كلمة العقلية (نسبة إلى العقل) تعني، في السياق الذي يهمنا، الطريقة في التفكير. وهي نتاج عوامل عدة تتعلق بالتنشئة الاجتماعية (بمفهومها الواسع) وبالوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي…للأشخاص. وبهذا، يمكن اعتبارها حالة ثقافية. وبالتالي، تصبح عصية على التغيير؛ ذلك أن العقلية، بهذا المعنى، ترفض التكيف السريع مع المستجدات وتعادي “القيم” الجديدة المرتبطة بها. فمن المعلوم أن تغيير العقليات لا يتم بين عشية وضحاها. إنه مسار طويل  وصعب ويحتاج إلى تضافر عدة عوامل، يتداخل فيها الشخصي بالجماعي (كالمحيط الثقافي والاجتماعي وغيرهما).

أما صفة “الانقلابية” المنسوبة إلى هذه الطريقة في التفكير، فهي مشتقة من كلمة “انقلاب” المشتقة بدورها من فعل “انقلب” الذي يعني، من بين ما يعنيه، “تحوَّل” و”تغيَّر”. فالانقلاب يعني إذن، لغة، تحول الشيء عن وجهه أو إلى ضده، الخ؛ واصطلاحا، يعني تغييرا مفاجئا في نظام الحكم يقوم به، عادة، بعض قادة الجيش. وفي هذه الحالة، تضاف إليه صفة “عسكري”. لذلك، نسمع مثلا، في الأخبار، “لقد وقع انقلاب عسكري في دولة كذا…”. وبمعنى آخر، فإن الانقلاب، بهذا المعنى، هو أخذ الحكم بالقوة.

ونحن، هنا، سوف لن نهتم بالانقلاب كتغيير لنظام الحكم؛ ما يهمنا، هو فقط السلوك الفردي أو الجماعي (جماعة محدودة) الذي يمكن وصفه بالانقلابي لكونه يتعارض وما تنتظره الجماعة بمفهومها الواسع. فعبارة “العقلية الانقلابية” هي تعبير قدحي عن حالة نفسية و/أو فكرية، تترجم على أرض الواقع بمواقف أو سلوكات لا تنال الاستحسان والرضا . وبما أن العقلية تعني الطريقة في التفكير، فإن وصفها بـ”الانقلابية” هو تعبير عن الشخصية الحقيقية للموصوف (أو الموصوفين) بهذا النوع من السلوك. وبمعنى آخر، فإن السمة الأساسية في شخصية بعض الأفراد (بغض النظر عن كونهم ينتمون  للمجال العسكري أو المدني؛ أو كونهم  يشتغلون بالحقل السياسي  أو النقابي أو الجمعوي…)، هي “الانقلابية” التي تعني، من بين ما تعنيه، الغدر والخيانة ، التنكر للمبادئ ونقض العهود، الخ.

 والعقلية الانقلابية هي عقلية تآمرية بامتياز. وبذلك، فهي تتناقض والعقلية الديمقراطية. وهذا لا يعني أن صاحب العقلية الانقلابية لا يسعى إلى الاستفادة من الوسائل والأدوات التي تتيحها الديمقراطية. بل بالعكس، فهو كثيرا ما يختبئ وراء الديمقراطية لتحقيق مآربه، وسنده في ذلك أن “الغاية تبرر الوسيلة”.

فالمتشبع بالعقلية الانقلابية (أو التآمرية) هو، إذن، انتهازي بطبعه؛ لكنه يعمل على إخفاء ذلك بالتستر وراء شعارات رنانة، لكنها زائفة، ومواقف قوية، لكنها خادعة. وأتذكر، هنا، مقالا، كنت تحدثت فيه عن الفرق بين الانتهازي والمناضل (جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، 2 غشت 2014). وقد حاولت أن أبين فيه صعوبة التمييز بينهما لكون الانتهازي يرتدي قناع المناضل؛ فيصبح من الصعب كشفه (خصوصا إذا كان من أصحاب النفَس الطويل والتخطيط على المدى البعيد) قبل أن يضرب ضربته ويحقق أهدافه، بعد أن يكون قد خدع الجميع. وهذا ما ينطبق تماما على صاحب العقلية الانقلابية في علاقته بالديمقراطية.

فالمتآمر أو الانقلابي يفعل مع الديمقراطية ما يفعله الانتهازي مع النضال. فهو يتستر وراءها ويَتقنَّع بقناعها في انتظار أن ينقض على “الهمزة”. وتجدر الإشارة إلى أن هذا لا يقتصر على مجال بعينه؛ بل يهم كل المجالات، بما فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والرياضي… وكل الهيئات المرتبطة بهذه المجالات من جمعيات ونواد ومؤسسات، الخ.

ولا نحتاج إلى كبير عناء لإيجاد أمثلة على ذلك في تاريخنا الحاضر؛ ذلك أن العقلية الانقلابية تكاد أن تكون حاضرة في كل المجالات. فدون أن نتناول ما يقوم به بعض رؤساء الدول (المتخلفة، طبعا) أو الأحزاب من تغيير، على التوالي، في دساتير بلدانهم أو أنظمة أحزابهم من أجل الاستمرار على رأس الدولة أو الحزب لولاية أو ولايات أخرى (ربما مدى الحياة)، نكتفي بالإشارة إلى أن السيد “عبد الإله بنكيران”، الذي جاءت به صناديق الاقتراع إلى رئاسة الحكومة، لم ينتظر طويلا  ليعلن انقلابه، مستغلا في ذلك منصبه الدستوري، على جميع المغاربة الذين صوتوا بكثافة لصالح دستور فاتح يوليوز 2011.

