يقول المفكر الجزائري المعروف محمد أركون في حديثه لصحيفة «ايلاف» الالكترونية الذي كتبه مترجمه الى العربية هشام صالح، ان فكره لن يفهم قبل خمسين سنة على الاقل.

ويعبر أركون بهذه العبارة عن حجم الاحباط الذي يعانيه من جراء عدم انتشار فكره الانتشار «المستحق» او «المنتظر»، على الرغم من ان كتاباته الاساسية ترجمت الى العربية منذ قرابة عقدين، وخلقت اصداء واسعة في الدوائر الجامعية والبحثية.

بيد ان ما يقصده اركون في حكمه المذكور، هو ضآلة التجاوب الذي لقيه مشروعه الطموح الذي عبر عنه بـ «نقد العقل الاسلامي» وبلوره في خطة عمل واسعة لايفتأ يكرر بنودها ومتطلباتها المنهجية في مختلف اعماله، دون ان يعنى الا نادرا بالشروع في تطبيقها.

وليس من همنا في هذا الحيز التعرض لفكر اركون (كنا قد خصصنا له دراسة مطولة منشورة)، وانما اردنا الانطلاق من حكمه على الثقافة العربية بالجمود والانغلاق والتعصب مما حال دون فهمه واستيعابه، مع اعتبار انه لن يفهم قبل نصف قرن على الاقل عندما تتجدد هذه الثقافة وتتطور.

ولا يخفى ما في هذا الحكم من تعسف ونرجسية، فليست اعمال اركون بالعصية على الافهام والعقول، بل ان كتاباته تتسم بالوضوح وتعتني بدقة المصطلح وتحديد المفاهيم، وتلك احدى ميزاتها، ومن ثم ندرك كيف انها نفذت بصفة واسعة الى الاوساط الثقافية، ولقيت رواجا فيها، خصوصا في مرحلة الثمانينات، عندما كانت تبشر بمناهج ومقولات جديدة على الساحة العربية، اغلبها مستمد من الفلسفة الفرنسية المعاصرة ومسالك التحليل اللساني والسيميائي (من السيمياء اي علم الدلالة).

بيد ان تراجع بريق المشروع الاركوني، هو ما ارجعه اركون الى عوائق داخلية بنيوية في الثقافة العربية، بدل ان يبحث عن اسباب هذا التراجع في فكره، الذي وإن كان مسكونا بهم اصلاحي وتجديدي واضح، الا انه ظل بالنسبة للكثيرين مجرد ورشات اكاديمية باردة، عاجزة عن التواصل مع مطامح الامة وهمومها.

ولا يمكن ان يعزى هذا الاخفاق الى جرأة فكر اركون وسمته النقدية، فاذا كانت اعمال فكرية وابداعية عديدة قد اثارت في الاعوام الاخيرة ضجة هائلة وصلت لساحات المحاكم، فإن كتابات اركون لم تستثر هذا الاهتمام، ولم تتعرض للمحاصرة والتضييق، ولم تفتأ توزع في عموم الاقطار العربية.

وانما يذكرنا تظلم اركون باحكام مماثلة صدرت عن كتاب ومبدعين عرب، من بينهم شاعر معروف سئل عن سبب عزوف الجمهور العربي عن شعره فأجاب «ان الاذن العربية متخلفة، مشدودة للماضي».

وتمثل هذه النرجسية الطاغية على الساحة الثقافية العربية عائقا من عوائق التجدد والابداع، كما يبين الصديق علي حرب في كتابه الاخير «الاختام الاصولية والشعائر التقدمية: مصائر المشروع الثقافي العربي». ويربط حرب بين هذا النزوع والمزاعم النخبوية التي تبناها العديد من الكتاب العرب، انطلاقا من ثلاث مسلمات هي: «اعتقاد شريحة من الناس هم العاملون في القطاع الثقافي انهم يجسدون عقل الامة وصفوة البشرية، وممارستهم الوصاية على القيم العامة المتعلقة بالحرية او بالعدالة والمساواة، وادعاؤهم امتلاك مفاتيح الخلاص والسعادة من خلال مشاريع للإصلاح والنهوض او للتحرير والتغيير او للتنمية والتقدم».

ولئن كنا لا نوافق علي حرب في رفضه للمثل النضالية والمشاريع النسقية الفكرية، الا اننا نعتقد انه وضع يده على جانب من جوانب المأزق الثقافي العربي، هو ذلك المتعلق بالنرجسية المتعصبة والغرور النخبوي.

ولا شك ان نرجسية المثقف العربي راجعة الى تصورات مغلوطة وخاطئة للعمل الثقافي ذاته، وطبيعة مهمة ومسؤولية الفاعلين في الحقل الفكري.

ومن هذه التصورات الربط الميكانيكي بين الثقافة والمسؤولية النضالية، اي سيادة نمط المثقف الداعية ذي المهام الرسالية، وهو ربط عائد الى سيطرة مقولات الالتزام الماركسية والوجودية التي طغت على الادبيات العربية في مرحلة الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، وذهبت الى اعتبار الفكر «صراعا طبقيا في الارضية النظرية» حسب عبارة التوسير.

ولا تعني هذه الملاحظة نفي السمة المعيارية الملتزمة عن النشاط الثقافي، وانما اردنا التنبيه الى ان هذا النشاط متسع المناحي والصيغ والاصناف والنماذج، ولعل الساحة العربية بحاجة اليوم الى نموذج «المثقف الخصوصي» (حسب عبارة فوكو) اي الباحث الذي يكرس اهتمامه للمشاغل العلمية الدقيقة والرصينة اكثر من حاجتها الى «مثقفين عضويين» (حسب عبارة غرامشي) يتوهمون امتلاك مفاتيح الحقيقة والوعي، ويقدمون حلولا سريعة وجاهزة لكل الاشكالات التي يطرحها مجتمعهم وامتهم، وان كانوا يبنون على ارضية رخوة، هشة.

ومن هذه التصورات المغلوطة للعمل الثقافي اعطاء مضامين معيارية حصرية للاطروحات الميدانية المختصة، اي بعبارة اخرى توهم كل ذوي اختصاص احتكار الدلالات الشاملة للوقائع والخطابات. فالفلاسفة بحكم تجرد وشمولية مناهجهم وهمومهم، يعتقدون انهم المؤهلون اكثر من غيرهم لبلورة المنظومات الفكرية المكتملة، وتحديد القيمة الدلالية للافكار والايديولوجيات، وتحديد الخط الفاصل بين الحقائق والاوهام. ولأمر ما كان اغلب اصحاب المشاريع الفكرية العربية من ذوي الاختصاص الفلسفي، كما هو شأن الجابري واركون وطيب تزيني وحسن حنفي.

ولا نحتاج الى تبيان ان هذه المقاربة لا تنسجم والفهم الجديد للفلسفة، التي لم تعد كما ظنها الاقدمون «خطابا يقينيا كاشفا عن حقائق الوجود ومراميه»، بل غدت منذ ما بعد هيغل مجرد استراتيجية تشخيصية لقراءة النصوص وتفكيك الدلالات وفصل فضاءات المعنى.

وكذلك شأن الباحثين العرب في العلوم الانسانية من مؤرخين وعلماء اجتماع وانثربولوجيا، ولا يزالون ضحايا الوهم الوضعي الذي اتسمت به هذه العلوم عند نشأتها، يعتقدون انهم بالتطبيق الآلي لمناهج وادوات تحليل غربية جاهزة يتمكنون من استكناه قوانين المجتمع، وبالتالي التأثير فيه والتحكم في مساره، في حين غدا من المعروف لدى الباحثين الغربيين في هذه المجالات، ان ما يدعى بالعلوم الانسانية هي في حقيقتها معارف تأويلية ليست اطروحاتها ونظرياتها اكثر من نماذج تحليلية افتراضية.

ان ما نريد ان نخلص اليه، هو ان نرجسية المثقف العربي تعكس في ما وراء الاوهام التي تتأسس عليها، تأزم العلاقة التي تربط المثقف بواقعه المجتمعي، فبقدر ما يتعثر في تحليل هذا الواقع ودراسته لطغيان المطامح النضالية والايديولوجية الجاهزة على عدته النظرية والمنهجية يتعثر في تغييره والتأثير فيه لمحدودية ادوات التواصل معه وهشاشة معرفته له.

وعندئذ تغدو عقدة النرجسية التعبير الاوحد والطبيعي عن هذا الاخفاق المزدوج.