مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء 17 دجنبر 2014

من المسلم به والمفترض ان  يكون اهل الحل والعقد من نخب سياسية ودينية وفكرية وعلمية … مدركين  لادوارهم ملمين بواجباتهم عارفين بحدودهم. مستوعبين لخطواتهم ومبادراتهم… يتحكمون في الميزان الذي اكتسبوه في حياتهم الخاصة والعامة والذي ييسر لهم ليس فقط  معرفة المصلحة من المفسدة  بل يمكنهم من  تنزيل وتطبيق ما يعتقدون  انهم يعرفونه ويدعون  اليه…من رعاية لمصالح من يمثلون او يتحدثون باسمهم ..وكذا  بالتعامل الرصين والناجع مع الاشكالات والقضايا التي تحتاج الى معالجات  والتي قد تمتد اثارها الى العموم ايجابا وسلبا  مما يحقق مصلحة او مفسدة …

…  ولقد قال  الغزالي عن المصلحة والمفسدة  .. المصلحة ((عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مفسدة…والمحافظة على مقصود الشرع من الخلق خمسة وهي (الدين, والنفس، والنسل، والعقل, والمال)…فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة))

وقال ابن القيم .. (والشريعة مبناها وأساسها يقوم على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد, وهي عدل كلها, ورحمة كلها, ومصالح كلها, وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور, وعن الرحمة إلى ضدها, وعن المصلحة إلى المفسدة, وعن الحكمة إلى العبث, فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل).

 وفي علاقة بالموضوع تحدث الاقدمون عن  الحسن والقبح .. فقالوا الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح ما فيه مفسدة، وغيرهما  لا يكون شيئا منهما.

…إن منهجية ما يعرف  بفقه / سياسة  الموازنة بين المصالح والمفاسد  في امور الدين والدنيا  من الامور الواجب على الجميع العلم بها في حدودها الدنيا لانها تدل على ترجيح للمنطق و تبرز مدى امتلاك بصيرة مميزة ..لان حدود التقاطع والتداخل بين المصلحة والمفسدة والخير والشر والنية الحسنة والنية السئة قد يتسبب في ارتكاب اخطاء وزلات يمكن ان  تكون كارثية وتقدم – اي تلك الاخطاء – على انها عين العقل والصواب  والحل الامثل ..

..واقدام الناس على افعال ومواقف او اصدار اقوال  تحت غطاء النصح وفعل الخير  وخدمة مصالح الخاصة /العامة  ابتغاء مرضاة الضمير والله .. قد يكون في ذلك  ارتكاب  لمفسدة اكبر باعتبار جوهر الفعل او القول ونتائجه القريبة والبعيدة  ..فالذي يكفر الناس ويامر بالقتل وينفذه يعتقد ان ما يفعله هو المصلحة العظمى..

.. ان المتعاملين  مع شؤون الناس الملموسة  والفكرية دينيا ووضعيا يجدون انفسهم في العديد من الحالات ان لم نقل اغلبها امام اشكاليات تتعلق بالترجيح تصل احيانا لدرجات التعارض والتضاد الذي قد تضيع في متاهاته المصلحة الراجحة  بعدم امتلاك المعرفة المعقولة والتشبع بالموضوعية  و القدرة على التمييز بين الامور و الاراء والمواقف .. وعدم القدرة  على اعلان وترجيح الراي الاسلم توفيقا او تقويما  او ابطالا بعيدا عن الذاتيه والانانية  التي قد  تختفي المفسدة العظمى وراءها ..

فمثلا يضيع المتعاطي للشؤون العامة متابعة او تدبيرا او تسييرا  بين اشكالات  ..

