش معها، ولانظنّ بأنّ هذه الطفرة بعيدة عن تجديد الخطاب المسيحيّ ليتواءم مع روح العصر، ويعيش!
 بقي أن نُذكر بأنّّ الاتحاد الأوروبيّ إذ راح يُنجز إعلان ولادته، لم يُذعن لرغبة الكنيسة في الإشارة إلى أوروبا المسيحيّة حتى في مُقدّمة وثيقته!
ولا نظنّنا – هنا – رهن تشاؤم – ليس له مُبرّر – إذاجزمنا بأنّ الطريق طويلة أمام الإسلام، ليقفز قفزة مُماثلة، هذا إذا لم نتذكّر بأنّ علماء المُسلمين ليسوا في هذا الوارد لحينه، ولأسباب عديدة سنجيء عليها حتماً..

 على أعتاب راهن مُدقع وجد العرب المُسلمون أنفسهم إذاً، صحيح أنّ المماليك عزلوه عن العالم الخارجيّ، لكنّ البرتغاليون أغلقواالدارة تماماً عندما اكتشفوا طريق رأس الرجاء الصالح، فراحت سفنهم تدور حول أفريقيّة للوصول إلى الشرق الأقصى، في تحوّل خطير لطريق التجارة العالميّة بعيداً عن الشرق الأوسط!
 قد تكون تجربة محمد علي في مصر والسودان وبلاد الشام والحجاز أوّل مُحاولة جادّة لبناء دولة عصريّة، إذ أنّ الرجل أرسل البعثات الدراسيّة إلى أوروبا لتأمين كوادر تعمل على تنفيذ مشروعه، ثمّ أنّه قام ببناء جيش وأسطولقويّين، وحفر الترع – القناطر الخيريّة في الدلتا، والترعة الإسماعليّة – لإيصال مياه نهر النيل إلى مناطق عدّة، بهدف تطوير الزراعة، ثمّ بنى معامل لصبّ البارود والمدفعية، كما أقام داراً لبناء السفن، وبجيشه – ذاك – خاض معارك عديده، بعضها كان بتكليف من السلطان العثمانيّ، إذ قضى على الحركة الوهابيّة في شبه الجزيرة العربيّة، إلاّ أنّه احتفظ بها لأهميّتها الدينيّة، وكاد أن يقضي على ثورة اليونان، لولا تدخل الأساطيل الأوروبيّة في نافارين، في حين أنّ بعضها الآخر كانت لمصلحة مشروعه الشخصيّ، إذ عمل على ضمّ السودان وبلاد الشام، غير أنّ الغرب أجهزعلى هذه التجربة!

لقد ترك العثمانيون العربَ المُسلمين لعزلتهم طويلاً، إلى أنقصدهم الغرب في عقر دارهم غازياً، وذلك في الحملة الفرنسيّة على مصر فبلاد الشام، صحيح أنّ الحملة أخفقت في مقاصدها، لكنّها بيّنت للعرب المُسلمينمدى الفوات الحضاريّ بينهم وبين غرب فتيّ وناهض! من غير أن نسهو عن دور البعثات التبشيريّة، التي لن تبتعد عن دور دولها، ولهذا ستلعب دوراً سلبياً – في ما بعد -على مُستوى الدراسات الاستشراقيّة، بيد أنّها إذ افتتحت مدارس في لبنان وسورية أسهمت في نشر التعليم بين أهلها، حتى إذا أتيح لبعضهم أن يُكملوا تعليمهم، جاءنا ما سيُصطلح عليهم بمُفكّري النهضة! كان حزب الاتحاد والترقيّ المُتشدّد قد تسنم سدّةالسلطة في الدولة العثمانيّة، لتبدأ معه سياسة التتريك الطورانيّة، وبإزائه – في ردّ فعل دينيّ أوّلاً، ووطنيّ خجول ثانياً – شهدت بلاد الشام والعراق الجمعيات السريّة، التي نادت بالتحرّر عن جسد الرجل المريض – أي الدولة العثمانيّة – وإقامة دولة مُوحّدة في بلاد الشام والعراق وشبه جزيرة العرب، قد يكون أبرزهذه الجمعيات العربيّة الفتاة!

 جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وفرح أنطوان وبطرس البستاني إنّما هم غيض من فيض، عُرفوا كروّاد للنهضة، بعضهم أنتجته المدارس التبشيرية، فيما تلقى بعضهم تعليمه في تلك التي بناها إبراهيم باشا في بلاد الشام، أو في المدارس الوطنيّة التي تلت سابقاتها تحت تأثير من طاهر الجزائريّ!

