من خلال قراءتنا للتاريخ وبخاصة تاريخ النهضة الأوربية, تبين لنا أن الثروة الاقتصادية بأي شكل كانت وبخاصة (النقدية) منها, هي أهم عامل من عوامل نهضة الشعوب إذا ما استثمرت الاستثمار الأمثل. فلولا هذه الثروة واستثمارها الأمثل في حياة مجتمعات الكثير من الدول الأوربية, لما استطاعت أوربة أن تحقق نهضتها المعروفة تاريخياً. فبهذه الثروة (النقدية) التي كونتها تاريخياً عبر التجارة ونهب الشعوب الفقيرة والمتخلفة من دول العالم الثالث, ثم استثمارها في تطوير الاقتصاد داخل بلادها (زراعة وصناعة وتجارة), وكذلك في تشجيع البحث العلمي وما يتعلق بهذا البحث من كشف للكثير من القضايا العلمية, وفي مقدمتها الوسائل التكنولوجي بكل مستوياتها, هذا التطور الذي حقق قفزة نوعية في تطور أوربا ونهضتها, الأمر الذي جعلها تتجاوز عبر المائة العام الماضية آلاف من سنين التخلف بمفهومها هي. فمع التطور العلمي والاقتصادي ترافق أيضاً تطور الحياة الاجتماعية والثقافية, حيث راح الدين يتمركز في الفرد بدل الكتلة الاجتماعية, وراحت تتجسد الحريات الفردية وتحرر المرأة أكثر فأكثر, كما أخذت مسألة المواطنة ودولة القانون والديمقراطية والعلمانية وغيرها من قضايا المجتمع المدني تفرض نفسها بقوة في حياة شعوب تلك الدول.
من هذا المنطلق نقف هنا عند قضية (البترودولار ) العربي) ودوره في حياة المجتمع العربي ونهضته .
منذ ستينيات القرن الماضي, ومع بدأ تدفق الثروة (النفطية) بطريقة مذهلة على دول الخليج, وخاصة بعد حرب /1973/ , هذه الثروة التي جاءت مع ارتفاع أسعار النفط, حيث تراكمت مئات مليارات الدولارات في ميزانيات هذه الدول التي لم تعد تعرف ماذا تعمل بالفائض الهائل من هذه الثروة, الأمر الذي جعل الكثير من كتاب ومفكري وسياسي العرب يتوقعون أن أمراء الخليج بعد أن فتحوا أبواب دولهم للعمالة العربية بكل أشكاله, سوف يشكلون الحوامل الاجتماعية لمشروع النهضة العربية كما فعلت الطبقة البرجوازية الأوربية لبلدانها, وخاصة بعد فشل المشروعين القومي واليساري في تحقيق هذه النهضة, فهذا حسن حنفي يكتب في (البيان الإماراتية تاريخ – 18/12/: 1995) : (لقد بدأت مصر والشام منذ القرن الماضي فجر النهضة العربية, ثم تلتهما المغرب في النصف الثاني من القرن. ومن يدري فربما يبدأ الخليج موجة ثالثة من الإبداع الفكري مستفيداً من التجربتين السابقتين في القرن الماضي ومن هذا القرن.. وربما ستكون جسراً بين العرب وأسيا من حيث السكان, ولكن أيضاً من حيث تجارب التنمية والعمق الثقافي, … وليس مستبعداً أن تلحق “الصقور” العربية, بالنمور الآسيوية. )
أمام هذه الرؤية التنبؤية (الفاشلة) لحسن حنفي وغيره من الكتاب والمفكرين العرب, كانت هناك قضايا كثيرة تعيشها دول الخليج وتتحكم في مسار قرارات أمرائها لم يدرك أبعادها هؤلاء, لذلك ظلت توقعاتهم أضغاث أحلام. فدول الخليج قبل اكتشاف النفط كانت محميات لبريطانيا, ومع ظهور النفط تحولت هذه الدول إلى مستعمرات وقواعد عسكرية ثابتة لأمريكا التي راحت تدوس على أذيال بريطانيا في المنطقة حتى جردتها نهائياً من سلطتها هناك. أما آل سعود الذين اتكأوا منذ قيام دولتهم على بريطانيا, راحوا بدورهم يضعون بيضاتهم بعد نشوء (أرامكو) في السلة الأمريكية وحدها .
إن النفط الذي راح منذ ثلاثينيات القرن الماضي يظهر في عموم منطقة الخليج, بالرغم من أن نتائجه لم تظهر بشكل فاعل في حياة هذه الدول ومجتمعاتها حتى ستينيات القرن الماضي, حيث راحت هذه النتائج تظهر بشكل واضح في جملة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.- على أساسه أقيمة بعض دول الخليج في سبعينيات القرن الماضي كما هو معرف- وكان أهمها ذاك الحراك الاجتماعي الذي بدأ يظهر واضحاً في حالات التفاوت الطبقي بين عمال النفط وغيرهم من عمال الصناعات الأخرى التي ارتبطت بالنفط أو التعدين وغيرها, هذا الصراع الذي تجلى بين العائلات المالكة والشركات المساهمة في استخراج النفط في دول الخليج وبخاصة السعودية والبحرين وهذه الطبقة العمالية التي عبرت عن غضبها مرات عدة بانتفاضات عمالية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي تطالب بالعدل وبالكثير من حقوقها التي حرمت منها. (راجع في هذا الاتجاه كتاب تاريخ الأقطار العربية /1917-1970/– إصدار دار التقدم – موسكو – 1975- جزءان).
إضافة إلى سيطرة أمريكا وشركات نفطها على الحياة السياسية والاقتصادية في دول الخليج, كانت هناك عوامل أخرى لعبت دوراً كبيراً في التأثير على تعطيل لعب ذاك الدور النهضوي الذي توقعه بعض الكتاب والسياسيين منها. ومن هذه القضايا, ذاك التأثير الكبير على تنمية الحس العروبي لدى أبناء دول الخليج بسبب العمالة العربية التي دخلت هذه الدول وبخاصة في مجال التعليم من جهة, ثم بسبب انتشار مد الفكر القومي السياسي في سورية ومصر وليبيا والعراق من جهة ثانية, وقد تجلى هذا التأثير العروبي في الكويت والبحرين, حيث كانت تصدر وبخاصة في الكويت الكثير من الدوريات الثقافية التي تعمل على تغذية الحس العروبي كمجلة (العربي) وغيرها. بيد أن هذا التوجه راح يتغير جذرياً بعد لعبة النفط الخليجي مع صدام أثناء حرب الخليج الأولى, ثم دفعه لاجتياح للكويت, الأمر الذي دفع حكام الخليج إلى العمل على استجلاب أكبر عدد ممكن من العمالة الأسيوية بدلاً من العربية, ثم العمل على نشر وتعميق الفكر الإسلامي السلفي (الوهابية) بشكل خاص, كونها الأيديولوجيا التي تواجه الفكر القومي وتلجمه بعد أن لمست خطورته كل من أمريكا والصهيونية وأمراء الخليج ذاتهم على الخطاب السياسي لأبناء الخليجي. وبتوجهها المناوئ للفكر القومي العربي هذا, تكون قد حجمت المد القومي العروبي في دولها وتجاوزت خطره.
قلنا في موقع سابق بعد حرب 1973 تراكمت ثروات طائلة في دول الخليج بشكل لم يعد هناك قدرة على استيعاب فوائضها, وأن هذا التراكم بحد ذاته جعل الكثير من أصوات الأوربيين يرتفع عالياً محذراً من خطورة انتقال الثروة من أوربة إلى دول النفط وعلى رأس هؤلاء المؤرخ الإنكليزي “تونبي الذي راح يقول: ( سوف يكون عاقبة مباشرة على الأرجح تغيير ميزان القدرة الاقتصادية بين البلدان المتطورة والبلدان المنتجة للنفط. هل هذا كل شيء يا ترى؟. فإذا كان الأمر كذلك , فإن ذلك ينبئ بحلول البلدان المنتجة للنفط محل الولايات المتحدة الأمريكية وأوربة الغربية واليابان, بمنزلة مستغلين فائقين للعالم. ) (راجع كتابنا – معوقات حركة التحرر العربية في القرن الشرين – دمشق – دار المدى 2002 ص237.).
إن هذا التحذير لقى صداه عند السياسيين والاقتصاديين الأوربيين والأمريكان, فبدأ هؤلاء يعيدون ترتيب سياستهم تجاه دول الخليج وإعادة هيكلتها وفقاً لمصالحهم, هذه الهيكلة التي تناغمت بدورها مع مصالح أمراء النفط, فكان نتيجة هذه الهيكلة ازدياد الهيمنة على السلطة في دول الخليج وخلق محددات كثيرة أخرى أمام إمكانية توظيف هذه السلطة لمصلحة المشروع النهضوي ليس العربي فحسب, وإنما حتى لدول الخليج ذاتها, حيث راحت تشجع أمراء الخليج على بناء مشاريع صناعية صغيرة داخل دولها من فتاة فائض مواردها النفطية, إن كان في الصناعات البتروكياوية, أو بعض الصناعات التجميعية الخفيفه وذات الطابع المنزلي. بينما راحت أمريكا تستنزف القسم الكبير من ثروات الخليج النفطية, إضافة لكون شركاتها النفطية شريكاً حقيقياً في إنتاج النفط, وهي من كان يقوم بتكريره ونقله, فقد أخذت تستنزفها وتعيد هيكلتها وفق التالي :
أولاً: الفسح في المجال واسعاً للبترودولار الخليجي أن يستثمر في مؤسسات الغرب وأمريكا الاقتصادية والخدمية, حيث عادت مئات المليارات من الدولارات بعد حرب تشرين إلى اقتصاد السوق الغربية والأمريكية, إن كان على مستوى ودائع بنكية, أو بنوك تجارية, أوشراء أوراق مالية خزائنية وشتى أنواع الأموال غير المنقولة, وكذلك في منح قروض لصندوقي النقد والبنك الدوليين, أو زيادة أرصدتها فيها, أو شراء أسهم في العديد من الشركات الصناعية الأوربية والأمريكية واليابانية, فأصبحوا بذلك شركاء حقيقين للرأسمال الاحتكاري العالمي, ورهائن في الوقت ذاته للغرب وأمريكا, حيث دمجت الطبقات الحاكمة لهذه الدول في النظام الرأسمالي بوصفهم شركاء خاضعين لهم ليس كاملي الحقوق. أي لا يحق لهم الإشراف على إدارة أو توجيه الإنتاج في هذه الشركات المساهمين فيها. ففي تصريح لوزير مالية البحرين لمجلة مالية أمريكية يقول فيه عن طبيعة هذا التلاحم بين المال النفطي الخليجي والأمريكي والأوربي: ( لا توجد إمكانية حقيقية لأن تفصل الاستثمار العربي أو تفصل الجماعة المالية العربية عن الولايات المتحدة الأمريكية, والوضع المالي في العالم. نحن مضطرون للاستمرار في استيراد التكنولوجيا والسلع المصنوعة, والاستمرار بعلاقة معينة مع الدولار, العملة الاحتياطية التي لا يمكن أن تحل محلها أية عملة أخرى.). (راجع كتابنا معوقات حركة الترر العربية في القرن العشرين- مرجع سابق – ص 240.).
ثانياً: عسكرة هذه الدول عبر بيعها السلاح بمئات المليارات من الدولارات كل عام – علماً أن هذه الأسلحة في معظمها تظل تحت إشراف الغرب وأمريكا خوفاً من استخدامها ضد إسرائيل أو تسليمها لدول معادية لها- وبذلك تحت ذريعة حماية حكام هذه الدول من قبل أعداء المنطقة كإيران والعراق سابقاً, واستطاع الغرب وأمريكا فعلاً بهذه العسكرة أن يتحكموا في سياسات هذه الدول وحتى أمنها الوطني, واستعادة الكثير من أموال النفط إلى بلادهم وبأرباح خيالية نتيجة بيع السلاح وتحويله إلى خردة في مخازن السلاح الخليجية.
ثالثاً: إدخالهم عبر الفتنة أو دفعهم إليها دفعاً إليها, بغية إدخالهم في حروب إقليمية لا ناقة لهم فيها ولا جمل كحربي الخليج الأولى والثانية, واستنزاف مئات مليارات الدولارات من خزائنهم كفواتير حرب ثمن ما يستخدم من سلاح فيها من قبل الحلف الأطلسي تحت ذريعة حمايتهم. هذا دون أن ننسى عامل النفط وكيفية إجبارهم على استخدامه كسلاح ضد أعداء أمريكا والغرب أيضاً من حيث ضخ أكبر كمية ممكنة في السواق عند الأزمات أو الحروب, لتعويض النقص الذي يحصل أثناء تلك الحروب, كما جرى في حربي الخليج حيث قامت السعودية والإمارات والكويت بضخ ملايين البراميل يومياً لتعويض النقص حيث علق يومها السفير الأمريكي في السعودية “جيمس أكتيين” عام /1984/ عن رضاه تجاه الموقف السعودي المتعلق بضخ الكميات الهائلة من النفط إلى الأسواق العالمية أثناء حرب الخليج الأولى والذي تعجز الحكومات الأمريكية نفسها عن اتخاذه. حيث يقول: (هناك سعوديون أذكياء في مواقع المسؤولية العليا, يعرفون أن إنتاجهم البترولي يجب أن لا يتعدى /2,5/ مليون برميل يومياً, بينما يبلغ اليوم /8,5/ مليون يومياً. إن السعودية تنتج البترول بهذه الكمية لأن العالم يحتاجه ولأن الولايات المتحدة بحاجة له, ولأننا طلبنا منهم ذاك. أنا لا أعتقد أن هناك بلداناً أخرى بما فيها بلدي قادرون على فعل ذلك, يجب أن نعترف أنهم رائعون.) . (معوقات حركة التحرر العربية- مرجع سابق- ص 243 ). هذا في الوقت الذي نجد فيه أن آل سعود ذاتهم لم يزالوا كما هم أدوات لأمريكا ينفذون أوامرها في استخدام النفط سلاحاً لخدمة مصالحهم, وما استخدامه اليوم ضد روسيا وإيران (كما أشار النائب الأمريكي – جون ماكين), وخسارة مليارات الدولارات لا يعرف قدرها الآن من أمول الشعب العربي في الخليج, إلا تأكيداً على تلك السياسة العدوانية ضد كل ما هو إنساني وجميل خدمة لمصالح كل ما هو عدواني وغير إنساني .
رابعاً: إدخال دول الخليج في اتفاقيات ومعاهدات عسكرية وأمنية مشتركة معهم بعد هذه الحروب تحت ذريعة حمايتهم من الخطر الخارجي, وهذه المعاهدات ترتب عليها بالضرورة تحكم أمريكا والغرب برقاب هؤلاء الأمراء, وبالتالي تنفيذ ما يؤمرون به من قبل أمريكا والغرب خدمة لمصالحهم. كما جرى مع الكويت وبعض دول الخليج بعد اجتياح العراق للكويت.
خامساً: الاستنزاف المستمر لثرواتهم النقدية في بنوك أوربة وأمريكا من خلال الأزمات الاقتصادية – التي أكثرها مفتعلة -, كما جرى في أزمة البنوك العقارية الأخيرة التي كلفت أبو ضبي بشكل خاص خسارة مئات المليارات من الدولارات. هذا عدا الأساليب أللا أخلاقية عبر التلاعب في أسواق البورصات المالية العالمية التي يتحكم بها كباتنة الرأسمال الاحتكاري العالمي.
سادساً: إن السياسات التي مارسها الغرب وأمريكا في ربط أمراء الخليج بهم على الشكل الذي جئنا عليه, جعلهم مساهمين حقيقيين في تحقيق سياسة الفوضى الخلاقة في العالم العربي خدمة لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد كما يجري اليوم من حيث:
1- : توظيف الدين الإسلامي السلفي التكفيري بشقيه ألإخواني والوهابي, لخدمتهم جميعاً للنيل من حركات التحرر العربي, ومن أية دولة عربية تشكل حكومتها خطراً على مصالحهم أو تخرج عن إرادتهم, كما يجري اليوم في سورية والعراق وسورية ومصر, حيث تمارس الفتن الطائفية والاقتتال على الهوية الدينية.
2- دعم تجار السياسة من ثوار ما سموه الربيع العربي تحت ذريعة تحقيق الحرية والعدالة والديمقراطية ودولة القانون في سورية ومصر والعراق وليبيا…وهذه من مسخرة التاريخ عندما ينسق معهم من يدعي الثورية في الدول العربية المأزومة اليوم بربيعها الموهوم, أن أمراء الخليج هم حملة هذه الرسالة الإنسانية.
3- مع قيام ما سمي بثورات الربيع العربي, استطاع الغرب وأمريكا أن يدفعوا أمراء الخليج للسيطرة على القرار السياسي لجامعة العربية, ثم رهنها بيد الغرب وأمريكا, وهذا ما تجلى واضحاً في ليبيا وسورية بشكل خاص, حيث قام أمراء الخليج بفصل سورية من الجامعة, وعندما عجزوا عن إسقاط النظام السوري, طلب منهم تدويل قضيتها لعل ذلك يحقق ما عجزت عن تحقيقه الجامعة العربية, كما جرى مع ليبيا.
عموماً لقد حول الغرب وأمريكا والكيان الصهيوني أمراء ومشايخ الخليج إلى حصان طروادة ضد حركة التحرر العربية بل وحتى الإسلامية, يعملون على تنفيذ ما يطلب منهم خدمة لمصالح الغرب وأمريكا والكيان الصهيوني من جهة, ثم خدمة لم سماهم “حسن حنفي” (صقور الشرق) من جهة ثانية.
إن من سخرية التاريخ العربي والعالمي والإنساني ان يتحول أمراء الخليج إلى حماة ثورات الحرية والعدالة والمساواة ودولة القانون والمواطنة وحرية المرأة.. وأن ترتفع أصواتهم عالية في جمعيات الأمم المتحدة ومنها جمعية حقوق الإنسان و الجمعة العامة كي يقدموا مشاريع تدين دولاً عربية أخرى بأنها ضد حقوق الإنسان. والأكثر سخرية في تاريخ العرب المعاصر أن تتحكم اليوم (قطر) في سياسات دول عربية لها وزنها السياسي عبر التاريخ العربي الحديث كمصر وسورية والعراق…أنه زمن (فئران الأنابيب.), أو أمراء (دول النعاج) كما سماهم وزير خارجية قطر:(حمد بن جاسم بن خليفة) .

كاتب وباحث من سورية.

لنشرة المحرر /30 دجنبر 2014