*منها عدم القدرة على معرفة المصلحة التي يجب ان تقدم عندما تتعدد المصالح حول نفس النازلة  …وهذا ما يعرفه الفقهاء بالمصلحة الراجحة في مقابل المصلحة المرجوحة ..بما في ذلك احتمال الجمع بينهما ..وهذا شرعا وعقلا لايعني اطلاقا ازالة صفة المصلحة عن الثانية لان في العمل بالاولى تحقيق  ضمني لما ذهبت  اليه الثانية  …ويسمى هذا عين العقل وجوهر الشرع ..

… ونسوق هنا مثالا دفع به  العز بن عبد السلام حيث قال : (واعلم أن تقديم الأصلح فالصالح… مركوز في طبائع العباد… فلو خيرت الصبي الصغير بين اللذيذ والألذ لأختار الألذ, ولو خير بين الحسن والأحسن لأختار الأحسن, لا يقدم الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح أو شقى متجاهل لا ينظر إلى ما بين المسرتين من تفاوت)

..وقال ابن القيم: (وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما)

*ومنها المعرفة والتجربة المحققة  للتمييز بين   الأكثر مفسدة و الأقل مفسدة…باختيار المفسدة الاقل ..

…وفي هذا قال ابن القيم (إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله, فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ماهو أنكر منه, وأبغض إلى الله ورسوله, لا يسوغ إنكاره, وإن الله يبغضه, ويمقت أهله,…)

*ومنها التعرف على  الجهة الراجحة اي  التي تقدم  عند تزاحم وتداخل  المصالح مع المفاسد .. ان كل مصلحة لا تخلو من مفسدة وكل مفسد لا تخلو من مصلحة..في تلازم نسبي في اي فعل من الافعال  … فلهذا يلزم ان يكون  الحكم لفائدة المصلحة الراجحة…

 ..ان امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن هدم  الكعبة  لاعادة بنائها  على أساسها الاصلي الذي اقامه  إبراهيم عليه السلام..كان بسبب  ان المصلحة الحقيقية والافضل والتي  هي بناء البيت على اسسه الاصلية  ستتسبب في حالة الاقدام عليها حصول  مفسدة أكبر  لان الناس لن يقبلوا بشكل قوي بالامر مما سؤدي الى  فتنة وضرر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مفسرا الامر : (يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم –قال ابن الزبير بكفر- لنقضت الكعبة, فجعلت لها بابين باب يدخل الناس وباب يخرجون)

..قال الشاطبي: (فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب, فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفاً, وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفاً)

فالمصالح والمفاسد اذن تتعارضان سواء  كانتا دينيتين او دنيويتين …واحيانا قد تكون احداهما دينية والاحرى دنيوية …

.. اما عندما تتساوى المصالح والمفاسد فاحيانا يقدم  دفع المفسدة بدل تحقيق المصلحة ..وقد يتم الجمع بينهما معا دفعا وتحصيلا …ومن الامثلة المعاصرة ما نراه اليوم من قيام البعض بمبرر الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بقتل المخالفين من مسلمين وغير مسلمين ..لان من يتعاطون عندهم الارشاد والتوجيه يروجون لهم تضليلا ما هو عين المفسدة على انه هو عين المصلحة … فيسيؤون للناس والاسلام والعمل الصالح..

 يقول الامام الشاطبي ..”المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة انما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الاخرة .لامن حيث اهواء النفوس في جلب مصالحها العادية او درء مفاسدها العادية “

ان التعامل مع الشؤون العامة لايكون بالمزاج والمنفعة الشخصية وارضاء النفس  ..لان ذلك يتعارض مع الصلاح والاصلاح والتعقل واقامة الامور وادارتها بالعدل ..لهذا لايجوز اطلاقا على الافراد والجماعات اتباع الاهواء وبناء مواقفهم وقراراتهم عليها لان ذلك هو المفسدة عينها كمن يضحي بوطنه  واهله  من اجل مصالح وامتيازات  مما  يتسبب في ظلم عظيم قال تعالى ..(ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السماوات الارض ومن فيهن )  المؤمنون

 ونختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم:((مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا))