لا أحد قد يجادل في أن حزب الاتحاد الاشتراكي، إذا لم يكن يعيش ازمة، تجاوزا، فإنه في وضع مضطرب وغير سوي , وهذا الوضع ليس من طبيعة التناقضات العادية التي تتفاعل في أي كائن حي . بل انها تناقضات طارئة ومزمنة ومضافة . فما هي مظاهر واسباب هذه التناقضات- الازمة ؟ يقول ادريس لشكر الكاتب الاول للحزب ان ’’ ما تعتبره بعض وسائل الاعلام ازمة بالاتحاد الاشتراكي هو الحل التنظيمي الذي يتجسد بهدوء …” .

ان معضلات التنظيم تعود في نهاية التحليل  الى معضلة الفكر السياسي السائد الذي يوجه الممارسة العملية . في سياق هذا الموضوع سنختبر  مدى صحة كلام الكاتب الاول من خلال استنطاق التطورات الحزبية بعد مرحلة التوافق السياسي وخصوصا بعد المؤتمر التاسع الذي تسلم فيه ادريس لشكر قيادة الحزب .

لابد منذ البداية ان نميز بين ازمة الاتحاد الاشتراكي [ ومجمل التنظيمات الحزبية ] كجزء من ازمة الانتقال الديمقراطي المعاق في البلاد وامتداداتها داخل الحزب [ والاحزاب الاخرى] كتناقضات ” طبيعية ” تتطلب مواجهة الموضوع بذات فاعلة . وبين ازمة الحزب  الذاتية الخاصة الناجمة عن مواقفه وسلوكه السياسيين كإرادة حرة ومستقلة للتقليص فقط من تأثير امتدادات الازمة العامة الموضوعية .

يعتبر البعض ان الازمات التي مر منها الاتحاد الاشتراكي حتى مرحلة التوافق السياسي بقيادة اليوسفي كانت ازمات نمو ويبرهن على ذلك باضطراد تقدمه في نتائج الانتخابات البرلمانية منذ سنة 1984 الى حدود انتخابات 2002 . ولكن , لم يكن لهذا التطور توسعا تنظيميا يوازي هذا التقدم المضطرد في الانتخابات البرلمانية بقدر ما كان نتيجة تراجع التدخل السافر عادة للإدارة المخزنية   , اللهم الا ذلك الحماس الشعبي الذي كان يتطلع لما قد تنجزه حكومة عبدالرحمان اليوسفي .في المؤتمر السادس سوف يشرع الحزب في نقد الوضعية التنظيمية المتردية ويتخلى عن الكونفدرالية وجزء هام من الشبيبة وينتهي الى ازاحة قيادة الشرعية الوطنية المتمثلة في اليوسفي . وبذلك تنتهي مرحلة وتبدأ مرحلة جديدة .كانت انتخابات 2007 البرلمانية بداية التخبط الحزبي , فقد ادى تراجع الحزب في الانتخابات [ المرتبة الخامسة ] الى صدمة غير متوقعة داخل الحزب , كما ادى الى نقد ما وصف آنذاك بالسلوك الفردي للكاتب الاول محمد اليازغي في اختياره للوزراء الاتحاديين في حكومة عباس الفاسي , ونتج عن ذلك رد فعل قوي من قبل اعضاء المكتب السياسي الاخرين ومطالبتهم اليازغي بالاستقالة او الاقالة .

في المؤتمر الثامن ادت الخلافات بين اطراف ” النخبة ” القيادية المتنافسة الى ضرورة تبني التصويت لانتخاب الكاتب الاول , وهي اول خطوة ديمقراطية متقدمة يتبناها الحزب . ولكن تم ذلك في خضم غموض سياسي [بين المعارضة والمشاركة والتحالفات ] وغياب استراتيجية عملية ميدانية للرفع من الاداء التنظيمي , بل بالعكس تماما فقد تعهد الكاتب الاول المنتخب عبد الواحد الراضي امام المؤتمر بالتفرغ للعمل الحزبي , ولكنه اخلف الوعد وذهب الى وزارة العدل ثم الى رئاسة مجلس النواب . واكثر من ذلك فهو لم يتردد في وصف الحزب في ” تقريره امام دورة المجلس الوطني [ 5 ماي 2012 ] ” بان الحزب يعيش حالة انتحار جماعية .. ” . فهل هناك قائد يتفرج على حزبه وهو مقبل على الانتحار..؟ اذن , حسب الراضي , ليست مجرد ازمة بل سقوط الى الهاوية .

وظل الحزب منذ ذلك التاريخ يجتر ازمته التنظيمية والسياسية .  – بعد المؤتمر الثامن لم ينسحب الحزب من الحكومة , بل سمح المكتب السياسي لاحد اعضائه [ ادريس لشكر ] بالمشاركة كوزير للعلاقة مع البرلمان , وهو الذي كان خلال التنافس داخل المؤتمر من اشد الدعاة لعودة الحزب الى المعارضة , وقد خلف هذا السلوك السياسي استياء لدى اوساط داخل الحزب ولدى الرأي العام . كما عاش الاتحاد نوعا من الارتباك في تحالفاته السياسية  فمرة سيتقرب من ما سماه سابقا بالوافد الجديد ومرة اخرى يتقرب من العدالة والتنمية . وفي سؤال لسعد منصور صحافي بجريدة ” لا في ايكونوميك ” ضمن حوار مع ادريس لشكر حول قبوله المشاركة في الوزارة . يقول السؤال :  – يعتبر البعض ان الامر يتعلق بالانتهازية السياسية من جانب ادريس لشكر لا اقل ولا اكثر…   – جواب لشكر : ” نعم يمكن الحديث عن الانتهازية لكن من طرف الحزب والحزب فقط وليس من جانبي شخصيا …الخ ” , اية مسؤولية سياسية هذه التي تتبرأ من سلوكها الشخصي المتناقض وترمي به على كاهل الحزب ككل.

ومنذ انتخابات 2007 , سيصبح ادريس لشكر هو الرجل القوي داخل الاتحاد الاشتراكي ,وسيستعد بهذه الصفة للترشح للكتابة الاولى في المؤتمر التاسع وسينجح في ذلك . لا يهمنا في هذا الرأي ما راج من ” شائعات ” حول تدخل الدولة في انتخابات المؤتمر , ولا التزوير الذي وصفه الراضي بمستوى من مستويات ” الغش ” , ولكن الذي يهمنا هو كيف دبرت القيادة الجديدة الشؤون الحزبية : – الخط السياسي- طريقة حل الخلافات داخل الحزب – التعامل مع التنظيمات المرتبطة بالحزب , مع ملاحظة ان النقابة مستقلة ” قانونيا ” عن الحزب .             من البديهي ان طبيعة الفكر السياسي السائد هي التي تتحكم في مجمل ممارسة الحزب السياسية والتنظيمية والجماهيرية , ويؤكد حزب الاتحاد الاشتراكي في مؤتمراته الاخيرة ان هويته الفكرية هي الاشتراكية الديمقراطية بعد ان كان يرفضها في المؤتمر الاستثنائي [  حوار مع الاستاذ محمد جسوس جريدة الاتحاد الاشتراكي 16 نونبر 1994 ] . ان الهوية هي مجرد انتماء ايديولوجي طيلة مرحلة ستكون , نظريا , طويلة الامد في انتظار ان تتهيأ الشروط اللازمة للشروع في تطبيق برنامجها تدريجيا ان امكن , ولكن بين الحاضر والمستقبل البعيد ستكون مجرد منهج للتفكير واداة للتعامل مع المعطيات الواقعية الراهنة في كل مرحلة من التطور , وتقاس صحة استلهام هذا المقتضى الهوياتي بمدى القدرة على التقدم ولو خطوة صغيرة التي يحققها الحزب في ممارسته السياسية عموما . ان ” الفكر ” السائد داخل الحزب هو فكر تبريري لطمس الاخطاء وتقريظي لطمأنة الاتباع وشل حركة الخصوم الحزبيين , انه باختصار لا يستمد منهجية التحليل من الهوية الايديولوجية التي يدعي تبنيها . واستنادا الى هذا التحديد للهوية الايديولوجية فان اول خطأ ارتكبته قيادة الحزب , حسب وجهة نظري , هو عدم مشاركتها في حكومة بنكيران منذ البداية , أي حكومة تضم الكتلة والعدالة والتنمية اي احزاب المعارضة السابقة في مواجهة ما كان يسمى بأحزاب الادارة . وقد يشجع الاتحاد ضمن هذه الحكومة على تنزيل بنود الدستور … ولما لا على الحد من انزلاقات حكومة العدالة والتنمية  , ويحقق قدرا ولو ضئيلا من التمايز في الساحة السياسية المغربية بين احزاب المعارضة السابقة واحزاب الادارة السابقة. ولكن الحزب اختار الحل السهل واصطف الى جانب احزاب الادارة وراح يشن هجوما ” ايديولوجيا ” مزيفا على ما وصفه بالظلامية والرجعية والمحافظة ..هذا التحريض الذي لا يلقى ترحيبا داخل المجتمع , لان العدالة والتنمية وجد نفسه وهو يدبر الشأن العام غارقا في الارقام والقوانين وتدبير ميزانية الدولة ولا يذكر الله الا كما يذكره جميع المغاربة . وحزب الاستقلال الذي تحالف معه الاتحاد اخيرا وهو في اسوإ حالاته اليوم لا يختلف كثيرا من ناحية ايديولوجيته الاسلامية