 وإذا كان الأفغاني قد وقع على ضالته في الرابطة الإسلاميّة، فإنّ فرح أنطوان سيكون له موقع آخر وموقف مُغاير، غير أنّ الجامع بينهماسيتجلى في تسامح أصيل، في هذا الإطار قد نستشهد بالرسائل المُتبادلة بين الإمام محمد عبده وفرح أنطوان، إذ راح الأول يسائل الثاني عمّا إذا كان سيعتنق الإسلام، إن قيّض له أن يتسنّم سدة الحكم! فأجابه أنطوان بالنفيّ، مردفاً “ولكنني سأحكم بمُقتضى القوانين” ليوافقه الإمام على ذلك، ناهيك أنّنا إذ نشير إلى تواصل – قد لا يتوارد إلى الذهن – بينه – أي بين الإمام – وبين الأديب الروسيّ الكبير ليف تولستوي، إنّما نستعيد فعلاً دالاً على ذهنيّة منفتحة ومُتسامحة إزاء الآخر، نفتقدها الآن رغم مسيس الحاجة إليها!

 وفي عودة إلى الإسلام سنتفاجأ بشلّ الفقه عن العمل على نحو مُبكر، ما أوصد باب الاجتهاد في وجه المُعضلات، تلك التي تجابهنا الحياة بها في معرض تطوّرها، فلا يكون النصّ قد مرّ بها، لنقف – من ثمّ – موقف العداء من التحديث على قاعدة التجديف والتكفير والتغريب! ولكن ألسنا – بذلك – نجافي منطق التأريخ في صيرورته!؟ أمّا أين غابت مقولة عليّ ابن أبي طالب، التي تقول بأنّ النصّ حمّال أوجه، فلا إجابة واضحة عليها، لقد أحالنا إغلاق الباب في وجه الاجتهاد إلى منظومة ذهنية مغلقة، تتأبّى على التطور، فأنتجنا – في إهابها – ثقافة سكونية، وها هي تسحب ظلها – في فيء القداسةالدينيّة – على تاريخ الدولة الإسلامية، بشكل تعذر – معه – إنجاز دراستها كتاريخ بشر متمايزين في مصالحهم ورؤاهم وتحزّبهم، ثمّ انداح الديني على السياسيّ، أو لنقل بأنّ السياسيّ رهن الدينيّ لصالح استمراره في السلطة، مُتكئاً إلى تحالف مقيت بين الفقيه والسلطان، فأحالنا إلى الاستبداد المشرعن!

 على هذا سنُجازف في قولتنا بأنّ الإسلام السياسيّ ليس ابن اليوم، وأنّ تأريخ الخلافة في جله إنّما هو تاريخ للإسلام السياسيّ في الجوهر – طبعاً – لا في المُصطلح! ولكن ما هو الإسلام السياسيّ في وجهه المُعاصر! ؟ ألا يُمكننا الزعم بأنّ الدينّي مُتعال ومُطلق، في حين أنّ السياسيّ نسبيّ، أي بشريّ محكوم بالنقصّ بما هو في طبيعة البشر! ؟ حسناً .. ألسنا -بهذا المعنى، في الإسلام السياسيّ – نضع المُتعالي والمُطلق في خدمة النسبيّ الطامح إلى السلطة! ؟ وبهذا المعنى – أيضاً – نظنّنا إذ نطالب بالفصل بين الدين والدولة، إنّمانُعيد إلى الدينيّ اعتباره، إنّنا نحرّره من هيمنة السياسيّ! لكنّنا مُطالبون – من كلّ بدّ – بالتأكيد على ضرورة الدين، إذ أنّ وجود الإله – على المُستوى الفلسفيّ – ضرورة، ذلك أنّه يُجسّد المُطلق، فإذا وضعنا في الحسبان أنّ المفاهيم تتضح بأضدادها، توضّعَ ما دونه في خانة النسبيّ، حتى إذا غابَ هذا المُطلقنصّبَ النسبيّ ذاته في محله، بشكل يُؤسّس للاستبداد السياسيّ حتماً!

