نعيد النشر وفاء لذكرى الشهيد عمر بنجلون …


نشر بجريدة الاتحاد الاشتراكي في  18 / 12 / 2009

 تفاصيل الجريمة التي راح ضحيتها الشهيد عمر بنجلون

 

 

          وصل الخبر كالصاعقة، كقنبلة انفجرت، داخل جريدة «المحرر» يوم الخميس الأسود قبل أربع وثلاثين سنة، واهتزت لها أركان إدارة «المحرر»، ثم انتشر الخبر كالبرق، في أوساط المناضلين في الأقاليم، جريمة اغتيال الشهيد عمر بنجلون الذي كان قبل الجريمة ببضع ساعات قد انتهى من كتابة ركن «بصراحة»، وهو الموعد الذي يغادر فيه مقر الجريدة بعد ظهر كل يوم.

          وقعت الجريمة يوم الخميس 18 دجنبر 1975، عندما كان الشهيد قد خرج من منزله حوالي الساعة الثالثة والربع بعد الزوال وتوجه نحو سيارته بشارع المسيرة الخضراء، حيث فوجئ بطعنة في ظهره وبضربة قوية على رأسه.

          تنظيم «الدفاع عن الإسلام»

          نفذت الجريمة في واضحة النهار وأمام منزل الشهيد، وأمكن القبض مباشرة على أحد المجرمين الذين شاركوا في تنفيذها، ثم اتسعت الاعتقالات لتشمل في نفس الليلة مجرمين آخرين، وبعد أسبوع قدمت المجموعة الأولى إلى المحاكمة حيث تم استنطاقها من طرف قاضي التحقيق بغرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء يوم 24 دجنبر 1975 وكان عددهم ثمانية، وبعد ستة اشهر اعتقلت مجموعة ثانية وهي توزع المناشير السرية، والتي تهجمت بكيفية قذرة على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وقادته، هذه المجموعة هي لتنظيم سري يدعى «الدفاع عن الإسلام»، وهو نفس التنظيم الذي وزع قبل ذلك منشورا يدافع فيه عن قتلة الشهيد عمر بنجلون.

          وكان من بين المعتقلين، الفقيه محمد الحمداوي، مدير مدرسة حرة بالدار البيضاء الذي سيطلق سراحه في 1976/07/09، رفقة بعض الشبان الذين اعتقلوا معه، وهم عم عبد الكريم مطيع، احد المسؤولين عن العصابة التي اغتالت الشهيد عمر بنجلون، وكان من بين المعتقلين في قضية المناشير التي هاجمت الاتحاد الاشتراكي بكيفية قذرة، بالإضافة إلى عبد اللطيف الحمداوي، وهو معلم بالدار البيضاء وذو قرابة عائلية مع عبد الكريم مطيع.

          كما قدم كمال إبراهيم إلى قاضي التحقيق، بعد اعتقاله في بداية سنة 76، عندما كان يحاول الفرار والخروج من المغرب عن طريق سبتة، ويعتبر من بين العناصر الأساسية في الشبيبة الإسلامية التي نفذت الجريمة، كما قدم إلى قاضي التحقيق جابر بن الحسن الذي وزع في بعض مدارس الدار البيضاء والرباط، وكذا بعض الكليات، منشورا مع ملصقات في نفس الموضوع لجمعية الشبيبة الإسلامية، المنشور يتحدث عن قتل عمر بنجلون وعن المتهمين في القضية وعلى رأسهم المسمى كمال إبراهيم الذي تم اعتقاله للتحقيق معه، وكذلك عن عبد الكريم مطيع الذي يقول عنه المنشور انه المرشد العام للشبيبة الإسلامية.

          لغز النعماني

          في شهر دجنبر 1977، الشرطة ستلقي القبض على محمد النعماني الذي كان في حالة فرار، وهو واحد من الجناة الذين ارتكبوا الجريمة الشنعاء ضد الشهيد عمر بنجلون، لقد لعب دورا كبيرا في تنظيم عملية تنفيذ جريمة الاغتيال، وهو الذي كان مسؤولا عن العصابة، وهو من أعطى الأوامر المباشرة، وهو من كان وراء عملية الاعتداء التي تعرض لها الأستاذ المنياوي بثانوية مولاي عبد الله، علاوة على عمليات أخرى. عبد العزيز النعماني هذا كان مسجلا بكلية الحقوق بالرباط بعد أن حصل على الباكالوريا المعربة عن طريق ثانوية لارميطاج «الأزهر».

          بدأت محاكمة منفذي جريمة الاغتيال يوم الجمعة 22 يوليوز 1979، بغرفة الجنايات التابعة لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء في مقرها القديم الكائن بشارع فيكتور هوجو برئاسة السيد يحيى الصقلي، ومثل النيابة العامة السيد الأخضر أحمد.

          حسب قرار الإحالة، يتبين أن الأشخاص الذين توبعوا من أجل جرائم القتل العمد وتكوين عصابة هم:

1 – أحمد سعد  -2- مصطفى خزار  -3 – عبد المجيد خشان   -4- عمر أوزكلا  -5 – عمر حليم  -6– إبراهيم كمال – 7-  أحمد أوشعيب  -8- حسن جابر  -9- حسن كندي

          أما الذين توبعوا من أجل جرائم إعداد نزل لإخفاء مجرمين، والمشاركة في تكوين عصابة مجرمين فهم:

1 – أحمد العمري

2 – محمد شوقي.

          لقد تعاقب على التحقيق في القضية ثلاثة قضاة هم السادة: محمد الانصري الفيلالي، محمد الهرابدي، احمد الكسبيمي، كما أن الدفاع عن الطرف المدني طالب رسميا بالبحث عن اختفاء إحدى الوثائق الهامة من ملف القضية.

          استغرقت جلسة الجمعة 22 يوليوز 1979 زهاء ساعتين وانتهت بقرارين اثنين:

1 – تأجيل المحاكمة إلى أن يصبح الملف جاهزا

2 – رفض السراح المؤقت الذي طالب به دفاع منفذي الجريمة.

          ويظل أهم ما كشفت عنه الجلسة الأولى هي الحقائق التي أماط عنها اللثام دفاع الطرف المدني بلسان الأستاذ الحاج محمد الناصري، عن اختفاء وثائق أساسية ومستندات هامة من ملف القضية، وبالذات ملف المتهم كمال إبراهيم.

          آخر المعتقلين في هذه الجريمة النكراء، كما تمت الإشارة إلى ذلك، هو المدعو عبد العزيز النعماني الذي قبضت عليه الشرطة في شهر دجنبر 1977، وهو من هيأ للاغتيال ونفذ الجريمة يوم الخميس الأسود، متورط حتى النخاع في الاغتيال، استقر في إحدى المزرعات بين الدار البيضاء والجديدة حيث أقام سنة مختفيا عن الأنظار. في سنة 1976 استطاع عبد العزيز النعماني اجتياز مباراة الالتحاق بمركز تكوين الأساتذة، كما استطاع الحصول على وثائق إدارية من الكوميسارية التي كانت إعلانات البحث عنه وصوره معلقة على جدرانها، ولعل النقطة الأكثر إثارة للتساؤل والعبث، كما قال الفقيد السي عبد الرحيم بوعبيد، هي نقطة النعماني عبد العزيز.

          لقد كان هذا الاسم، اسم النعماني، محور كل أقوال المعتقلين، كما صدر الأمر بإلقاء القبض عليه ووزعت السلطات الأمنية صوره على كل مراكزها ومراكز الحدود، ولكنه اجتاز المباراة والملف في طور التكوين والبلاد تعيش على إيقاع الفاجعة!

          لماذا لم يقدم عبد العزيز النعماني للمحاكمة؟ لقد كتبت «المحرر» في هذا الصدد (12 دجنبر 1979): «هؤلاء منفذو الجريمة فأين مدبروها؟!»

           في ملتمس كتابي تقدم به دفاع الطرف المدني، تم التأكيد على حقيقة اعتقال عبد العزيز النعماني سنة 1977، وهو على أهبة مغادرة المغرب نحو اسبانيا، واستغرب الدفاع كيف لم يتم تقديم المتهم لقاضي التحقيق ولا للمحكمة، وحول هذا الموضوع وجه الفقيد السي عبد الرحيم بوعبيد رسالة إلى رئيس غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالبيضاء، يؤكد فيها: «اعتقال عبد العزيز النعماني من طرف الشرطة»، وتضيف الرسالة:»وقد أخبرت بهذا الحادث من طرف السلطات العليا في البلاد المكلفة بمتابعة المجرمين والسهر على أمن المواطنين». وفي بداية الثمانينات من القرن الماضي، ذكرت إحدى الأخبار أن النعماني تعرض لحادثة سير غامضة، لقي حتفه على إثرها، لكن شهر يونيو 2003 سيعرف نشر خبر عن اعتقاله وهو يحاول اجتياز أحد الحواجز الأمنية بالشمال، حيث ضبط لديه جواز سفر مزور، وحصل الاعتقال في إطار الاعتقالات التي طالت مجموعة من المتطرفين في سياق التحقيق في الحادث الإجرامي الذي عرفته مدينة الدار البيضاء في 16 ماي 2003.

