صدر بانفاس.. 24 دجنبر 2014

أ-الهوية المتعددة:
إذا كانت الهوية، هي ما يجعل شخصا ما يكون هو لا سواه. فهي تحديد لمقومات وقيم هذا الشخص، وبعبارة أخرى هي تحديد الذات بموروثها الثقافي وبتعدده.( الدين، التقاليد، العرق…) ثم تحديد للأنا.
عندما تكون للشخص هوية ويكون له تاريخ ( ذاكرة- ماض كيفما كان مجيدا أو ماض الانحطاط). ويدرك من هو ومن يكون، فإن هذا الشخص يصبح إنسانا سويا كاملا وقادرا على الإبداع. في حدود خطوط هويته مع الانفتاح على هوية الآخر. هذا الآخر الغريب عن الذات بمقوماتها ومكوناتها. فالجماعة بدون هوية كالقطيع التائه الضائع، وتصبح (أي الجماعة بدون هوية) كالوعاء الفارغ الذي يستطيع أي كان أن يملأه بما شاء ومتى شاء. دون الاعتراف لهذه الجماعة بماضيها وموروثها. وحقها في الاختلاف الذي يفسح المجال للهوية المتعددة، التي لا تتحدد بالانتماء إلى نفس العرق، كما لا يمكن اختزالها في ممارسة بعض الطقوس، بل إنها مفهوم يتكون عبر التاريخ. مفهوم يرتبط بالوجود والذات والذاكرة ويرتكز على عدة مكونات أهمها: (الأرض، الدم، العقيدة، اللغة، الموروث الثقافي…) مفهوم مفتوح على المستقبل في تعايش مع الآخر واعتراف باختلاف مشروع.

يقول الخطيبي عن هذا المفهوم:” كل مجتمع يعيد كتابة المكان الذي يتأصل فيه ثانية فيما يعيد كتابة تاريخه وبهذه الحركة يسقط على الماضي ما يفلت منه في الحاضر. بلى، إن التاريخ هو مسكن الإنسان ومنبت هويته المتعددة. لكن نحو أي تأريخي يتجه؟”[1].

إن حضور القيم في بناء الهوية شيء أساسي، هذه القيم هي ما يبرر الاختلاف كمفهوم حاضر إلى جانب الهوية. لا يمكن أن تكون هناك قيم متوحشة، عنصرية، ترفض قيم الجار أو الآخر، وتحاول احتواءها. أو القذف بها في خانة المهمش. وهذا ما يولد الهوية المتوحشة. ومن باب هذه القيم يقول الخطيبي« إذ من دون قيم حضارية لن تكون هناك هوية، ومن دون هوية ومرجعية ذاتية لن يكون هناك مشروع ولا تفتح على العالم في اختلافه وتنوعه».[2]

هنا نرى كيف يدافع الخطبيي، عن الآخر في تحديد الهوية، ضرورة التفتح على العالم( الآخر)« في اختلافه وتنوعه». دون المطالبة بالجذور الأصلية للهوية، باعتبار المطلب مطلب ميتافريقي. لأن الهوية غير ثابتة. بل، هي في تغير وصيرورة تتشكل حسب عامل الزمن.” وبحث عن هوية تكون بدورها في حالة صيرورة. فإذا نحن قبلنا بفكرة هوية لا إستقرار لها في الماضي، فإنه بإمكاننا التوصل إلى تصور أكثر  صوابا لهوية في حالة صيرورة. وأنا أعني هوية تكون إرثا من الآثار والكلمات والتقاليد، وتتحول مع الزمن المحدد لحياتنا مع بعضنا، ومع الآخرين. ذلك أن الإنسان الذي لا يحافظ على حياته، بفضل ماضيه المشرق وحده، يشبه ميتا محنطا، أي ميتا قد لا يكون عاش أبدا”.[3]

يتبين لنا من خلال تصور الخطيبي، أنه يدعو إلى هوية متعددة. لا تنحصر في قطب واحد، يرفض التعدد بل إن الخطيبي ذو تصور يدافع عن الاختلاف والاعتراف بحق الأقليات والمضطهدين في الحياة، بثقافتهم وقيمهم في حدود احترام الآخر المختلف.« لا يمكن بأية حال أن نطلب  من مضطهد تذويب هويته ومحتواه الوجودي، فتلك مسالة تتعلق بحقه في الحياة».[4]

إن مفهوم الهوية المتعددة، عند الخطيبي، يرتبط بمسألة الزمن، مسألة الذاكرة، مسألة الفضاء بتعدده الثقافي.«هكذا يتضح أن الهوية لا تتحدد  من خلال بنية أبدية، بل هي بحسب رأينا، محكومة بعلائق متقاطعة بين الزمن والفضاء والثقافة التي تهيكل حياة مجموعة بشرية أو عرقية أو حياة مجتمع ما. إنها ترجمة لحركة الوجود مرونته وتكيفه مع الأحداث، ومع طاقته الخاصة في التجديد. تعني ” الضيافة” هنا إنصاتا للآخر باعتباره آخر،  ومن ثم الإنصات له من أجل التمكن من استقباله في فرداته. إنها كلمة آتية من مكان آخر بعيد، ومراس لهويتي الخاصة في تبلورها ومراس لطموحي الخاص  إلى العالمية، كيفما كنت، سواء كنت مسلحا بالقوة أو محروما منها، مدعما باستراتيجية قوة أو محروما منها»[5] .