 فإذا سجلنا لأوروبا التعدّدية السياسيّة، ما يُفضي إلى تداول السلطة، ناهيك عن إنجازها لدولة القانون، تلك التي تنقل الرعية – في دلالتها السلبية، إذ تحيل إلى علاقة الراعي بالقطيع بحسب فوكو – إلى خانة المُواطنة، بحيث ينتفي مفهوم الأقليّة والأكثريّة، أيّ أنّ دولة الكلّ الاجتماعيّ تتحقق، إذاك .. وإذاك – فقط – تضحي الأحزاب السياسيّة تعبيرات اجتماعيّة راقية لمصالح مُتباينة! نقول بأنّنا إذا سجلنا لأوروبا ما تقدّمَ، اختلت اللوحة لمصلحتها، ذلك أنّ المسألة عندنا ستختلفإن لم تتضادّ!

 لقد ورث رواد النهضة إرثاً ثقيلاً، ناهيك عن غياب المأسسة عن مشاريعهم، إنّ الكنيسة الماورنيّة إذ وضعت بضعة رهبان في خدمة البستانيّ، ليُنجز عملاً جليلاً كدائرة معارفه – مثلاً – لا يُصنّف في خانة المُؤسّساتيّة، هذا إن لم نجزم بأنّ هكذا عمل إنّما تقوم به الدول لا الأفرد! ثمّ أنّهم – أي رواد النهضة – عاشوا في ظلّ الاحتلال العثمانيّ، لذلك -وعلى سبيل التمثيل – لجأ الكواكبيّ إلى مصر تفادياً لغضبها عليه بسبب كتابيه الشهيريْن “أم القرى” و “طبائع الاستبداد”، وانتهى غير رائد على أعواد المشانق في بيروت ودمشق إبّان ولاية جمال باشا السفاح على بلاد الشام!

 حسناً.. من أين سنبدأ! ؟ سؤال مشروع ستلهج به الألسنة، وفي الإجابة سنتساءل إن كان سحب القداسة عن تأريخ الدولة الإسلاميّة في حدود المُمكن! ؟ ربّما لأنّ عملاً كهذا سيضعها في سياقها التأريخيّ، أي في علاقتها بما قبل أو بما بعد، باعتبارها شأناً بشرياً يتمايز عن الإسلام! وقد نكون بحاجة إلى الاستعانة بعالم الاجتماع الجليل ابن خلدون، لنُبيّن بأنّ تماهي الضعيف بالقويّ هو من طبيعة الأشياء، ربّما لنعقلن الجدل المُمضّحول الأصالة والتحديث، إذ أنّ الغرب أخذ عنّا العلوم والصنائع والفلسفة – بخاصة الرشدية منها – لتكون أحد مصادر نهضتهفي العصر الوسيط، ولنبنيّ علاقة صحيحة بينهما، بعيداً عن التوفيقيّة أو التلفيقيّة، إذ ليس كلّ ما يرشح عن التراث قابل للحياة، ولا كلّ ما نستورده من الغرب محكوم بنظريّة المُؤامرة، ناهيك عن الضرورة التي تحكمنا، إلاّ إذا تركنا تقانته جانباً، وأولينا ظهرنا لمُنجزاته العلميّة!

 سؤال آخر سيتموّر في المُخيّلة عمّا إذا كان الوقت – الذي سنُعيد فيه العمل بالاجتهاد – لم يأزف، وذلك لاستنباط الحلول لمُشكلات لم تطرَح على المُسلمين الأوائل! ؟
 على هذا سنقول بأنّ المنظومة الذهنيّة المُغلقة، انداحت على مناحي الحياة المُختلفةبالتعدّيّ، ما وأد المُحاولة النهضويّة الثانية، تلك التي شكّل الـ : د . طه حسين – في الأدب الجاهليّ – والأزهريّ علي عبد الرازق – الإسلام وأصول الحكم – وقاسم أمين – على سبيل التمثيل – سداها، مع إقرارنا – ثانية، ربّما لنُنصفهم – بغياب المأسّسة عنها، على الرغم من أنّ الـ : د . طه حسين تنصّب وزيراً، وللتدليل – ثانية – على تسامح غاب اليوم سنستشهد بدفاع رشيد رضا – السلفيّ – عن عبد الرازق، إذ طالب على صفحات جريدته “المنار” بالفصل بين الكتاب والمُؤلف، حين هوجم الرجل، وطالب الأزهر بمٌحاكمته، ولا نظننا عاجزين عن مقارنة عرجاء عمّا وقع لنصر حامد أبي زيد راهناً! ثمّ أنّها – هي الأخرى – أبصرت النور تحت مظلّة السايكسبيكويّة في مشرق البلاد، والاحتلالالبريطانيّ – مصر والسودان وأجزاء من الصومال وجزر القمر – والإيطاليّ – ليبيا – والفرنسيّ – تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا – والإسبانيّ – سبتة ومليلة – مع تداخل الانكليز والفرنسيين والإيطاليين في أرتيريا وجيبوتي والصومال!

