كتاب صدر عن منشورات فكر، فرع مؤسسة فكر للتنمية والثقافة والعلوم، لصاحبه أحمد العلوي أستاذ اللغويات بكليات الآداب بفاس، والرباط، وبني ملال وعمان خلال سنوات 1970 إلى 2005.
والكتاب طائفة من الاقتراحات في القضايا اللغوية وفي مقدمتها العاملية اللغوية من خلال الرصد والتحليل الرصين …
يذهب أحمد العلوي إلى أنه من غير المعقول أن نتصور نظاما عامليا إفضائيا وأن نقبل مع ذلك المقولات المعجمية. النحو العربي القديم اعتاد أن يضع القواعد العاملية التي يملؤها انطلاقا من القوائم العاملية الحاملة للمقولات وأدوارها العاملية ولكن النحاة القدماء وسيبويه منهم كانوا كثيرا ما يشكون في المقولة وجدواها في النحو. يهمنا هنا أن سيبويه كان يميل إلى الحل الثاني فهناك عوامل مختصة بالأفعال وأخرى مختصة بالأسماء ولا يجاوز ذلك إلى التساؤل عن معنى هذا الاختصاص. القواعد العاملية تنظم في إطارها المحلات عن طريق الإفضاء بطريقة غير واضحة والمقولات تحلل في الأماكن المهيأة لها. من العوامل المختصة بالأفعال موقع الاسم. لذلك يذهب المؤلف إلى أنه ليس هناك اختصاص وإنما هناك إفضاء للشكل المقولي يقوم به عامل الشكل، وإذا كان الحلان متوازيين ومتعادلين في خصوص أمثلة بسيطة مثل «الرجل جاء» فإن التعادل يفقد عند البحث في أمثلة من نوع «إن يدخل ادخل» التي لا يقال فيها «إن يدخل سأدخل» أو مثل «إذا جاء دخلت» التي لا يقال فيها «إذا جاء سأدخل». الحد اللغوي يقضي بأن المتغير ليس هو العلامة الإعرابية التي تلحق الفعل وحدها وإنما المتغير هو شكل الفعل كذلك. لا يمكن في نظر أحمد العلوي أن تحل المشاكل المتعلقة بشكل الفعل إذا لم يعترف بعامل الشكل. ويكفي أن يقارن بين «مازال يلعب» و«مازال لعب» ليعرف أن الأمر ليس أمر اختصاص وإنما هو أمر إفضاء. ومما يجب الإشارة إليه الفصل بين العلامة الإعرابية التي نجعلها من اختصاص البنية العاملية وبين البنية الشكلية التي نجعل منها شكل الفعل وزمنه وحدثه وجهته التي هي عندنا عوامل شكلية تندرج بالنسبة لعامل شكلي كبير وتقوم على الوسائط. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام يقول المؤلف أن “إضافة العامل الشكلي إلى العامل التنظيمي يؤكد مرة أخرى استحالة تمثيل البنية العاملية التنظيمية والبنية الشكلية بطريق حسابية نظمية. علاقة العامل الشكلي بالمعمول علاقة حركية إفضائية. وإذا شئنا أن نصفها هكذا: «ع ش + معمول» فإننا لا نعدو أن نكون وصفنا وضعية جامدة مناقضة للواقع العاملي ومن جهة أخرى نكون وضعنا في مستوى واحد بنية نظنها أنتجت في مستوى آخر بنية أو عنصر من بنية مستقلة هو العنصر المشكل المنتمي إلى البينة الشكلية”. المعمولات هي معطيات تقدمها قواعد أخرى فلا يمكن أن توضع هي والعوامل التي تنتجها قواعد أخرى في درجة واحدة وأن ندعي أننا اكتشفنا النظام. بلغة أخرى نفترض أن اللغة المتحققة تتقدم في شكل عناصر تنتمي إلى مستويات قاعدية مختلفة وكما أنه لا يمكن أن ينتمي الكلام والمتكلم إلى طبيعة واحدة فإن العامل والمعمول لا ينتمي كذلك إلى طبيعة واحدة. وبلغة أخرى نتصور أنه يمكن البحث عن العلاقة بين العوامل وحدها أو بين المعمولات وحدها لا بين الطائفتين. في نهاية تحليلنا سنلاحظ أن العامل هو علامة المعمول. إن العامل هو اللغة الداخلية التي تتكلم بها المكونات. إن العامل كالمتكلم فهذا الأخير هو اللغة التي تتكلم بها مكونات القول المطلق الأزلي المستمر. الكلام ليس عرضا في المتكلم بل المتكلم هو عرض الكلام، عرض القول، والعامل عرض المعمول.