فبدل أن يجتهد في تفعيل نص هذا الدستور اعتمادا على التأويل الديمقراطي لبنوده من أجل تكريس المكتسبات الديمقراطية وتعزيزها، راح يشتغل بعقلية دستور 1996؛ إلا ما كان من التعيين في المناصب العليا؛ وذلك  لأسباب لا تخفى على كل لبيب.

وتبرز السمة الانقلابية في عقلية رئيس الحكومة من خلال تنكره لتعهداته والتزاماته، سواء تلك الواردة في البرنامج الانتخابي لحزبه (حزب العدالة والتنمية) أو تلك المصرح بها في البرنامج الحكومي أمام البرلمان. فما يقوم به “بنكيران” على أرض الواقع، لا يمكن إدراجه إلا في خانة العقلية الانقلابية التي تستعمل كل الوسائل (الكذب، الخداع، المناورة…) للوصول إلى مبتغاها؛ ثم، بعد ذلك، تنقلب، وأساسا، على الذين اتخذتهم مطية لتحقيق أغراضها.

وسوف نكتفي، في هذا الصدد، بحالتين لهما دلالة سياسية واضحة: الأولى تتعلق بشعار محاربة الفساد. فبعد أن تعاقد حزب “البيجيدي”، بقيادة “عبد الإله بنكيران”، مع الناخبين على محاربة الفساد، يلجأ رئيس الحكومة، في أول امتحان له على صدق نيته، إلى رفع الراية البيضاء أمام المفسدين بقولته المشهورة “عفا الله عما سلف”. أليس هذا انقلابا على الناخبين الذين وضعوا ثقتهم في الحزب الذي وعدهم بمحاربة الفساد؟ أليس في ذلك خيانة للأمانة؟…أليس…؟  وليس…؟…  

أما الحالة الثانية (وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأولى)، فتتعلق بهجوم الحكومة الحالية على القدرة الشرائية للفئات الفقيرة وذوي الدخل المحدود.  فبدل أن تحسن ظروف عيش الفئات المعوزة من الشعب المغربي وتحسين قدرتهم الشرائية، كما وعد بذلك الحزب الأغلبي – أو على الأقل أن تحافظ على استقرار تلك القدرة الشرائية المتدنية أصلا-، راحت توجه إليها الضربات الموجعة تلو الأخرى (مع الادعاء بأنها تعمل لصالح الفئات الفقيرة)، في حين تجتهد في إرضاء الفئات الميسورة وأصحاب المداخيل المرتفعة.

وإذا أردنا أن ننظر في الحقل الحزبي والنقابي والجمعوي… فسنجد أن البعض قد ركب صهوة الديمقراطية ليصل إلى قيادة الحزب أو النقابة أو الجمعية. وبعد ذلك، استولى على مقاليد الأمور ولم يشأ أن يتزحزح من مكانه قبل أن يقول عزرائيل كلمته. ولست بحاجة أن أورد، هنا، الأسماء أو الحالات (فهي أشهر من نار على علم) ، سواء من الذين رحلوا عنا أو الذين هم قاب قوسين أو أدنى من الرحيل (الأعمار بيد الله؛ “ما عرفنا شكون يسبق”). 

وهناك، في الحقل الحزبي، اليساري بالخصوص (وإن كانت حتى بعض الأحزاب اليمينية تشكو منها)، ظاهرة لها علاقة وثيقة بالعقلية الانقلابية. ونقصد بذلك ما يسمى بالحلقية. فبعض الناس لا يجدون أنفسهم إلا في هذا النوع من العمل المغلق؛ إذ يتحول العمل السياسي عندهم إلى الاشتغال خارج المؤسسات الحزبية وخارج ضوابطها. لكنهم يسعون، بممارسة الضغط والتناور، إلى التحكم في أجهزتها وفي قراراتها. وعند فشلهم في ذلك، يلجئون إلى سياسة الأرض المحروقة؛ فيصبحون أداة للهدم والتدمير. فالتصدعات التي تحدث في بعض الهيئات السياسية (لكن الأمر يعني، أيضا، المنظمات النقابية والإعلامية والثقافية والحقوقية والرياضية والتربوية…)، كثيرا ما يتسبب فيها أشخاص لا يقبلون الاحتكام إلى قواعد “اللعبة الديمقراطية”.   

خلاصة القول، يمكن اعتبار العقلية الانقلابية عائقا من العوائق الأساسية للبناء لديمقراطي والمؤسساتي.  فالمتآمر على الغير والمتشبع بالثقافة “التنظيمية” القائمة على الحلقية والمؤمن بضرورة الانتماء إلى مجموعة ضغط (لوبي، مصلحي بالأساس)… وما إلى ذلك من المواقف التي تتنافى والثقافة الديمقراطية وقواعدها، لن يقبل أبدا بالمؤسسات ولن يحترم قواعد اللعب ولن يمتثل للأنظمة الأساسية والداخلية ولن يقبل بأي ميثاق أخلاقي أو سلوكي… ويبقى الحل، من أجل الحفاظ على المؤسسات وحمايتها، هو الاحتكام إلى القانون “ولِّي فَرَّطْ  إكَرَّطْ”.  

19 دجنبر 2014