إن انخراط عبد الكبير الخطيبي، في فكر الاختلاف. ليس من أجل الاختلاف في  حد ذاته كمفهوم. بل باعتباره مفكرا مغربيا حاول أن يجد لهذا البلد موقعا داخل مفاهيمه، وإن كان هو ينادي بفكر كوني وقيم بعيدة عن كل تأصيل يطلب بالعودة إلى الأصل والنموذج السلفي في تحديد هوية الشعب. يقول في هذا السياق:” لقد نسينا العباء مسألة الموجود والوجود، الهوية والاختلاف. ونتابع الترثرة بلا حياء حول استعادة الهوية وحول الولادة العربية الثانية. ولادة ثانية أي شيء؟ الولادة من جديد في الفكر، في المصير المأثور للأشباح، للموتى الذين يكلموننا”.[6]

وهكذا استعمل الخطيبي استراتيجية النقد المزدوج لتفكيك الهوية والوقوف عند منزلقاتها السلبية كحاجز أمام تقدم البشرية. وقد تحدث عبد السلام بنعبد العالي عن هذه الاستراتيجية:” يرمي النقد المزوج إلى تفكيك مفاهيم الكلية والأصل والهوية والوحدة. لذا فإن صاحبه إذا يمجد التاريخ يحذرنا من محاولة العودة إلى ” هوية ما إذ أن ذلك، على استقصاء هوية متعددة. غير أن الهوية المتعددة ليست جمعا بين الفوارق وتأليفا بينها. أنها فرق الفروق و اختلاف الاختلافات.”[7]

يرى الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي أن الخطيبي يذهب بالنقد إلى أبعاد غير محددة لا تسلم منه حتى الهوية،” إن النقد عند الخطيبي عملية خلخلة وتقويض ووسيلة في التفلسف، هي أدة نيتشه: إنها المطرقة، إنه يأخذ لفظة النقد في معناها الاشتقاقي بناء على ذلك فالنقد إذ يستجيب ويقول نعم، فإنه لا يقولها للهوية وللكائن وإنما للفوارق والاختلافات.”[8]

ثم يضيف عبد السلام بنعبد العالي، مكامن اختلاف الخطيبي، مع العروي فيقول:” إن الخطيبي لا يريد أن يخلط مثل العروي بين الآخر والغير والآخرين. بين الأنثربولوجيا الثقافية وفكر الاختلاف. إنه يميز الهوية عن التطابق ويعتبر أن ‘لا شيء، حتى ثراتنا نفسه يعطانا كما أنه نعمة’ كما يعتقد أن أوربا تقيم في كياننا. فالذي ينبغي تملكه هو الهوية يلزم اكتساحها وغزوها والغير لا يصبح آخر إلا إذا  حول عن مركزه وزحزح عن تحديداته المهيمنة. إن الذات في بعد دائم عن نفسه وليس الآخر إلا هذا الإبتعاد. ليس السلب تعارضا بين هويتين، بل إنه يقطن الهوية نفسها. إنه حركة تباعد الذات عن نفسها. حركة تصدع الداخل والخارج”.[9]

أكيد أن أهمية الهوية تأخذ مصداقيتها من التراث كماضي ونسيان كمسار وذاكرة، لابد من التنقيب فيها. لتعطي للهوية بعدها المفتوح نحو المستقبل والآخر. يقول عبد السلام بن عبد العالي في هذا الموقف “فليس استذكار التراث هنا استرجاع لمبدأ تفسير نعلل به تسلسل الوقائع التاريخية. إنه بالأحرى استرجاع لهوياتنا من حيث أن ذلك التراث هو تراثنا المنسي. غير أن النسيان لا يعني الغياب إنه الاسم الآخر للوجود كما يقول بلانشو*. إلا أن استرجاع الهوية لا يمكن أن يكون إلا إحياء للفوارق والاختلاف”.[10]

يكمن عمق تصور الخطيبي للهوية كمسألة ضرورية بين الشعوب، والسعي نحو إيجاد تعدد لها، انطلاقا من اللغة، اللغة التي هي معطى من معطيات الهوية، فكتب الخطيبي تذهب في هذا الاتجاه إلى مقاربة الهوية انطلاقا من أعمال أدبية مثل عشق اللسانيين” كتاب الدم” يقول في كتابه عشق اللسانيين:”

بين شعبي وشعبك هناك خط.
-الخط يقول، ممنوع المرور.
-النقطة.
-الطريق مغلوق.
-وهكذا بين جميع الشعوب.
-خط ونقطة ونقطة وخط.
-وبكثرة الخطوط والنقط، الخريطة وكأنها تليغراف.
-نمشي في العالم نرى أنهارا وجبالا وأدغالا وصحاري.

ولكن ليس هناك نقط ولا خطوط لأن هذه الأشياء، غير موجودة.
-إلا إذ رسمت وخططت.
-لكي يكون عشقي وعشقك
دائما مفترقين[11]

مع الخطيبي، الهوية  لا تعرف الخطوط والحدود، الهوية غير متجانسة، ولا وطن لها. لماذا كان ابن رشد يشرح الفلسفة اليونانية وهي بعيدة عن لغته وهويته، لماذا اهتم المستشرقون بالشرق ولغاته وعاداته( دون الأخذ بالأهداف الأخرى) لماذا لا تكون هناك خطوط ونقط، في وجه هذه الخدمة الانسانية وهي معرفة الآخر. إن الغيرية هي ما يجعل الهوية، هوية مشتركة. وكل دعوة إلى هوية متجانسة أصلية، هو بمثابة وهم ميتافيزيقي.

يعتبر اختراق كل الخطوط والنقط مع الخطيبي، اختراقا لمسألة الهوية من أجل العثور على كلام الآخر( الغيرية) وأسئلتة. هذا الآخر الذي لا يوجد بذواتنا فقط بل يسكننا ايضا.

وفي هذا النداء الذي أطلقه الخطيبي يقول عبد السلام بنعبد العالي:”والفكر المغاير هو ابتداع هامش جديد لا يكون” هامش أعمى” تابعا للمركزية الأوربية. لا تستطيع أن تنفصل من أسسها اللاهوتية والبيوقراطية إلا بفضل قطيعة لن تكون كذلك ما لم تكن مزدوجة” لتتقابل المنظومة المعرفية الغربية بخارجها اللامفكر فيه، وتعمل في ذات الوقت على تجدير الهامش، ليس فقط عن طريق فكر مغاير، يتكلم عدة لغات. ويصغى لأي كلام أين كان مصدره…” هذا الاتجاه نحو فكر مغاير، وهذا النداء، هو ما يحاول الخطيبي أن يستجيب إليه لا في كتابات فلسفية صرفة تتابع تاريخ الفلسفة وتحاوره، وإنما في كتابات متعددة الواجهات تتردد بين النقد السوسيولوجي والبحث السميولوجي والكتابة الأدبية”[12].

يفترض في الآخر أن يعترف بالمساواة بين الثقافات والهويات المتعددة، لا الهوية المتوحشة” هذا الطيران لقاء الغرب في رحلة الهوية والغيرية المتوحشة”[13].

عندما تدخل الغيرية على الهوية يقع التعدد للهوية المتعددة التي لا أصل لها” لذا ستتألم روحا وجسدا ولا سبيل للتميز بين الهوية والغيرية. أعلم”[14].

 هكذا يكون الخطيبي بعيدا عن المألوف، (الدعوة إلى نقاء لهوية والهوية الأصلية)” لا يريد أن يستعيد اللحظات الهاربة، بل يبحث عن حياته وسط تشابك عناصر الهوية والمغايرة.”[15]

تعتبر كل هوية متجانسة، منغلقة على نفسها، ضحية التمزق، والتصدع إن البديل لها هو التكيف مع مقتضيات الحياة العصرية والتفتح على العالم، للهوية مركز ثقل ضمن اهتمامات المثقف والسياسي، الاقتصادي، إذن لابد من الاهتمام بها. يقول الخطيبي تماشيا مع هذا المعطى:” وانطلاقا من مركز ثقل المحدد للهوية ينبغي أن نكتشف لغات أخرى وأنماطا أخرى للتعبير والتواصل.”[16] وكما عبر  محمد الشيخ عن الصراع القائم بين الغير وبين الذات في تحديد لهوية متعددة، يقول:” بل ما الغير يبقى غيرا ولا الذات تبقى ذاتا، وإنما الذات غير والغير  ذات. وليس يمكن اختزال هذا الغير في ماهية و”وحدة ” و”كلية” أنى كان نشأتها وحتى لو كانت هي إيجابية أو ملائكية. ولا سبيل على حفظ هذا “التباين” المتأبى عن الاختزال والرد المستصعب الممتنع إلا بإجراء  “التشغيب” على كل هوية، مما كانت وانفتحت ما انفتحت. وما كان هذا التشغيب المطلوب بشيء آخر سوى الفكر والفن، عيننا فكر الاختلاف وفن الاختلاف.”[17]

إن مسألة الهوية مسألة  انطلوجية، صرع الكائن في الوجود، جدلية الاعتراف بين العبد والسيد، يبقى الرهان هو الدفع قدر المستطاع نحو الفكر المغاير، المتعدد لبناء هوية متعددة تنشد الاختلاف، وهذا الأخير الذي يقيم خطوط ونقط  غير مرئية، إنها خطوط الاختلاف.

وسنختم هذا المفهوم بقولة الخطيبي، قولة العمل والمسؤولية، بل قوة الانخراط في بناء هوية متعددة.” إن مجموع الهوية التعددية، كما سبق أن قلت هو الموضوع الذي يجب أن نفكر فيه بطريقة دقيقة و سليمة. علينا أن لا نرى تعب من تردد ذلك”[18]. ويقول إدريس كثير وعز الدين الخطابي في سياق الهوية المتعددة” إن هذه الهوية التعددية تختزل، كما يرى الخطيبي في القولة الشهيرة لهيراقليطس* “الطريق واحد ومتعدد” ولعل هذا ما يفسر  تأجج الذات بين الهوية والاختلاف بحيث لا يمكن تصور وجود الذات خارج إطار هذا التفاعل. ويمكننا إذا ما استعرنا عبارة شهيرة لهيدجر أن نقول”إن الذات هي مأوى الهوية والاختلاف.”[19]

ب-الهوية العمياء:

يعتبر مشروع عبد الكبير الخطيبي، بمثابة تفكيك للمواقع المتمركزة عرقيا لغويا لاهوتيا… بحيث يتمثل همه الأساسي في زحزحة الموانع واختراق الحدود على نحو دائم.” إن الخطيبي يفكك ” طريق الأصول”  ويتتبع آثار النزعة اللاهوتانية في الفكر العربي، وعلامات التمركز العرقي في الفكر الغربي، وفيما يقوم بذلك فهو يفتح نوافذ عديدة على مكبوتات الحياة العربية وهوامشها المخفية من السحر إلى الوشم فالأدب الشعبي، فالأنوثة، فالجنسية.(…) فإن هذا الفكر لا يتنكر لمجال يتحقق فيه كيانه التاريخي وإنما يريد الخروج من أسار الفكر الأصولي الرجعي، وفكر الهوية العمياء فكر عدم الاكتراث بتحولات العالم وبالغيرية.”[20]

عبد الكبير الخطيبي، ينتقد الهوية العمياء-المتوحشة- ما معنى هذا؟ معناه أنه لا يمجد الهوية المتمركزة المتوحشة التي تقصي الغير ( الآخر) بحيث أن الهوية قابلة للتحول في صيرورة تاريخية. في الزمان وفي الفضاء. ورغم ذلك فإن الخطيبي يعرف بدقة، مزالق الهوية المتوحشة، حيث عندنا لاشعوريا وشعوريا نوع من التنكر لاشعوريا للآخر. هنا تكمن مشكلة العرب في الصدام مع هوية الآخر مشكلة ذهنية. وسبب هذه المشكلة هو أن العرب لا زالوا يحملون معطيات تنتمي إلى تاريخ في العصور الوسطى على مستوى آلية التفكير والنظر إلى الأمور.” إن عمى الهوية يبلبل خطواتنا. لكن لعلنا نستمد من هذا العمى الذي هو نصيبنا، قوتنا من أجل العودة إلى ضياء الفكر. لهذا يتوجب علينا أن نحجب تراجع العرب التاريخي ونقترب منه. علينا باختصار أن نتوجه نحو ليلهم.”[21]

يقترح عبد الكبير الخطيبي إستراتيجية لتجاوز هذه الهوية العمياء إنها إستراتيجية النقد المزدوج وتجاوز الميتافيزيقا. ” فالهوية العمياء، والاختلاف الذي تصعب معالجته هو تجاوز الميتافيزيقا بنقد مزدوج، بموت مزدوج”[22].

يرى الخطيبي أن الهوية ليست في رأينا ذلك الرجوع الأعمى إلى آراء مسبقة عن مسألة الأنا واللأنا، عن الهوية والفرق، ليست هذه الهوية الرجوع إلى أصالة عمياء، تمشي في ظلام الفكر. إن الأصالة في رأينا وفي رأي النقد المزدوج نتساءل عن ماهية الوجود الطبيعية والتاريخية، وعن العلاقة الجدلية بين الأنا والآخر والرجوع إلى نسيناه من هذه الجذور الطبيعية والتاريخية.”[23]  يعني يجب التخلص من الفكر الرجعي الأصولي الظلامي ( نسبة إلى عصر التخلف والاضطهاد) الذي يحمل آراء جاهزة تقذف بالآخر في خانة الرفض وعدم القبول، وتمارس الاختلاف المتوحش . وتقول بالرجوع إلى الأصالة والتراث التليد. إنها دعوة الوهم الإيديولوجي الذي يأخذ مشروعيته من اللاهوت.

رفض عبد الكبير الخطيبي الهوية العمياء لأنها تذهب بالإنسانية إلى فوهة بركان. وتضع  عراقيل أمام نماء روح التضامن بين الأجناس البشرية:”أما عبد الكبير الخطيبي فإن اهتمامه بالعمل على الثقافتين العربية والغربية معا، معتمدا الاختلاف، نابذا الهوية الحمقاء والاختلاف الوحشي. إنه اختلاف دينامي يتبدى له كمظهر أساسي للصراعات التي يعرفها عموم العالم العربي”.[24]

هكذا يكون إشكال الهوية حاضرا في عمق فكر الخطيبي، بل منذ المراحل الأولى لبزوغ فكره،” إشكالية الهوية ظاهر ومشكل في عنصر قالب للذاكرة الموشومة”.[25]  يضيف الكاتب:” من الأحسن الآن، للكتابة التي تظهر لتضع هجوما على الهوية المجنونة. مع تنقلات التوتر، هي( الكتابة) تضع نبرة خصوصية فوق الزوجين الهوية/ الاختلاف.”[26]

في  هذا الجانب نفسه ( عمق فكر الخطيبي) يضيف حسن وهبي أن ” استراتيجية الذات مزدوجة وهي إشكالية الهوية التي تتجلى في “كتاب الدم” مثل رهان نصي، ثم أزمة الذات في الغيرية المتفرقة”.[27]

مادام قلق الهوية يحضر بهذا الشكل عند الخطيبي، يعني أن هذا دليل على التصور الانطلوجي الذي يتبناه الخطيبي في تحديد الهوية والغيرية، وحضور الآخر، كشريك وفاعل في بناء هذه الهوية، ودعوة الآخر والذات في نفس الوقت للانخراط  في المشروع معا.

و يقول طانكول عبد الرحمان في هذا الموقف “في مكان الهوية المتوحشة، نحن مدعون إلى التفكير مليا في فكر الآخر.”[28]  التفكير في الآخر هو قبول الاختلاف، فسح المجال للثقافة بأن تراجع ذاتها انطلاقا من الآخر، الآخر الذي ليس إلا هي. رغم اعتبار الذات والآخر ازدواج ميتافيزيقي، إلا أنهما إشكال وجودي تختلف أوجه مقاربته، من تصور إلى تصور. ومن فلسفة إلى فلسفة، خصوصا الوجودية والفينومينولوجية. الآخر  هو إشكال الفكر المعاصر ويتحدد في فلسفة الاختلاف ( دريدا، دولوز، بلانشو…) أو في النقد والجنس الأدبي( بكيت، كريستيفا، كافكا، كامو…) يجب أن تتسع لدينا رحبة الوجود لقبول الآخر باعتباره هو الذي “نحن” وليس “النحن”.

إن وعي عبد الكبير الخطيبي بهذا الإشكال كان وعيا مبكرا منذ صدور  كتابه “الذاكرة الموشومة” وهي التي فتحت الباب للفكرة  كي تكون فكرة محورية في إنتاجاته الأدبية والسوسيولوجية والفكرية بصفة عامة.

وقد عبر عن هذا الإشكال في كتابه المذكور كما  يلي:” تعود كل مرة إلى الذكرى وهاك ذاك الشيء موقوفا أو رمادا، بم الاحتفاظ؟ هوية رهيبة ورهبتها أنها تعلقك في نبضك، تنزوي غائبا عن وعيك بلا ذكرى، جملا كالنوادر.”[29]  ثم يضيف “حتى يكفي لذلك أن تنتج لبرهة من الزمن، بضع هويات مجنونة، فيضطلع التاريخ بالباقي فتلك مهنته، بضع هويات مجنونة مع أنها بعيدة جدا عن الكرب العظيم”.[30] ويقول أيضا” بسبب هذا المشهد المنسي في الحال نستنتج أن الغيرية شأن الهوية، إيقاع رقصة مؤلمة.”[31]. وإذا كانت الهوية مفهوم يرتبط بالوجود والذات والذاكرة والتراث. التراث كإرث تاريخي فيه تجارب وأفكار ومواقف. ويقول عبد السلام بنعبد العالي في تحليله لفكر الخطيبي “لا إمكان إذن للحديث عن هوية عمياء تقوم في غياب عن الآخر. فليس الآخر عند الخطيبي هو هذا الذي يجئ ليقابل الذات ويعارضها. بل إنه قائم فيها وهو حركة التباعد الذي ينخرها. لذا فإن مجاوزة التراث، إن آخر التراث لا يمكن أن يكون إلا التراث ذاته: “نريد أن نضع بوضوح وبمنهجية مشكل مقومات كتابية تستعير من تراث ما المصادر الضرورية لتفكيك هذا التراث ذاته.”[32]، أما فيما يتعلق بنقد الأستاذ عبد الكبير الخطيبي للأستاذ عبد الله العروي فيكمن في الهوية، كيف أن عبد الله العروي مازال حبيس الهوية المتوحشة. يقول الخطيبي:”إن ما يهدم تاريخانية العروي هذه، هو أمانتها للهوية الوحشية. أي لمسألة ساذجة من مسائل الوجود. ومن هنا يخلط العروي بين الآخر، و”الغير” والآخرين، بين الأنثربولوجيا الثقافية، وفكر الاختلاف بين التأريخي والتاريخي.”[33] إذن الحل مع الخطيبي هو: “فالهوية العمياء والاختلاف الذي تصعب معالجته هو تجاوز الميتافيزيقا بنقد مزدوج، بموت مزدوج”[34].

ويبرر الخطيبي عبد الكبير، نقده هذا للعروي ب “ونحن إذا نناقش بعض الدراسات لزملائنا، فهذا النقاش لا يعني أننا نريد النقد للنقد، ولكن نريده في سبيل حوار ( إذا كان هناك حوار)، في سبيل حوار حر يجب القيام به بصراحة ودقة.”[35]

تتجلى جدة فكر الخطيبي هنا في هذا الاعتراف . إنه لا يريد النقد من أجل النقد للمفكرين المغاربة، ولكن يريد حوار فكري بناء، حوار الأحبة كما يقول هيدجر.

انتقد عبد الكبير الخطيبي العقيدة السلفية أيضا باعتبارها تكرس الهوية العمياء، ويقول” تريد العقيدة السلفية أن تؤالف التقنية مع اللاهوت، معتقدة أنها تحقق بهذه المؤالفة المصطنعة اقتصادا مزدوجا: (…) اقتصادا غائبا: ويفترض فيه أن التقنية مفرغة من القيم التي تؤسسه. تصبح التقنية إذا قابلة لأن تروضها وتوجهها الإرادة السلفية وفقا لأهدافها الخاصة. إن اختلالا فكريا كهذا، يحدد بوجه خاص سائد من الهوية العمياء.”[36] السلفية تستغل التقنية حسب الخطيبي لأغراضها وأهدافها، هنا يكمن الخلل والفشل في إيجاد فضاء فكري يحفز نحو بناء أفق مستقبلي يناشد الاختلاف بعيد عن الهوية العمياء وعن تأصيل للهوية، ويؤكد الخطيبي هذا حسب تحليل الأستاذ عز الدين الخطابي:”…وذلك بهدف التأكيد على أن كياننا متعدد وأن كل محاولة لاختزال هذا الكيان ضمن هوية ثابتة أو أصل خالص، ما هو إلا محاولة لضمان السيادة الثقافية والإيديولوجية للطبقات المهيمنة.”[37]  وفي سياق المفهوم نفسه يضيف عز الدين الخطابي” لكن بالقدر الذي سيتم فيه رفض ونقد  الهوية العمياء والأصالة الخالصة سيتم أيضا رفض الاختلاف المتوحش” المتحدث باسم  مغايرة مطلقة: أسمي هوية عمياء توهما لأنها مطلق، واختلاف متوحش توهم لمغايرة مطلقة. ومادمنا لم نقم بفك مفاهيم الكائن والاختلاف والهوية من ارتباطها اللاهوتي فإن الفكر العربي سيضل عالقا بأذيال الميتافيزيقا.”[38] وهكذا نستمر في تحليلنا مدعمين بالحجج الدامغة التي تؤكد رفض الخطيبي لهذه الهوية العمياء-المتوحشة- الأستاذ محمد الزاهيري يزكي هو الآخر (الموقف) أيضا، بقوله”ولكي ننمكن من الإحاطة بمفهومي الهوية/ الاختلاف لابد أن نسجل رفض الخطيبي ل: الهوية العمياء: وهو مفهوم بسيط إلى حد السذاجة إذ ينفي نفيا مطلقا ” الآخر” “[39] .

وخلاصة القول، أن ما يعطي حدة حضور المفهوم في فكر الخطيبي الإبداعي والشعري والفكري، هو  افتتاح قصيدة المناضل الطبقي على الطريقة الثاوية بالمفهوم أول مفهوم ينحته الخطيبي هو الهوية لأنها تطفو في ذهنه على المفاهيم الأخرى.

” العالم كله يعبد الهوية( ص 10)”.[40]

خطوة الخطيبي في نحت المفهوم، هي خطوة مغامرة فكرية شكل إرهاصاته الأولية الفكر المعاصر خصوصا فكر الاختلاف ( نيتشه، هيدجر، ماركس، دريدا…) وهكذا يبقى الوعي الشقي متعجرفا نحو الهوية العمياء حسب الخطيبي” إن الوعي الشقي انفصال لا متناه وهو يحيا على أمل العودة الممكنة نحو الذات واسترجاع الهوية العمياء.”[41]

 

لائحة المصادر والمراجع

بالعربية:
– الخطيبي عبد الكبير:       الذاكرة الموشومة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ترجمة بطرس الحلاق ، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، 1998
– الخطيبي عبد الكبير:       المغرب العربي وقضايا الحداثة، منشورات الجمل، بغداد- بيروت، 2009، الطبعة الأولى.
– الخطيبي عبد الكبير:    “المغرب كقضية فلسفية”، مجلة( أقلم)، المغرب- الرباط، أبريل 1978، عدد3.
– الخطيبي عبد الكبير:       المناضل الطبقي على الطريقة الثاوية، ترجمة كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، المغرب، 1986، ط 1.
-الخطيبي عبد الكبير:        النقد المزدوج، منشورات عكاظ، الرباط، 2000.
– الزاهيري محمد :         “الخطيبي: فكر الاختلاف وكتابة الجسد” المناضل الطبقي على للطريقة الثاوية، دار توبقال للنشر، المغرب، 1986، ط 1.
– الشيخ محمد:              مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، منشورات الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدر البيضاء، 2004، الطبعة الأولى.
– بنعبد العالي عبد السلام:   التراث والهوية، دراسة في الفكر الفلسفي بالمغرب، دار توبقال للنشر، المغرب 1987، الطبعة الأولى.
– بنيس محمد:              ” تعددية الواحد”، مجلة الكرمل، نيقوسيا، قبرص، 1974 ، عدد 2.
-برادة محمد :              تقديم لكتاب، في الكتابة والتجربة. لعبد الكبير الخطيبي، دار العودة-بيروت  1980، الطبعة الأولى.
-جهاد كاضم:              تقديم، للمناضل الطبقي على الطريقة الثاوية، دار توبقال للنشر، المغرب، 1986، ط 1.
– كثير إدريس، الخطابي عز الدين:       أسئلة الفلسفة المغربية، منشورات الزمن، الدار البيضاء 2000 ، الطبعة الأولى.

بالفرنسية:

1.                                                                                                                                                     KHATIBI ABDELKABIR    : Amour Bilingue .Edition EDDIF, September 1992.
2.                                                                                                                                                     KHATIBI ABDELKABIR    :  la mémoire tatouée, éditions denoel, 1971.
3.                                                                                                                                                     SAICH  BOUSTA  RACHID         :  « Esquisse de la double Epaisseur du recit Khativien ». in acte du colloque sur le littérature marocaine de langue français. Recits et discours (Marrakech, 9, 10, 11 Mars, 1988) Revue de la faculté des lettres et sciences humaines de Marrakech, n°3, 1989.
4.                                                                                                                                                     TENKOUL ABDERHMAN  : Littérature Marocaine décriture Français Essais d’analyse sémiotique , Afrique orient, 1985.
5.                                                                                                                                                     WAHBI HASSAN       :« Le texte polyphonique, approche de l’écriture de A.Khatibi. Dirâsât (revue publiée par la faculté des lettres et des sciences humaines d’Agadir) n° 2, 1988.

