مصطفى المتوكل / تارودانت

الاربعاء 24 دجنبر 2014

  قال الحسن بن علي – رضى الله عنهما-: «البلاغة ايضاح الملتبسات، وكشف عوار الجهالات، بأسهل ما يكون من العبارات»

ان موضوع  الوضوح والغموض او الشفافية والضبابية في امور الدين والدنيا ظاهرة قديمة جديدة،تنبني وتقوم  على خلفيات و مرجعيات متنوعة منها النفسية والعقلية و الفكرية والمجتمعية في علاقة بالزمان والمكان…

وان المتامل في بعض المواقف التي كانت او التي هي كائنة .. سيجد انها  غامضة بطبعها  في اصولها ومنطقها  او  تتعمد الغموض …فتظهر وكانها تفقد  القدرة على التبليغ بالبساطة والدقة ..او تجهل بالموضوعات والقضايا التي تتناول .. او تكون رؤيها للاشياء غير سليمة ..او تتبنى  الغموض الذي يرتدي غطاء الشعارات والكلام الطيب حتى  يخفي نقيض ما يظهر…

كما ان منهجية الوضوح المباشر و المبلغ بلفظ  صارم بعيد عن المجاملات والمرونة .. قد يكون صادما ليس لانه مجانب للصواب ..بل لان المستهدفين به يرونه تطاولا او استخفافا او تشفيا وهذا الظن لايكون في غالب الاحيان صحيحا ..وان امتد زمنه فسيصبح خللا مستداما يعوق حسن الاصغاء والسمع والفهم المتبادل …

..فالوضوح الايجابي يكمن احيانا  في عمق الغموض مما  يتطلب اللجوء الى  التدرج لاظهار وتنزيل  وبناء الحقائق دون اصطدام  وتصادم مع الرفض والامتناع   المبني على انهدام وضعف في التواصل او  الجهل او التعصب للراي ..

فكما ان الغموض قد يكون مركبا ومتعديا الى اكثر من سبب ومعامل …فكذلك الشان بالنسبة للوضوح  …فالغموض المضلل يحجب الحقائق ..وينسج الاكاذيب ..ويعتمد الاساءات التي تطال كل شيئ حتى المقدس والخاص  ..كما  يقلب المعطيات لاهداف  وغايات معينة …

ان الدفاع عن الوضوح لايعني الجمود او التعصب للراي ..بل هو المدخل للتجديد والتطور دون الغاء او قفز على ماهو مشترك …

ولنختزل الماضي والحاضر في سياق حديثنا عن الوضوح والغموض في الاسئلة التالية ..

..ما الذي يريده اليمينيون المتعددون  بالضبط ؟ وما الذي يريده اليساريون المتنوعون ايضا ؟ وما الذي يريده الاسلامويون المتختلفون  كذلك ؟؟ وكيف تفسر المواقف والتحالفات المتناقضة بين المحلي والوطني .. حيث  اعداء هذا في بلد ما .. هم اصدقاء اصدقائه وحلفاؤهم في بلد مجاور  ؟..واي اليمينيين على صواب وايهم على خطا انطلاقا من اقوالهم وسياساتهم المتقاربة ..وايهم الواضح وايهم الغامض ؟؟…ولنعمم الامر على اليساريين وغيرهم … 

….ان  القاعدة المعتمدة في التعامل هي عدم الثقة كمدخل لخلق تحالفات مصلحية انية ..وفي مثل هذا جاء في وصية للامام علي كرم الله وجهه ..لايغلبن عليك سوء الظن فانه لن يدع بينك وبين خليلك ملجا …ومن الاقوال في هذا لباب سوء الظن من الحزم

..فاذا كان بالامس بعض” اصحاب اليمين” يدعون الى مركزة الحكم ومؤسساته في يد النخبة الحاكمة والفئة التي  تتكامل مصالحها معها  ضد الديموقراطية …فكذلك بعض” اصحاب اليسار” هم كذلك ضد الديموقراطية  تحت مسمى ديكتاتورية البروليتاريا او ماشابه بسعيهم لاقامة حكم متسلط يمثلهم ويقصي كل الاخرين  …سنجد كذلك  البعض ممن  يرى ويدعو بقوة لرفض ونبذ الديموقراطية لانها كفر اومضادة للشريعة…  فكل هؤلاء اليوم في هذا البلد وغيره من البلدان الاسلامية  هم “دعاة” للديموقراطية  ….فهل هم واضحون بالامس غامضون اليوم ام العكس ؟واي ارائهم ارجح واقوم ؟ان الديموقراطية كما وضعها وشرحها بناتها والمؤمنون بها حقا لامجال فيها للامزجة والاهواء  ولا تجتزا …..