 هل نقف بظاهرة العسكر – إذ قفز إلى واجهة السلطة، في أعقاب هزيمة ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف، أمام دولة إسرائيل المُعلنة في العام المذكور، مُستبقين تحرّك السياسيّين الذينحمّلوهم مسؤوليّة الهزيمة، في ظاهرة عالم ثالثيّة بامتياز، ظاهرة وقف بها المصري جمال حمدان بتبصّر عميق!
 أليس ما تقدّمَ – بإجمال اللوحة – هو الجذر الذي أنتج الفكر السياسيّ في المنطقة! ؟ الموروث غبّ أن أوقف العمل بالاجتهاد باكراً! ؟ تماهي الضعيف بالقويّ في تأثير لا حدود له! ؟ استيراد أو – استلهام تجارب – الغرب بغثها وثمينها، مع غلبة الأول على الثاني! ؟ ثمّ كيف عبّر هذا الفكر عن نفسه! ؟
 يتكون أيّ مُجتمع غالباً من نسبة جدّ ضئيلة من الفقراء، ونسبة تماثلها – أو تكاد – من الأغنياء، أمّا الباقي فتحتله الشرائح الوسطى، بماهي صمام أمان لمُجتمعاتها، ذلك أنّها مُنتجة للخيرات المادية، ومُستهلكة للثقافة والفنون، ناهيك عن أنّها حاملة مشاريع التغيير، يساراً – كانت – أم يميناً أو وسطا!

 على هذا سنُعيد التيارات السلفيّة اليمينيّة إلى حاضنة اجتماعيّة واسعة، لا لأنّها تشكلت في حضن مُجتمع ديّن فقط، صحيح أنّها ابنة ميراث ثقيل، وأنّ الأغلبيّة المُجتمعيّة حاضن ثرّ لها، إلاّ أنّها تشترك مع التيارات السياسيّة الأخرى في الفراغ السياسيّ، أو في الانحسار السياسيّ، بسبب من احتكار السلطة من قبل قلة أوليغارشية أولاً – قلة صادرت حق المُجتمع في مُمارسة العمل السياسيّ – وانكسار أحلامها في دولة القانون والرفاه ثانياً، تلك التي تكشفت مع هزيمة النظام العربيّ عام سبعة وستين وتسعمائة وألف أمام إسرائيل! كانت السلطات – التي تسنمت سدّة السلطة في أعقاب الاستقلال – قد عملت على فكفكة بنى تقليديّة – العائلة أو القبيلة أو الطائفة- غير أنّها عجزت عن الارتقاء بمُواطنيها إلى انتماء أرقى .. انتماء وطنيّ، هي بنى تقليديّة مُفوّتة – نعم – ولكنّها بنى ناظمة، وآن انكسرت أحلام الناس – لأسباب شتى أتينا على جلها – عاشت نكوصها نحو تلك البنى السابقة على الوطنيّ، بل سابقة – حتى – على القبليّ – البطون أو الأفخاذ ربّما – أو الدينيّ – الطوائف – ذلك أنّ الحاجة إلى انتماء جمعيّ يصونها راح يسوطها، لتنضوي تحت خيمةتلك الانتماءات، وبخاصة الدينيّ منها، هكذا ربّما شكلت هذه الجموع منجماً ثراً تستقي منه الأصوليات دمها!

 لقد وُلد حزب الإخوان المسلمين في مصر تحت مظلة الاستعمار الانكليزيّ، بيد أنّ دولة الاستقلال – التي قادتها حركة الضباط الأحرار – شكمتها، فهل تستطيع السلطات العربيّة -اليوم- شكم القوى الأصوليّة في مصر أو لبنان أو سورية أو اليمن أو الجزائر! ؟
 ربّ قائل بأنّ الفكر الدينيّ واحد، وهذا صحيح إلى حدّ كبير، ولكن أليس ثمّة فرق بين الإخوان المُسلمين وحزب الله مثلاً! ؟ وإذا كانت التيارات الإسلاميّة واحدة، فكيف لشيخ كابن الباز – السعودية – أن يُكفر الشيخ محمد سعيد رمضان البوطيّ!؟
 هكذا ربّما درج الحديث عن إسلام مُعتدل، وآخر مُتشدّد، يفترق في الدرجة، ليجتمع في الهدف، أي في التطلع إلى السلطة، وإعادة دولة الخلافة، في بنى ما عادت تنتمي إلى العصر، بنى تجاوزها العالم منذ أمد!

 وماذا عن الوسط!؟ سنتساءل في استزادة ربّما، الوسط الذي سيُعبر عن التطلع القوميّ، تحت شعار فضفاض لم يسبق له أن تحقق – الوحدة العربيّة كما جاء في شعار حزب البعث – أو تحت شعار أكثر وضوحاً -وحدة سورية الكبرى، القوميّ السوريّ الاجتماعيّ – فهل نأى هذا التيار بنفسه عن مظلة الإسلام، لا سيما أنّ الحزبيْن طرحا نفسيهما كقوى علمانيّة!؟
 لقد تأثر التيار القوميّ بمثيله الأوروبيّ، تحت ضغظ رضّ نفسيّ كبير، أحدثه الفوات الهائل في المنطقة، لكنّ ميشال عفلق تأثر بماض تليد تجلى في الدولة الإسلاميّة إبّان قوّتها، وما البعث بحسبه – كحلم – إلاّ إعادة لانبعاث أمة كتلك التي في ضميره كثيمة – ربّما – أو تميمة، بهذا المعنى كان عفلق مُسلماً أكثر من المُسلمين! وحين راح يستلهم الفكر القوميّ الأوروبيّ، وقع على نموذجه الأسوأ إذ وقف بالفاشيّة – إيطاليا – ثمّ ماذا عن الاشتراكيّة! ؟ سيقول البعثيّون بأنّها نتاج جمع البعث إلى الاشتراكيّ، الذي كان أكرم الحوراني يتزعمّه، لكنّنا سنُضيف سبباً آخر يذهب إلى قطع الطريق أمام اليسار العربيّ! حسناً .. إذا كان البعث حزباً علمانياً، فلماذا تأسلم المزاج العام للمُنتمين إليه، عندما حاقت به الهزائم، هذا إذا تجاهلنا عجزَهُ عن تحقيق العدالة الاجتماعيّة! ؟ ثمّ ماذا عن عبادة الفرد عند القوميّ السوريّ الاجتماعيّ! ؟ ما يتيح لنا الادعاء أن لا أحد أساء إلى الزعيم أنطوان سعادة كالقوميّين السوريّين، ذلك أنّهم صنّموا الرجل الذي قتل قبل مئة عام، فلم يُطوّر فكره قيد أنملة، ولا نظنّ بأنّ البعث كان بعيداً عن هكذا مُمارسة! لا بل أنّ هذه المثلبة شملت قوى اليسار، لتتجاوز عبادة الفرد إلى توريث الأمانة العامة للحزب!
 ما هو مُؤكّد أنّ اليسار العربيّ هو ابن شرعيّ للتجربة السوفييتيّة، هو ينادي بالماركسيّة اللينينيّة، لكنّه يخفق في تحقيق التوازن بين الداخل والخارج، إذ في الوقت الذي يولي الصراع مع الامبرياليّة جلّ اهتمامه، ينسى مُعاناة الناس من الجوع والجهل والاستلاب بمُختلف أشكاله، فينقسم على نفسه، في تخارج عن المُجتمع أو بتأثير منه! وإذ طال مرض الانشقاق التيارات كلها، تصدّر هاجس حاد المشهد السياسيّ مُتلخصاً في السؤال عمّا إذا كانت هذه الانقسامات أفقيّة أم شاقوليّة! ؟ أمّا حين تبصّر الدارسون في السؤال الظاهرة تفاجأوا بأنّ التشظيّ شاقوليّ، يُفضيّ إلى التذرّر، إذ كيف نفسّر التقاء شخوص تتباين مصالحهم في هذا الطرف، تماماً كما في صنوه المُنشق عنه! ؟ ما ينسف مفهوم التعبيرات الاجتماعيّة الراقية للأحزاب عن مصالح مُختلفة! ؟
 وفي تشظ اجتصاديّ سياسيّ وثقافيّ سيختزل الحزب الشعب في كيانه، فيما يختزل الأمين العام للحزب كيان الحزب في شخصه، فيتجلى الاستبداد المدعوم من الأجهزة الأمنيّة في ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم فيماسيُصطلح عليه بعلاقة الراعيّ بالقطيع، تلك التي جئنا عليها من قبل، حتى إذا نفرت نعجة عنه، طالتها عصا الراعيّ الغليظة بالسجن والتعذيب أو النفيّ أو – حتى – التصفيّة!
 كمّت الأفواه – إذاً – وصودرت السياسة من المُجتمع، فتسيّدت الدولة الأمنيّة الكليّة تمام الصورة، وأطلّ الفساد – آفة كلّ سلطة مُستبدّة برأسه – ليُضحيَ بنية أو جزءاً صميميّاً من البنية! في ظلّ هذا الفساد – ربّما – هُرّب المال العام إلى الخارج في سرقة موصوفة، لتتوقف المشاريع القائمة، ولتعجز السلطة عن إقامة الجديد منها، فتغوّلت البطالة كقنبلة موقوتة، وفي هذا الجانب، قد يكون استكمال الصورة مُهمّاً في توضيحها، إذ أقدمت الحكومات – تحت ضغط غربيّ لم يتوقف يوماً – على تطبيق وصفة البنك الدوليّ سراً أو علانيّة، فأطلقت الأسعار وثبّتت الأجور، لتتعرض البنيّة المُجتمعيّة إلى تغيير فظيع، إذ زاد عدد الأغنياء قليلاً، وذلك في صفقات مشبوهة غالباً، تشاركت فيها مراكز قوى في السلطة مع البورجوازيّة الطفيليّة، غير أنّ عدد الفقراء زاد كثيراً، على حساب الشرائح الوسطى، التي تسّاقطت سريعاً تحت خط الفقر فتآكلت، في ظاهرة خطيرة لمّا تدرس بعد بشكل مُستفيض، ما سيطرح أسئلة بالغة الأهميّة عمن سيحمل راية التغيير!

 القصور الذاتيّ للمُجتمعات المُحتكمة لإحباط له أسبابه، إذ عجزت الأحزاب عن استنباط أشكال جديدة لنضالها ضدّّ الاستبداد السياسيّ، كما عجزت عن تجيير مُشكلات ضاغطة إلى حراك اجتماعيّ! والسلطة القامعة في سطوتها الجبارة، فالغرب الذي اشتغل على إجهاض أيّ مُحاولة نهضوية! مثلت مُثلث الركود والاستنقاع!

وإذن فهل نجازف بالكثير إذا ذهبنا إلى أنّنا لم نكن نشتغل بالسياسة! ؟ حسناً .. وماذا عن الأحزاب التي تكاثرت كفطر سام! ؟ وهل نجازف إذ نزعم بأنّها كانت قبائل جديدة تشبّهت بالأحزاب! ؟ لقد اشتغلنا على الآيديولوجيا – لا السياسة – فأنتجنا خنادق مُتحاجزة، زعم كلّ منها بأنّه في خانة الخير “المُطلق”! فيما يتموضع الأحزاب الأخرى في خانة الشر “المُطلق”!

 قاتمة هي الصورة وبائسة، سيرتفع غير صوت مُحاجج أو خائف، فكيف سنردم الهوّة بيننا وبين العالم المُتقدّم! ؟ وفي الإجابة سنذهب إلى أنّنا لسنا في سباق الأرنب والسلحفاة – حتى – ذلك أنّ الطرفين على الطريق، بغضّ النظر عن المسافة، في حين أنّنا خارج التأريخ!

 ثمّ ماذا بعد! ؟… لا أحد يستطيع أن يتكهّن بما يمور تحت السطح الساكن ربّما، ولا أحد يجزم بتحديد الوقت الذي تتحرك فيه الشعوب! هل نستشهد بما عُرف بالربيع العربيّ، بعيداً عن أحكام القيمة، أم نستشهد بإيران الشاه المحكومة – بالسافاك – في تحولها المُذهل إلى إيران الخمينيّ، بعيداً عن أيّ انحياز أو حكم بليد وإطلاقيّ! ؟ وهل ما جئنا عليه ينطويّ على الحقيقة، أم أنّها – أيّ الحقيقة – مُوزعة بيننا على تفاوت! ؟ لنقل – إذاً – بأنّ ما تقدّمَ إنّما هو حجرة ألقيت في مياه راكدة، فمن يدري! ؟