[1] -عبد الكبير الخطيبي: المغرب العربي وقضايا الحداثة، ص 141.
[2] -المرجع نفسه، ص: 13.
[3] -المرجع نفسه، ص: 93.
[4]-المرجع نفسه، ص: 71.
[5] -المرجع نفسه، ص: 93
[6] -المرجع نفسه، ص: 141.
[7] -عبد لسلام بنعبد العالي: التراث والهوية، دراسة في الفكر الفلسفي بالمغرب، دار توبقال للنشر، المغرب 1987، الطبعة الأولى، ص 54.
[8] -المرجع نفسه، ص: 48
[9] -المرجع نفسه، ص: 48-49.
* -موريس بلانشو، فيلسوف فرنسي.
[10] -المرجع نفسه، ص: 52.
[11] -ABDELKABIR KHATIBI :  Amour Bilingue ,Edition EDDIF, September 1992,p 84-85.
-Entre tu pueblo y el mio
-Hay un punto yuna raya
-La raya dice: mo hay paso
-El Punto, via cerrada
-Y asi entre todos los pueblos.
=-raya y punto, punto y raya.
-Con tantas rayas y puntos.
-El mapa es un telegrama
-Caminando por el mundo
-Se ven rios y montanas,
-se ven selvas y desiertos,
-Pero no puntos ni rayas.
-Porque esas cosas no existen,
si no que fueron tarazadas
-Para que mi hambre y la tuya
-Esten siempre separadas.
[12] -عبد السلام بنعبد العالي: التراث والهوية دراسات في الفكر الفلسفي بالمغرب ،ص: 43-44.
[13] -Abdelkabir khatibi : la mémoire tatouée, éditions denoel, 1971. « Ce vol  rencontrer l’occident  dans le voyage de l’identité et de la différence souvage. »
[14] -عبد الكبير الخطيبي: الذاكرة الموشومة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ترجمة بطرس الحلاق ، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، 1998
[15] محمد برادة: تقديم لكتاب، في الكتابة والتجربة. لعب الكبير الخطيبي، دار العودة-بيروت  1980، الطبعة الولى ص:9
[16] -عبد الكبير الخطيبي: النقد المزدوج، منشورات عكاظ، الرباط، 2000 ص : 22.
[17] -محمد  الشيخ: مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، منشورات الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، الدر البيضاء، 2004، الطبعة الأولى، ص: 103.
[18] -عبد الكبير الخطيبي: النقد المزدوج، ص : 52.
* – هيراقليطيس فيلسوف يوناني من الفلاسفة الطبعيين، يدافع عن الحركة والصيرورة.
[19] -إدريس كثير عز الدين الخطابي: أسئلة الفلسفة المغربية، منشورات الزمن، الدار البيضاء 2000 ،الطبعة الأولى ص:88.
[20] -كاضم جهاد: تقديم، للمناضل الطبقي على الطريقة الثاوية، ص: 5-6.
[21] -عبد الكبير الخطيبي: المغرب العربي وقضايا الحداثة، ص: 138.
[22] -المرجع  نفسه، ص:148.
[23] -عبد الكبير الخطيبي: “المغرب كقضية فلسفية”، ص: 6.
[24] -محمد بنيس: “تعددية الواحد”، ص: 224.
[25] -Rachid Saich Bousta :  « Esquisse de la double Epaisseur du recit Khativien ». in acte du colloque sur le littérature marocaine de langue français. Recits et discours (Marrakech, 9, 10, 11 Mars, 1988) Revue de la faculté des lettres et sciences humaines de Marrakech, n°3, 1989, p.174-183. « La problématique de l’identité que semble constituer l’élément matriciel de la mémoire tatouée. P 174.
[26] -Ibid, p.177 « Mieu encore, l’écriture semble mettre en procès l’identité folle. Avec les déplacement de la tension, elle met plus spécialement l’accent sur la dualité identité / différence.
[27] -Hassan Wahbi :” Le texte polyphonique, approche de l’écriture de A.Khatibi”. Dirâsât (revue publiée par la faculté des lettres et des sciences humaines d’Agadir) n° 2, 1988, p.105. « La stratégie du corps double est une problématique de l’identité qui se manifeste dans le livre du sang comme enjeu textuel, et crise du corps dans l’altérité séparatrice ».
[28] -Abderhman Tenkoul : Litterature Marocaine décriture Français Essais d’analyse sémiotique , Afrique orient, 1985 (131-144). « A la place de l’identité souvage, il nous invite a méditer sur « pensée autre ».
[29] -عبد الكبير الخطيبي: الذاكرة الموشومة، ص : 110.
[30] -المرجع نفسه، ص: 130
[31] -المرجع نفسه، ص 130.
[32] -عبد السلام بنعبد العالي: التراث والهوية، دراسات في الفكر الفلسفي بالمغرب، ص: 49.
[33] -عبد الكبير الخطيبي: المغرب العربي وقضايا الحداثة، ص 143.
[34] -المرجع نفسه، ص 148.
[35] -عبد الكبير الخطيبي: “المغرب كقضية  فلسفية”، ص: 12.
[36] -عبد لكبير الخطيبي: المغرب العربي وقضايا الحداثة، ص: 145.
[37] -إدريس كثير عز الدين الخطابي: أسئلة الفلسفة المغربية، ص: 77.
[38] -المرجع نفسه، ص: 87.
[39] -محمد الزاهيري : “الخطيبي: فكر الاختلاف وكتابة الجسد” االمناضل الطبقي على لطريقة الثاوية، ص: 88.
[40] -عبد الكبير الخطيبي: المناضل الطبقي على الطريقة الثاوية ، ص 10.
[41] -عبد الكبير الخطيبي: النقد المزدوج، ص: 145.

……………….