          اختفاء وثائق أساسية من الملف

          المحضر الإجمالي الذي حررته الضابطة القضائية على اثر اعتقال المسمى كمال إبراهيم، وتقديمه إلى السيد قاضي التحقيق بتاريخ 7 يناير 1976، يشير إلى أن من بين مرفقاته محضر للتفتيش والمحضر المتعلق باستنطاق المتهم. إلا أنه بعد 7 و8 يناير 1976، وبعد أن قدمت هذه الوثائق إلى قاضي التحقيق، تم اكتشاف اختفائها، وهي للإشارة وثائق تعتبر منطلقا من المنطلقات الأساسية للوصول إلى الحقيقة.

          كانت هيأة دفاع الأطراف المدنية تتكون من الأستاذين: محمد الناصري، عبد الرحيم برادة، والأطراف المدنية من عائلة الشهيد الصغرى، وعائلة الشهيد الكبرى، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. أماالشهود الذين حضروا في هذه المحاكمة فهم: لحفاظ علال بن صالح، حرشي ميلود، مصطفى القرشاوي، مصطفى القادري، ازيلا نزهة، بينما تغيب عن الحضور لعدم التوصل بالاستدعاء الشهود: السعودي عبد الله، بلملحمة بوشعيب، بن كيران عبد الرحيم. وكانت النيابة العامة ممثلة بالسيد أحمد الأخضر، وهيأة المحكمة تتكون من السيد يحيى الصقلي رئيسا، ومن السادة: الحرارفي، بن عمر، بن دريس، الغرباوي، الخمليشي، وكتابة الضبط السيد الحاج عبد الله أبو النعائم.

          استأنفت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء صباح يوم 10 دجنبر 1979 النظر في ملف الجريمة و شرعت غرفة الجنايات في مناقشة القضية حوالي الساعة التاسعة وخمس عشرة دقيقة من يوم 10 دجنبر 1979.

          في بداية الجلسة تقدم الأستاذ عبد الرحيم برادة باسم هيئة دفاع الطرف المدني بملتمس كتابي طالب فيه بتأجيل البت في جوهر القضية إلى أن يصدر قرار المجلس الأعلى في طلب النقض الذي تقدم به الدفاع المذكور إثر تأييد غرفة الاستئناف لقرار عميد قضاة التحقيق القاضي برفض فتح تحقيق حول اختلاس بعض وثائق الملف، كما طالب الدفاع في ملتمسه هذا بتقديم المتهم عبد العزيز النعماني الذي كان يوجد رهن الاعتقال والتحقيق معه، وإصدار أمر دولي بإلقاء القبض على المتهم عبد الكريم مطيع، وبعد المداولة قررت المحكمة تأجيل البت في جوهر القضية حيث رفعت الجلسة حوالي الساعة الثانية عشر والربع.

          مطيع والشبيبة الإسلامية

          عبد الكريم مطيع أسس جمعية الشبيبة الإسلامية سنة 1973 رفقة كمال إبراهيم على أساس مواجهة التيار اليساري التقدمي، وركزت الشبيبة الإسلامية في البداية عملها على المساجد والإعداديات والثانويات كأرضية لترسيخ خطابها السياسي.

          وأول عمل قام بتنظيمه هو تنفيذ مبدأ التكفير في حق مدرس من صفوف حزب التقدم والاشتراكية يوم 27 أكتوبر 1975، عندما تم الهجوم على الأستاذ عبد الكريم المنياوي بالسلاح الأبيض أمام ثانوية مولاي عبد الله بالدار البيضاء، حيث كان يدرس.

          عبد الكريم مطيع فر من عدالة المغرب، وهو محكوم عليه تارة بالمؤبد وتارة بالإعدام جراء تورطه في عملية إرهابية في كل من فندق آسني، بعد أن لطخ يده بدم الشهيد عمر بنجلون، وهو من أمر أعضاء الخلية التي كان يترأسها عبد العزيز النعماني بأن ينفذوا الأوامر الصادرة من النعماني، الشيء الذي استنتج منه أن عبد الكريم مطيع هو الذي أصدر الأوامر بتنفيذ الاغتيال بمشاركة نائبه في رئاسة الشبيبة الإسلامية إبراهيم كمال.

          وأشارت الشرطة القضائية بصفة خاصة في استنتاجاتها المضمنة في المحضر الإجمالي للقضية إلى أن جمعية الشبيبة الإسلامية قد أسسها إبراهيم كمال وعبد الكريم مطيع لغاية ظاهرة هي خدمة الإسلام، لكنها كانت تهدف في الحقيقة إلى التصفية الجسمانية للشخصيات السياسية والفكرية التي كان إبراهيم كمال وعبد الكريم مطيع يعتبرانها تحمل أفكارا مخالفة للإسلام، ثم إن هذه الجمعية قد توصلت منذ تأسيسها بدعم مادي ومعنوي مهم من شخصيات بارزة ومنظمات أجنبية لتحارب بالعنف المادي الأشخاص الذين يعتبرهم إبراهيم كمال وعبد الكريم مطيع ومساندوهما أعداء للإسلام. وقد أسست هذه الجمعية لهذه الغاية خلية عهد برئاستها إلى المسمى عبد العزيز النعماني بقصد تنفيذ جريمة اغتيال الشهيد عمر بنجلون.محاكمة صورية

          شرعت غرفة الجنايات التابعة لمحكمة الاستئناف بالدارالبيضاء يوم 15 شتنبر 1980 من جديد في النظر في قضية المتهمين بتنفيذ الجريمة، غرفة الجنايات كانت مشكلة من السادة بوعسرية رئيسا وعضوية ابن عمر، العبدلاوي واعزيزي زواكو والحمزاوي عضوا احتياطيا، النيابة العامة مداح، كتابة الضبط أبو النعائم. ومثل أمامها في قفص الاتهام:

          أحمد سعد، مصطفى خزار، عبد المجيد خشان، عمر اوزكلا، عمر حليم، محمد مستقيم، أحمد العمري، محمد شوقي، إبراهيم كمال، حسن جابر، أحمد شعيب، حسن كندي (متهم في حالة فرار)، عبد العزيز النعماني (متهم في حالة فرار) عبد الكريم مطيع (متهم في حالة فرار) وكان المجلس الأعلى قد بت بصفة نهائية في مسألة اختفاء الوثائق، ونفى واقعة اعتقال المتهم عبد العزيز النعماني، كما اعتبر أن استدعاء بعض الشهود لا محل له، وأكد أن القضية جاهزة للحكم فيها.

   أما الطرف المدني فقدم ملتمسا حول

1 – استدعاء الشرطيين اللذين قاما بإجراء البحث قصد مقابلتهما مع المعنيين بالأمر، خاصة وان جلهم أنكر ما نسب إليه، أمام قاضي التحقيق.

2 – استدعاء المدير الإقليمي للأمن الوطني بالدار البيضاء قصد استفساره عن السبب الذي من أجله لم يستجب لطلب موافاة المحكمة بنسخ محاضر الشرطة المتعلقة بالاستماع للمتهم كمال إبراهيم.

3 – الاستماع إلى الأستاذ عبد الرحيم بوعبيد الموجود بالجلسة في شأن توضيح الغموض الواقع في مسألة اعتقال النعماني في شهر دجنبر 1977. – وفي تصريحه، قال الأستاذ الناصري من هيئة دفاع الطرف المدني: «إن الجريمة سياسية، الغرض منها إسكات صوت أحد المدافعين البارزين عن الديمقراطية والاشتراكية في العالم الثالث، من طرف مجرمين مسخرين.»

          وقد أصدرت غرفة الجنايات التابعة لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء مساء يوم 18 شتنبر 1980 أحكامها على منفذي اغتيال الشهيد عمر بنجلون، وقرر الطرف المدني عدم تزكية المحاكمة، فأدلى الدفاع أمام الغرفة بتصريح يضع القضية في إطارها ويبين مسؤوليات السلطات الحكومية والقضائية التي لم تكن في خدمة الحق والعدالة، معلنا في الأخير انسحاب الطرف المدني وترك للمحكمة مسؤولية مواصلة المحاكمة دون مشاركة.

          وفي بلاغ له بتاريخ 19 شتنبر 1980، وضح المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي «إن محاكمة 18/15 شتنبر 1980 لم تكن سوى

محاكمة صورية»، وأكد «أن الاتحاد الاشتراكي الذي يهمه الوصول إلى الحقيقة والضرب على الأيدي المجرمة التي خططت ودبرت ونفذت

اغتيال الشهيد عمر بنجلون، لا يمكن إلا أن يعتبر ملف اغتيال عمر بنجلون مازال مفتوحا.»