أربعون يوما مرت على تلك النهاية التراجيدية لحياة المناضل القيادي الاتحادي أحمد الزايدي, الذي فقد فيه المشهد السياسي والحزبي إطارا سياسيا ذا مصداقية, خبر الإعلام لسنوات فتميز فيه , ودبر الشأن المحلي بجماعته, فكان نموذجا للمستشار الجماعي “العضوي”, وقاد الفريق البرلماني الاشتراكي, فنال احترام جل البرلمانيين على اختلاف انتماءاتهم , في المعارضة كما في الأغلبية .
في هذه المناسبة الأليمة, سيستحضر كل من عرف الفقيد ,سواء عن قرب أو عن بعد , ما تفرد به من سمات طبعت سلوكه وأداءه وتدبيره لشبكة من العلاقات على مستويات متعددة ومتنوعة , ودون شك سيجمعون على تعداد خصاله الحميدة , من تواضع ونكران ذات , وجدية في التسيير والتدبير, وحسن تواصل وصدق الخطاب ..
بخصوصي أستحضر هنا واقعتين نوعيتين في علاقتي بالفقيد العزيز لما لهما من دلالات ذات راهنية على المستويين السياسي والحزبي :
الأولى : مباشرة بعد التصريح الحكومي لرئيس الحكومة الحالية أمام البرلمان عقب فوز حزب العدالة والتنمية بأول انتخابات في العهد الدستوري الجديد , جمعتني مع الفقيد جلستان , بدعوة منه , لمناقشة الخطوط العريضة لرد الفريق البرلماني على هذا التصريح , وكان السؤال المؤطر لهتين الجلستين هو : كيف نبني خطابا معارضا يأخذ بعين الاعتبار أن الحزب قد خرج لتوه من تجربة حكومية استمرت 13 سنة ؟ فماذا سنعارض وكيف ’ دون السقوط في ” المعارضة من أجل المعارضة” أو المعارضة من منطلق “مرجعي إيديولوجي” ؟
لقد كان الفقيد شديد الحساسية ,في تناوله لهذا السؤال , لأي معارضة مزايدة, وحريصا على ترجمة وأجرأة اختيار ” المعارضة البناءة والإقتراحية”, كما أقرها المجلس الوطني للحزب , إلى سلوك وخطاب يؤسسان لمعارضة قادرة على الاضطلاع بمهامها وصلاحيتها الجديدة كما نص عليها دستور 2011 . وكم كانت مداخلته في مجلس النواب أثناء مناقشة التصريح الحكومي عاكسة لاختيار المجلس الوطني ومعبرة عن نوعية المعارضة التي أقرها : معارضة بناءة , اقتراحية بخطاب موضوعي , عقلاني , ينتقد, ويفتح أفقا في نفس الآن .
الثانية: هي واقعة حدثت في شروط جديدة , أي في مناخ مخلفات المؤتمر التاسع للإتحاد الاشتراكي. ليست اللحظة مناسبة للحديث عن هذه المخلفات وعن المسؤوليات فيها , ولكن لابد هنا من التوقف عند حصيلة الفريق البرلماني الذي قاده الراحل استكمالا لما سبق ذكره أعلاه . ففي لقاء بين المكتب السياسي للحزب والفريق البرلماني يوم 2 أبريل 2014 دافع الأخ الزايدي عن أداء الفريق وحصيلته , موضحا علاقة الفريق بالحزب ومشاكله الداخلية التي أفرزها المؤتمر التاسع . وهذا بعض ما جاء في مداخلته , كما دونت ذلك في مذكرتي الخاصة :
_ عن الحصيلة قال : ” الحصيلة غنية في مضمونها , وازنة كما , نوعية من حيث المبادرات والمقترحات “, وردا على نعث معارضة الفريق بالمهادنة قال: “هذه مغالطة تكذبها وثائق حصيلتنا “, واستعرض في هذا السياق كيف ” قاد الفريق معركة تحصين حق المبادرة التشريعية للمعارضة , وانفرد بفضح وتعرية قانون التنصيب في المناصب العليا..” محيلا على المطبوع الخاص بالحصيلة, والتي تضمنت 18 مقترح قانون , تسعة منها قوانين تأسيسية , 614 تعديلا على مشاريع القوانين , 58 طلب لدعوة اللجن للإنعقاد لمساءلة الوزراء حول السياسات العمومية, 444 سؤال ذات بعد وطني أو جهوي .. ” وتفاصيل أخرى في مطبوع حصيلة الفريق في عهد رئيسه الفقيد ..ولم يتوقف السي أحمد عند حدود رصد ما أنجزه الفريق , وإنما أعطى تصورا لتطوير ما تحقق وذلك من خلا ل _ كما قال _ : ” التركيز على ممارسة الرقابة على السياسات الحكومية عموما , وإشراك الفريق في اتخاذ القرارات ومناقشتها ليستطيع الدفاع عنها , وإخضاع التنسيق مع أحزاب المعارضة لم هو موضوعي .. ”
وعن العلاقة المتوترة بين الفريق و قيادة الحزب أكد الفقيد بكلمات قوية واضحة على أن « الفريق هو مرآة ينعكس عليها عمل الحزب وتوجهاته, ويعمل تحت إشراف الحزب..و نحن معتزون بما قمنا به , وإذا رأت القيادة غير ذلك نحن ننضبط .. مرجعيتنا الوحيدة هي الإتحاد الإشتراكي , والفريق هو وجهه في البرلمان , وهذا ما نقوم به , وإذا كانت هناك اختلالات في عملنا الحزبي فلا ينبغي تحميلها للفريق .. لسنا مؤسسة فوق مؤسسة الحزب ولا حزبا داخل الحزب..”
هكذا تحدث الفقيد في ذاك الاجتماع , وبقية حلقات القصة معروفة,مؤسفة ومؤلمة , ولكن لا أحد تخيل يوما أن أحد شخوصها الرئيسيين ” سيموت في البحر عطشا”
فسلام على روحك النضالية الإتحادية الأصيلة .. نم مرتاحا, فالإتحاد الاشتراكي سيظل كطائر الفينق الذي ينبعث من رماده ..