قد يكون هذا النقاش قد فات اوانه . ولذلك سنعود الى مقولة الكاتب الاول الذي يعتبر ان الازمة هي ” الحل التنظيمي الذي يتجسد بهدوء…” لنختبر مدى صحة هذا القول , ولنبدأ بالمعركة التي تفجرت داخل فريق مجلس النواب بين لشكر ومجموعة الزايدي . لنلاحظ منذ البداية ان الخلاف لم يكن حول موقف سياسي ولا تنظيمي وانما حول الاستيلاء على الفريق من طرف لشكر الذي استنفر كل اتباعه في المكتب السياسي واللجنة الادارية – القيادة العليا في الحزب بعد المؤتمر , في اجتماعها الاول  اتفقت على تنصيب حسناء ابو زيد [حزبيا ] كرئيسة للفريق محل الزايدي وبعد ما يقرب من اسبوع تم استدعاؤها [ اللجنة ] من جديد لتلغي الموقف السابق وتعين لشكر رئيسا للفريق بعد مفاوضات مع الطرف الاخر . هكذا انتهت المعركة لصالح لشكر دون ان يكون لذلك أي تأثير سياسي داخل مجلس النواب , فقط غاب الزايدي من رئاسة الفريق الذي يحظى شخصه الجدي بالاحترام . وتمكن الكاتب الاول للحزب من الانتصار على خصومه في الحزب مجسدا الحل التنظيمي بهدوء..

لم تكن مجموعة الزايدي تختلف عن القيادة الرسمية للحزب سياسيا سواء تجاه الدولة او اتجاه الحكومة , فقط لها بعض الملاحظات حول بعض التحالفات الحزبية . ولكنها كانت تركز اساسا على التحكم الفردي للكاتب الاول وقمع الآراء المخالفة يؤكد الزايدي على ضرورة اتساع افق الحزب ” لكل الآراء والمبادرات الهادفة الى تطوير اداء الحزب وتحديث اساليب عمله ” . ولكن هم لشكر الرئيسي هو العمل على احكام قبضته الحديدية على ما بقي من الحزب والبحث عن حلفاء اللحظة العابرة . ان فكر لشكر , هو مجرد نتاج لخبرته التنظيمية الطويلة داخل الحزب والتي تميزت بمراقبة الخصوم الحزبيين وابعادهم عن المواقع الحزبية في انتظار اقصائهم .                 لننتقل الان الى معركة الشبيبة ونرى كيف جسدت بطريقتها الخاصة الحل التنظيمي ” الهادئ ” الذي قاده لشكر بنفسه ليتحول الى فتنة حركتها ايادي الكاتب الاول الطويلة في تنظيم الشبيبة .وتحدثت وسائل الاعلام ” عن اللجوء الى استعمال الكروموجين والتراشق بالكراسي ونقل بعض المؤتمرين الى المستعجلات , ثلاثة منهم في حالة خطيرة كما اصيبت قيادية في الحزب [ عضو المكتب السياسي ] بلكمة قوية الى الوجه اصابتها في الانف وتسببت لها في نزيف حاد …” . فاين هو الحل الهادئ المزعوم ؟ صحيح ان الشبيبة الاتحادية كانت دائما على يسار الحزب ولكن عبر مواقف سياسية مخالفة وليس من اجل الاستلاء على المواقع القيادية وحسب .

واخيرا جاء دور النقابة , الفدرالية الديمقراطية للشغل , التي بدأ فيها الخلاف منذ مدة , وقبل استلام لشكر لمنصب الكاتب الاول للحزب , بين الموالين له والقيادة الرسمية للنقابة . ومن المؤسف ان يشتعل الخلاف حول حيازة مال النقابة وهو مال عمومي تمنحه الدولة . حسب علمي لم يثبت في تاريخ اية نقابة , لا ان لا يتم انتخاب المؤمرين في نقابة موجودة سلفا ويحل محلهم المجلس الوطني , ولكن السرعة الفائقة التي تم بها عقد المؤتمر ,  ففي 18 يوليوز تقرر عقد المؤتمر وفي 19 من نفس الشهر , أي في يوم الغد , عقد المؤتمر وكأنه بمثابة مؤتمر تأسيسي . ونجح  الكاتب الاول مرة اخرى في خلق قيادة نقابية جديدة موالية له . دون ان تكون هناك خلافات حول المطالب النقابية او المواقف السياسية .   ولكن لنكن على بينة من امرنا فهذه الأزمة التي يعيشها الاتحاد بسبب سلوك القيادة الحالية لن تؤدي بالحزب الى الانهيار لسببين :– الاول والحاسم ان الاتحاديين سيظلون يتمثلون تاريخ حزب عتيد نحث لأول مرة في تاريخ المغرب شعار الانتقال الديمقراطي بقيادة مناضل كبير وعفيف هو عبد الرحمان  اليوسفي . والسبب الثاني ان الدولة شئنا او ابينا من مصلحتها ان تحافظ على التوازنات السياسية والحزبية .