إن الترتيب يكون بين الأشياء المتكاونة او المتواجدة كما يقال الآن في وقت واحد أو بعد كونها ولكن الأشياء لا ترتب إلا بالقياس إلى بعضها لا بالقياس إلى المكان الذي ترتب فيه والعلاقات العاملية هي المكان الذي يعطي الشكل للمكونات فلا يمكن أن يترتب الشيء مع الشيء الذي يمنحه الشكل. الذي يمنح الشكل يمنح كذلك المحل ولا يمكن لمانح المحل أن يترتب مع الممنوح له المحل. أثناء تحصيل الأشياء لا يكون الشيء الأول المحصل قائما في علاقة نظامية أما الثاني فيكون وضعه مذبذبا إن وقف عنده كانت له علاقة بالمتقدم وإن أضيف إليه كانت له علاقة كذلك بالمتأخر وكذلك الأمر في العناصر الأخرى المضافة. لا أقول إن هناك نظاما ظاهرا إلا إذا تخيلت أن العبارة قيلت مرة واحدة. إذن النظام يبتدع في كل لحظة وإذا كان كذلك فهو تنظيم، وإذا كان هناك تنظيم فلا يمكن أن تسلك المنظمات والمشكلات في سلك واحد مع موضوعاتها.
ما تقدم فيه تغيير للصياغة السيبويهيه. هذه كانت تنطلق من وجود اختصاص فحولنا الأمر إلى عامل مشكل فالعامل المختص بالأسماء هو عامل مشكل يدخل على بينات معينة ويفضي إليها بطائفة من الأشياء الشكلية وكذلك العامل المختص بالأفعال في خصوصها. إن ما قيل عن استحالة النظام بين العوامل التنظيمية والنحوية ومعمولاتها يقال عن العوامل المشكلة. ولهذا فنحن نغير هنا مفهوم المجال ونقول إن المجال هو مجال الإفضاء وهو مجال قائم على الوسائط وكما أن العامل التنظيمي يدخل على بينات متطاولة فيجوس خلالها فإن العامل المشكل يجوس في بينات أخرى ولا يتعلق بالمفردات. وعلى كل فهذه قضية تجريبية. المجال ممتد من أعلى إلى أسفل في علاقة هرمية تجعل العامل الأكبر ممتدا إلى مكونات البنية كلها. بهذا المعنى يكون للعامل الواحد مجالات مختلفة في البنية الواحدة. والقوانين المنظمة لهذه المجالات والمحددة للمجالات الممكنة ولإمكان تتابعها ستكون لها أهمية كبرى. ولربما صح في حدود العمل النحوي أن يقال إن اكتشاف قانون تتابع المجالات سيقدم الدليل على أن اللغة العربية مثلا تتحقق فيها إمكانيات عاملية كلية. بلغة أخرى إذا كان اللغويون حددوا أنواع الجمل الممكنة وقانون تتابعها كما حصل في القاعدتين الشهيرتين اللتين وضعهما لغوي توليدي فإنه يمكن عامليا أن نحدد أنواع المجالات الممكنة وقانون تتابعها وفي هذه الحالة ستحل نهائيا مشكلة الإعراب. إذا كان من الواجب فصل البنية العاملية عن البنية الشكلية فإن ما نسميه بالشرطة قمين بأن يكون جزءا من البنية العاملية. العوامل في هذه البنية يفضون إلى المكونات بالمحلات فجملة «الرجل جاء» يتصور فيها أن المكون تلقى معنى جعله في الابتداء وتحقق ذلك المعنى صوتيا بالرفع ولكن المكون لا يمكنه أن ينتقل لأن العامل أفضى إليه بمعنى الاستقرار والثبات أي يجعل عليه حارسا مقدما. لهذا يمكن أن نقول أن العامل المنظم الذي يقوم بدور الشرطي يتعلق أساسا باللفظ ويضبطه ويمنعه من الحركة الحرة.باختصار هناك العامل الذي يمنح المحل العاملي وهناك العامل الذي يلزم العنصر بالمحل. هناك مجال التقديم ومجال التأخير والعامل النحوي يرسل قيمة إلى العناصر القائمة في هذين المجالين عن طريق الابتداء الخارجي والابتداء الداخلي. حين يرسل قيمة إلى عنصر «أ» في مجال التقديم فان ذلك العنصر يكون بالضرورة في هذا المجال لأنه تحقق فيه ولا ينتقل عنه. وأما الصورة الأخرى التي يكون فيها في مكان آخر فهي صورة أخرى. لهذا نقول إن أي إفضاء بالقيم المحلية يكون مصاحبا بإفضاء بالقيم الضبطية (أي يكون مصاحبا بعوامل الشرطة) وبذلك يدخل نظام الشرطة باعتباره جزءا أساسيا من البينة العاملية.
الكتاب يعرض لقضايا العاملية العربية والتحاليل التي قدمها نحاة من مثل سبويه والزمخرشي وابن هشام لمجموعة من المسائل اللغوية، وهو عبارة عن فصول كتبها صاحبها في أوقات مختلفة وبين بعضها مسافات طويلة. كما يؤكد ذلك المؤلف نفسه – وكلها كتبت قبل سنة 1990.
يقع كتاب العقلانية اللغوية العربية في 240 صفحة، من الحجم المتوسط 17/24، زين غلافه بلوحة جميلة للفنان عبد القادر الرايس.
وقد طبع بدعم من وزارة الثقافة دورة شتنبر 2014.