وجد المغرب نفسه، في الأيام القليلة مجبرا على تدبير قضايا إعلامية ذات حمولة سياسية كبيرة للغاية.
آخرها التصعيد الجديد بين بلادنا وبين مصر الجديدة، على فوهة مدافع إعلامية.
فقد تابعنا(انظر ص8) تعامل التلفزيون الرسمي المغربي مع تقرير حول أرض الكنانة. يشكل تحولا جديرا ومدهشا، في الموقف الإعلامي المغربي من مجريات سياسة مصر الحديثة وتبعات 30 يونيو والإطاحة بمحمد مرسي، وانتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسا لدولة مصر.
1- ظل الموقف الإعلامي المغربي مسايرا حثيثا ورفيقا للموقف الرسمي الديبلوماسي، يحط حيث يحط ويطير حيث يطير، وفي الحالة التي تابعناها بمناسبة السنة الجديدة، سبق الموقف الرسمي الإعلامي الموقف الرسمي الديبلوماسي، ولم يصدر لحد الساعة أي بيان أو بلاغ يفسر بالسياسة والديبلوماسية، الرسالة التي تم توجيهها عبر الإعلام.
ونعلم منذ كتابات كارل فون كلاوزفيتز أن الحرب، أي حرب، هي بالضبط مواصلة السياسة بوسائل أخرى. والوسيلة هي هنا الإعلام..
هل يمكن أن نقرأ كل ما له علاقة بالموضوع من هذه الزاوية السياسية فقط، ونجعل كل ما له علاقة بالمغرب ومصر، له مستقبل واحد هو مستقبل القطيعة التي تترتب على توصيف ماجرى ويجري في مصر من زاوية الذين رفضوا 30 يونيو وما تلاها من مجريات؟
لا شيء يجعل الجواب سلبيا، لأن القرار الإعلامي في المغرب لا يمكن أن نفصله عن القرار السياسي عندما يتعلق الموضوع بالإعلام الرسمي المغربي !!
لكن هل يمكن والحالة هذه أن نقرأ زيارة جلالة الملك الى تركيا، التي تقود الجبهة المناهضة لمصر السياسية، في سياق التصعيد الذي نحن بصدده أو أقله التحول الذي نعيشه؟
هناك مصادفات تصنع السياق، وسياقات تعطي المعنى لمواقفنا، ويصعب تجاهلهاَ
والمحقق أن القراءة المباشرة تفرض علينا أن نضع المعادلة التالية: الحرب الإعلامية المصرية على المغرب لم تتوقف، والحرب المغربية الإعلامية على مصر بالكاد بدأت.
وفي محصلة التحليل، وبكل ما في الموقف المغربي من حمولة سياسية لا يمكن إغفالها ، فإن الثابت أن المغرب يعيش على رقعة الإعلام حرب الديبلوماسية.
2- في السياق ذاته عاش المغرب حربا إعلامية أخرى، بدأت منذ أكتوبر الماضي. فمنذ ثلاثة أشهر تقريبا وموقع كولمان 24 ينشر التقارير والمستندات التي تهم المغرب، من الجيش الى الأجهزة الى الديبلوماسية، مرورا بالإعلام نفسه.
وقد شهدنا كيف أن القراءة الأكثر حساسية وانتشارا هي التي همت الإعلاميين ، فرنسيين كانوا أو مغاربة. وكان لنا الحق، في كل أطوار المتابعة أن نندهش! كان لنا حق الدهشة ونحن نقرأ ما ينشر، وكان لنا حق الدهشة من الجرأة التي كتبت بها صحافيات فرنسيات حول الموضوع..
وكانت الصحافة الفرنسية، في شخص الصحافيات اللواتي وردت أسماؤهن، في مقدمة الدفاع عن استقلالية الإعلام عن التوظيف السياسي والمخابراتي.
وبدون تبسيطية فارغة يصعب أن نضع جدارا سميكا وفاصلا نهائيا بين خدمات الصحافة وخدمات المخابرات في العديد من الدول ، بما فيها الدول الديموقراطية العريقة. والعلاقة أعقد من أن تلخص في مقولة بسيطة وعابرة واختزالية.. هناك مصالح تتعدى أحيانا الوجود المهني الى الوجود السياسي أو الوطني أو العقدي أو الإيديولوجي.. الخ.
ففي فرنسا، الكيدورسي لابد له من إعطاء صورة عن مصالح فرنسا للصحافيين، بمعرفة كل الإعلام في البلاد لكي لا تتعارض مواقف وأخبار الصحافي مع مصالح البلاد مع احترام الحريات والحقوق والحياة … ومهمة المخابراتي والصحافي تلتقي، جوهريا، في البحث عن المعلومة، ولا يجب أن تلتقي في التشهير أو في نشر الاخبار الخاطئة ضد البلاد أو مواطني البلاد( الاحترافية مطلوبة في الحالتين).
وخطأ من يعتقد بأن البلدان، كل البلدان، لا تعمل من أجل أن يكون لها أنصار في أوساط صناعة الرأي العام، وهي مسؤولية سياسية قبل أن تكون محض إعلامية..
3 – تتزامن هذه الدوائر الإعلامية مع نقاش وطني حول تنظيم الاعلام، وهو معركة كبيرة لم يعد من المنطقي التعثر فيها، سواء منذ إعطاء الانطلاقة مع الدستور أو قبلها وبعدها.
كان ماو يردد أن الكلمة الاخيرة في أية حرب تعود الى السياسة.. والسياسة هي أية سياسة إعلامية للدولة المغربية، على المدى البعيد والمتوسط وليس على تدبير اللحظات الحرجة؟
ربما يكون النقاش في الامر يحتاج الى طرح فكرة أعمق من إصلاح الاعلام عبر مجلس وطني إعلامي ..ويتعداه الى حديث عن مجلس أقوى له مقومات وقوة المؤسسات الدستورية العليا، لا تنحصر في تدبير الملفات المهنية للأفراد أو الهيئات.. بل تتعداه الى ما هو أعمق… .

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

3 يناير 2015