ان الغموض والوضوح قد يكونا …..مدخلا للتضليل السياسي او الديني او المعرفي ان وظفا بشكل مقلوب او مغلوط ..وقد يتسببان في اساءات واحيانا كوارث  تمتد اثارها الى ميادين  ومجالات متعددة والى اجيال متتالية …وسيخلقون اجواء من التشكيك وفقدان الثقة والياس والاحباط وما ينجم عن ذلك من تخلف وتدهور ..واذكاء روح التعصب والكراهية والصراعات التي لاتنتهي والتي  ينجم عنها  الشر  والعزوف عن العمل السياسي و الشان العام ..لان ما يسمى النخب تفننت في الاساءة الى نفسها لدرجة تقدم للناس صورا غير تربوية في المجال السياسي لاتبشر بخير …

ان مما  لايمكن الجزم به  ان  كل المتفقين على ضلال …كما لايمكن ان يكون كل المتفقين على هدى ..والامثلة من التاريخ القديم والمعاصر متعددة ولن يتسع المجال لذكر نماذج منها منذ عهد سيدنا ابراهيم الى يومنا هذا …

…ان كل امور الناس تدبر وتدار وتوجه بالسياسات وان  الخطاب السياسي المعبر عن مكونات الدولة والمجتمع  ينبني اجمالا   على  ثنائيات  متعارضة .. الصواب والخطا / الحق والباطل/  العدل والجور/ الشرعية ونقيضها..الخ

فالخطاب السياسي داخل الهيئات  يتكامل ويتنافس او يتعارض لدرجة القطيعة بين من يسير وبين من يطمح ويسعى للتسيير …فان وصل الى مبتغاه بالديموقراطية فهي من  النعم في الدنيا …وان لم يتحقق المراد بها  تختلف المواقف بين من يحترم نتائج ارادة الاغلبية ويعمل ويسعى لتغيير موازين القوى لصالحة في المحطات المتوافق على الالتجاء اليها لانتخابات جمعوية او حزبية او نقابية او جماعية او تشريعية او مهنية …الخ  ومنهم من يرفض النتائج ويعترض على الديموقراطية التي لم تفرزه … وقد يرفض من انتخب ليسير ويعمد الى عرقلة عمله ويسعي لافشاله ليحل محله خارج الضوابط المنطقية والقانونية والاخلاقية التي ينادي بها …فالقبول بهذا المنهج معناه ان لا احد سيقبل بالاخر…مما سيعطل  كل ما يبنى بالديموقراطية …ولنا امثلة كثيرة بين الماضي والحاضر في هذا الباب عندما تتحول المنافسة الشريفة من اجل تطوير ادارة امور الدولة او الهيئات الى صراعات وتطاحنات يتضرر منها المجتمع كله وتضيع مصالحه وسط ضجيج الخطابات والشعارات التي تدعي تخليق السياسة لتتردى بها الى مستويات هزيلة وبئيسة تعتمد على التجريح والسب والهمز واللمز وتعميم الى الاساءات لتشمل الجميع …

فاذا كان البعض من النخب قد تعذر عليهم الفهم والتمييز بين ما هو واضح بالضورورة وما هو غامض بطبعه و الفصل بين الحقيقة ونقيضها فكيف بالمتتبعين والمواطنين العاديين الذين سيمتد ظلام الغموض ليحجب عنهم شموس الوضوح ؟؟؟

ان الغموض الذي يتعمد صاحبه  اخفاء المقصد الشرعي من النصوص الدينية في تبليغ الدين وشرح نصوصه.. يخلق التعصب والتطرف والتشدد   ..وان الوضوح الذي يعتمد الاعتدال والحكمة في التواصل والشرح والتبليغ يحقق المبتغى  في ترجيح لما فيه المصلحة  التي تحقق  الاطمئنان الانساني و الطمانينة الروحية او تجمع بينهما بعيدا عن الغل والكراهية والحقد والتاليب والتبخيس..

إن أوقاتنا الخاصة والعامة  أثمن من أن نبذرها ونضيعها  في تصيد وتصنع  الأخطاء ليس بهدف التقويم والتصحيح بل بهدف التشكيك والتعطيل  ..واختياراتنا امانة قررنا  ان نتحملها جميعا من اجل تنفيذها و ايصالها على الوجه الممكن والافضل …ان اخطر ما يضيع علينا حاضرنا ومستقبلنا ويسيئ الى  تاريخنا هو تجاوز الحدود التي سطرها الشرع والعقل واتفق عليها في المجالس وتم التعاقد على احترامها واعمال مقتضياتها لتحقيق الاهداف المشتركة  ذلك انه لامصالح تتحققق اطلاقا بدون تعاقد يحترم ويراعى …

يقول تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾سورة المائدة