قال عنّي الأستاذ اليابوري في رسالته عن الفنّ القصصي في المغرب، إنّي اتخذت لنفسي طريقة تشجيع الإنتاج المغربي وذلك ما جعلني أطنب في الثّناء على بعض القصص الّتي تشرفت بتقديمها للقراء. وإنّي أنتهز هذه الفرصة الثّمينة لأؤكّد –أوّلًا- أنّني أُحاول دائمًا أن تكون أحكامي موضوعيّة بقدر الاستطاعة، وليس التّشجيع الّذي يدفعني للإعراب عن رأيي، لأنّ الأدباء الذين قدّمت لهم أو عرضت منتوجهم لا يتوقّفون على مثل ذلك التّشجيع، ولكنّني –والحقّ يُقال- أُراعي ما أجده من إفادة وما أحسّ به من توافق في الفكرة، وشعور بأنّ الكتاب أو القصّة الّتي أعرضها من شأنها أن تخدم القضيّة المقدّسة الّتي وقفت حياتي على خدمتها.

وعلى كلّ حال فإنّ الكتاب الّذي أتشرّف اليوم بالحديث عنه لإخواني في هذه النّدوة أسمى من أن يوضع ما أقوله عنه في الإطار الّذي وضعني فيه الأستاذ اليابوري.

إنّ كتاب تاريخ المغرب الّذي ألّفه الأستاذ الجليل السّيد عبد الله العروي فذّ في موضوعه، وغني عن كلّ ثناء، لأنّه سدّ فراغًا كانت تتوقّف عليه المكتبة المغربيّة، وصدوره دليل على أنّ وعي النّخبة المغربيّة قد اتجه نحو اكتشاف الحقيقة الوطنيّة عن طريق البحث العلمي في مراحل تاريخ وطننا ككلّ لا يتجزّأ، كمغربٍ كبيرٍ موحّد، وكاجتماعيّات منبثقة من نموذجنا الوطني وتفاعلاته مع حضارات الشّرق والغرب الوافدة إلينا، ومحاولاتنا الإبقاء على حضورنا كأمّة لها كيانها الخاص ووحدتها التّرابيّة والثّقافيّة الّتي تعبّر عنها ردود فعلنا الواحدة فرادى وجماعات. إنّه عرض تاريخي لا يُقصد منه التّاريخ بقدر ما يقصد منه إعادة البناء لواقع اجتماعي وسياسي بمقدّماته وتناقضاته ونتائجه، واستنباط مغازيه وما يجب أن نتعلّمه منه لنجد حاضرنا ونبني مستقبلنا.

إنّ كتاب العروي ليس تاريخًا للمغرب، ولكنّه نظرات في تاريخ المغرب ما كان لنا أن نبصرها لولا تلك النّظارات الكاشفة الّتي وضعها المؤلف على عيوننا.

والأستاذ العروي كان وهو يعرض أحداث الماضي ويناقش الجوانب الّتي يراها منها المؤلفون الأجانب والمغاربة اليوم يقوم بعملية فرز يقصد بها توجيه الأنظار إلى نقط بحث عديدة جديرة بأن يتناولها المثقفون المغاربة بالدّرس العميق والاستنباط الحكيم، إنّه في ذلك ما كان يرمي إلّا إلى أداء رسالة وطنيّة تبعث الوعي في النّفوس بالحاجة إلى إبراز الماضي وإسقاط أضوائه على الحاضر واستخراج ما يجب أن يكون عليه المستقبل.

لقد بدأ المؤلف الكتاب بمقدّمة حلّل فيها في الصّفحة الأولى ادّعاءات الأجانب سوء الحظ الّذي رافق المغرب في تاريخه فجعله فاشلًا في محاولاته بناء استقلاله ووحدته، وقال إنّ سوء الحظّ الحقيقي هو وجود مؤرّخين غير أكفّاء من الأجانب مع ضعف النّقاد والمؤرّخين المغاربة، ولم يتم عتق التّاريخ أي تحريره من ادّعاءات المستعمرين في مُحاولات مثل السّاحلي، إذ الواقع أنّ تاريخ ما قبل 1940 لم يلحقه أي عتق (ديكولونيزاسيون).

ويُسجّل المؤلّف شعوره بأنّ تجاهل ما يكتبه المستعمرون أو التّقليل من أهميّته مضرّ وغير مُفيد، لأنّه يؤثّر –مثلًا- في القارئ الأمريكي، لا سيما والمغاربة مشغولون عن التّاريخ بحاجات الحاضر جاهلين أن ما يطبع به الأجنبي تاريخهم يؤثّر على حاضرهم. إنّ ذلك هو الباعث على إصدار هذا الكتاب (ص 2 وما بعدها).

ويتساءل العروي في ص 11 ما هو عمق وما هي عبقريّة وجراحة ما يكون تأخّرًا يجب استدراكه؟

ليس الغرض استعراض التّأريخ، ولكن معرفة العلاقة الّتي تربط مغربيًّا مهتمًّا بمستقبله بذلك التّاريخ! الرّباط الموجود بين المتطوّر والثّابت، وهذا ما يشرحه في القسم الثاني من كتابه عن الأيديولوجية العربيّة المعاصرة، وفي ص 271 من تاريخ المغرب يعود لهذه الفكرة عن المغرب الاستعماري ليُشير على ما برز من ظاهرة تحول نوعي في أبحاث المؤرّخين الأجانب الذين أخذوا يتراجعون ويُندّدون أحيانًا ببعض ما كتبه مؤرّخون استعماريّون وصليبيّون، وهذا واضح حقًّا في كتابات المختصّون في الشّؤون المغربيّة والعربيّة (لاوست، بيرك، إيف لاكوست)، ولكن نرى أنّ من الأوفق أنّه لو أضاف لهذه الظّاهرة ظاهرة تجديد في الادّعاءات والاتّهامات الّتي يقوم بها كتّاب ماركسيّون رودنسون مثلًا مع إعجابنا بموقفهِ من القضيّة العربيّة فإنّه في الوقت الّذي يشنع على كوني وبيرطران وغيرهما ممّن باعوا أقلامهم لصالح الفكرة الاستعماريّة لا يتأخّر عن تبنّي التّهم الّتي وجّهها مفكّرون أوروبيّون للمسيح والمسيحيّة في القرن الثّامن عشر وما بعده مع تصويبها لنبيّ المسلمين ودين الإسلام حياة محمّد والإسلام والرّأسماليّة، إلخ… ولكن الحقّ أنّ العروي انتبه لشيءٍ من هذا في حاشيته ص 223 حيثُ نبّه إلى أنّ جهودًا تُبذل (مع حسن النّية) لتكوين أيدولوجيّة الاستعمار الجديد.

إنّ فكرة المتطوّر والثّابت الّتي أومأ إليها الصّديق العروي فكرة عظيمة ليست فقط في ميدان البحث التّاريخي، ولكن حتّى في الجانب التّقدّمي الإنساني، التّقدّمي على العموم، وعمليّة الفرز هذه، المتطور والثّابت، يجب أن تكون أمام أعيينا لنعلم أن تغيّرًا مُطلقًا لا يُمكن ما دام الإنسان هو الإنسان موضوعيًّا، وبصفته العامل الأهم والباعث الأكبر في كلّ أحداث التّاريخ.

ما هو المغرب العربي؟ الاسم نفسه كان موضوع تلاعب من المؤرّخين الأجانب (ص 13) لكن المُهم في اختيار اسم المغرب ليس الجغرافية ولكن التّاريخ نفسه. وفي الحاشية يعود العروي ليعرض علينا لونًا من التّطوّر الّذي طرأ على أفكار الكتّاب الفرنسيين المتحرّرين أنّدريه جوليان -مثلًا- له كتاب عن تاريخ المغرب، لا أحد يمكنه أن يتهرّب من ضرورة اتّخاذ موقف إزاء هذا الكتاب، إنّه إذا قورن بالكُتَّاب الآخرين يُحكم له بخبرة قائله. لقد تحرّر من الكثير ولكنّه لم يستطع أن يتخلّى عن بعض الأحكام المُسبقة الّتي كانت تسوغها أوضاع ما قبل 1939 والتي أصبحت باطلة بعد عشرين سنة، والطّبعة الجديدة تُعتبر كتابًا ثانيًا، ولكن تلك الأحكام لم تتغيّر وينتقد كذلك ش. كورتوا و روجي لو تورنو، ويرفض مُطلقًا الأيديولوجيّات الّتي تملأهم، دون أن نتجرّد عن عواطف الودّ الّتي نضمرها لهم.

ونقد جوليان يستلزم نقد بورقيبة وعبّاس فرحات ودفتر الإصلاحات المغربيّة (ص 12).

إنّ الفصل بين تاريخ الأقاليم المغربيّة يتأتّى من كون التّاريخ يولد في هذا الجزء من العالم الّذي جاءته الحضارة من الخارج، وليس له سبب وجود إلّا في الآفاق الّتي يرفعها التّاريخ، وهذا الرّفع الّذي يهتمّ  به كتّاب ما قبل التّاريخ وباحثو الأنتولوجيا يتركه العروي لمن يتصدّى لنقده من ناشئة البلاد، وهي مهمّة علينا أن نذكر بوجوب القيام بها، لأنّ المغرب الّذي يقول كثير من علماء الإنسان إنّ الرجل الأبيض امتهد فيه لا بدّ أن يكون تأنس وحده قبل أن يتّصل بغيره ومن ثمّ لا بدّ أن يكون قد أنشأ حضارة أولى قادرة على أن تأخذ وتعطي.

في صفحة 22: يُنبّهنا المؤلّف على أنّ البحث عن الأصل يتبع طريقًا معكوسًا إذ إنّ العودة إلى نهاية الألف الثّانية قبل الميلاد وهو الميدان الّذي لا يعترض للأبحاث الاستعماريّة، لأنّ المغاربة لا يعرفون عنه شيئًا لأنّ علم أصول الإنسان لم يتجاوز بعد المئة سنة من عمره. إنّه ميدان آخر للبحث يجب أن يتّجه إليه المغربي لمعرفة نفسه.

أصلُ الموضوع من اختصاص الأثريّين الأصليّين، وإلى الحرب الكُبرى الأولى، فرض جسيل نفسه أستاذًا لتاريخ المغرب قبل الإسلام، وفي سنة 1930وقع تقدّم في تاريخ المغرب وحلّ محل جسيل، ل. بالوت مُستعينًا بالأدب والحفريّات. فهل تغيّر الجوّ بالنسبة للمغرب؟ البربر، ما هو أصل لغتهم؟ ما هو أصل ثقافتهم بالمعنى الأمريكي؟ الجواب لا يعتمد إلّا على الأيدولوجيّة، لا على العلم الإيجابي. لقد تساءل جسيل منذ البداية عن الأصل الرّوماني؟ وبقي الأمر كذلك حتّى الحرب الثّانية حيثُ تبيّن أنّ الصّحراء يبست بعد أن كانت مخضرة قبل وقت قريب نسبيًّا (ألف سنة لا عشرات الآلاف من السّنين). وقد تبع هذين النّظريتين تفاؤل باطنه تشاؤم عن مستقبل الشّمال الإفريقي وبقي التّفاؤل في أصل البربر أنفسهم، هل هم من أصلٍ أوروبّي؟ هل هم من أصلٍ شرقي؟ لا ترجيح، والعروي نفسه لا يبتّ برأيه في هذا الموضوع الّذي نعتبر البربر فيه ضحيّة حكم خارجي تأثر به ابن خلدون من قلّة العطف الّذي كان عند ابن حزم على سكّان العدوة المُمتدّة جيوشهم للأندلس، وأرجو أن لا يتأثّر به مؤلّفنا، فالبربر سكّان هذه الأرض الّتي أصبحت عربيّة من المحيط إلى الفرات هم عرب بقدر ما هم المصريّون والسّوريّون وحتّى ذريّة إسماعيل، عربًا.

علال الفاسي : إنّ كتاب العروي ليس تاريخًا للمغرب، ولكنّه نظرات في تاريخ المغرب ما كان لنا أن نبصرها لولا تلك النّظارات الكاشفة الّتي وضعها المؤلف على عيوننا.

أمّا اللّغة فالرّجحان لشرقيّتها، إلّا في ما يرجع لبعض الهواة الّذين ما يزالون يُكوّنون نظريّاتٍ مُتناقضةٍ. فآثار ليبيا ساكتة، لأنّه لم تحلّ رُموز الحفريّات لاستبانة أصل الأبجديّة اللّيبيّة.

ظلّ القول بأنّ الأصل المغربي مُتعدّد، منقول لا خالص، محلّ الاختلاف على الأصل الغربي أو الشّرقي للمغاربة، وكلّ ذلك في إطار علم كل يوم يتغيّر بتغيّر مكتشفاته (ص 25) (وانظر التّعليق رقم 10).

علم الأثر المغربي هو علم المقيمين والمديرين الفرنسيّين خاضع لهم، وفي ص 24-25 يُعطينا المؤلّف أدلّة ذلك. أمّا المغاربة فهم عاجزون عن مُعارضة الأيديولوجيّة الاستعماريّة في تاريخ ها العقد القديم لأنّ المصادر العربيّة لا تُفيد، مع أنّ الإبقاء على ما يدّعيه القوم مضرّ بالثّقافة المغربيّة، وهذا إرشاد آخر لمجال للبحث يجب أن يتّجه إليه أبناء وطننا.

ومع أنّ جامعة الجزائر ليست أقلّ سيرًا مع التّيار فإنّها أوّل من تنبّه إلى أنّ المصادر الثّلاثة:

1-      الكتابات اللّيبيّة، غير مقروءة وعديمة الفائدة.

2-      الأدب اليوناني اللّاتيني صعب التّأويل.

3-      الحفريّات المُعرّضة لسرقة الهواة لا تكفي لإصلاح ما أفسده الاستعمار حتّى عن حسن نيّة.

ما الفرق بين المرتبين والمستعمرين وتثبيت الهواة ما يتحدّث عنه الأثريّون قبل جسيل على أنّه فرض ما يزال قيد البحث؟ كلّ ذلك يجعلنا نشعر بمقدار الخطأ الّذي يقع فيه كلّ من يُحاول تكوين راي دون حذر كبير.

تلك هي الحقبة الأولى من تاريخ المغرب القديم، ومن استعمار لآخر، في الألف الثّانية ق.م. حين اقترب المغرب من الغرب والفينيقيين لا يوجد له تاريخ إلّا في كتابة أولئك، عن الرّومان، وعنهم بواسطة الفينيقيّين (ص 32 ف 2). وإذا لم يكن لذلك موجب وأسفاه فينبغي التّنبه لأثره على تاريخنا الحديث، إذ يتحدّثون في جميع الكتب المُتعلّقة بهذا العهد عن روما فقط. هل هناك آثار بربريّة؟ نعم ولكن من يجرؤ على تحقيق وقتها؟ ومن ذا الّذي لا يُحاول أن يجعلها من تراث الرومان؟ لأنّهم كما يقول المثل لا يقرضون إلّا الأغنياء. فهل نعجب إذا رأينا كلّ التّاريخ يوضع تحت عنوان تاريخ الرّوم؟

وإنّما لمُلاحظة عميقة هذه الّتي يُنبّهنا فيها العروي إلى ضرورة دراسة هذه الآثار المُتراكمة لدينا في شتّى المراكز الأثريّة في المغرب العربي؟ لقد جاء الرّومان وغيرهم للمغرب، ولكن هل كانوا وحدهم أم كان هنالك مغاربة؟ وقبل أن يجيء الرّومان وبعد ذهابهم فماذا فعل المغاربة؟ لماذا لا تكون هذه الآثار أو بعضها من صنع البربر؟ ذلك ما يحتاج لكسر المرآة الاستعماريّة، والبحث المغربي المستقل، وذلك ما يتطلّب بتكوين مُتخصّصين في شتّى العلوم المُتعلّقة بالآثار والحفريّات وأصول التّاريخ.

وهل يمكن أن نعرف شيئًا عن الحالة الاجتماعيّة في ذلك الإبان؟ نعم إن التّشريع الاقتصادي والضّريبي يسمح بمعرفة حالة المغرب الاجتماعيّة. كانت الملكيّات في يد الإمبراطور وكبار المستعمرين، ولم تكن الحروب مع قرطاجة ويوجورتا وجوبا إلّا لغاية نزع الأرض من يد المغربي، وكلّ الثّورات الأهليّة العامّة والخاصّة كانت من أجل الأرض (ص 38).

وفي القرن الثّالث حلّ تاريخ الكنيسة محلّ الرّومنة. وأصبح الأدب المسيحي ينتشر في إفريقيا الشّماليّة الخضوع لروما بتوافق السّلطتين الزّمنيّة والدّينيّة (من ترتيليان إلى سان أوجستان). وحتّى حينما تمّ الصّلح في بداية القرن الرّابع بين الأسقفيّة وروما، بقي أغلب الشّعب وفيًّا لذاتيّته وكيانه الوطني أمام روما، وأصبح الحديث عن الشّهداء مقرونًا بالعداء للإمبراطور الدّجال. وهكذا تبلور الانضمام السّياسي إلى الانفصال الدّوناتي دون اعتبار لما يؤثّر ذلك من غضب على الكاثوليكيّة، لأنّ هذه أيّدت الفوارق الاجتماعيّة.

من المُفيد دراسة هذه المرحلة، وأحاديث الشّهداء، لأنّه يُعبّر عن تنفّس الشّعب المغربي إزاء الضّغط الكاثوليكي الرّوماني وخيانة رجال الكنيسة مثل أوجستان (ص 39).

ولكن تاريخ الشّعوب لا يعرف إلّا من داخل البلاد وأحوالها فلا ينبغي أن ننتفخ تاريخيًّا بما هو لروما (ص 41).

العنصر الجديد الّذي دخل الميدان في القرن 6، الفينيقيّون الذين استوطنوا المدن الرئيسية، هل بسطوا نفوذهم على المغرب؟ هل استقدموا الذّهب من إفريقيا؟ إنّ الإمبراطوريّة القرطاجيّة إسقاط عكسي للاستعمار البرتغالي في القرن الخامس عشر، ستبقى قرطاجة بالنسبة لنا بواخر في بحر مداد إفريقيا (ص 42).

ويبدو أنّ الأستاذ العروي هنا يحكم على القرطاجنيين كأجانب جاءوا على الصّفة نفسها الّتي جاءت بها الروم أو الوندال، وهي نظريّة يميل إليها الكثير من مؤرّخي الشّمال الأفريقي من مواطنينا، ولكنّني ما زلت مُؤمنًا بأنّ الفينيقيّين لم يجيئوا بالكثرة الّتي يتحدّث بها المؤرّخون غربيّون ومغاربة. شأنهم في ذلك شأن المبالغة في الهجرة العربيّة والهلاليّة على الخصوص، والفينيقيّون جاءوا تُجّارًا ومُغامرين وامتزجوا بمدينة قرطاجة الّتي تثبت تاريخيًّا أنّها كانت معروفة في المغرب قبل مجيء الفينيقيّين. أنشأها البربر كما أنشأوا غيرها من المدن الّتي تشبه في أساليب بنائها الهندسة المتوسطيّة. وكانت قرطاجة (*) عاصمة الملك البربري أرباس، وأمّها الفينقيّون للتّجارة وانتشرت جاليتهم فيها وفي أطرافها فأصبحت الحضارة الفينيقيّة بارزة فيها سنة 810 وصار الفينيقيّون مغاربة في نظرهم وفي نظر البربر. واستطاع أذكياء منهم أن يكونوا أسرة حاكمة في الدّولة القرطاجيّة ثار عليها الأهالي أحيانًا وتعاونوا معها أخرى ولكن لم يُعاملوها قطّ مُعاملة روما أو غيرها من المستعمرين (يُمكن الرّجوع لمقدّمة كتابي الحركات الاستقلاليّة في المغرب العربي (ر.ح).

إنّ قرطاجة دولة مغربيّة لا استعماريّة، وليس من اللّائق أن تُضحّي بالحضارة الّتي تسمّت باسمها وهي من صنعنا نحن المغاربة.

أمّا صلة قرطاجة بالذّهب الإفريقي فلا شكّ أنّها الصّلة نفسها الّتي كانت للسّوريّين والمصريّين في تجارتهم مع المغرب، وكبلدٍ مشتف كسائر البلاد الّتي تقع فيها تجارة الترانزيت.

على أنّ العهد لم يطل حتّى جاء الفتح الإسلامي، وحالة الذّهب في العالم على الشّكل الّذي ذكره (موريس لومارد) في بحثه القيّم ‹‹القواعد النقديّة لتفوّق اقتصادي›› المنشور في مجلّة ANNALES عدد 2 من السّنة 2 (143).

وعند الفتح الإسلامي كانت الخريطة النقديّة تصوّر ثلاث مراكز تتعارض بعدم تساويها في مقادير الذّهب ومادّة الضّرب الّتي تستعملها.

إنّها الإمبراطوريّة البيزنطيّة، والغرب البربار والشّرقي السّاساني.

وقد بيّن كاتب هذا الفصل، أنّ الذّهب كان يُخزّن في كنائس الرّهبان في بيزنطة بينما كان السّاسانيّون يشتفون الذّهب ويدّخرونه ويطبعون نمياتيهم بالفضّة، في الوقت الّذي كان يفقد الغرب البربار ما يحصل عليه من الذهب في شراء البضائع الشّرقيّة. فلمّا فتح المسلمون هذه الأراضي أخرجوا ذهبها للنّاس وضربوا النّقود الذّهبيّة فازدهرت التّجارة ما بين الغرب وبين الخطّ الإسلامي. وينبغي أن ننبّه إلى أنّ هذه السّياسة الّتي اتّبعها الخلفاء الفاتحون في ترويج الذّهب وإخراج ما عند الرّهبان في الكنائس والسّاسانيّين في الخزائن إنّما هو تنفيذ لمبدأ الاقتصاد الإسلامي الّذي يحرم الكنز ويوجب ترويج النّقد وعدم تجميد الثّروات. وإلى هذا الواقع يُشير القرآن الكريم إذا يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ}. وهو ما يُؤكّد رأي في أنّ النّفقة المطلوبة ليست هي الزّكاة أو الصّدقة لكلّ ما عند الإنسان، وإنّما هي إخراج النّقود وعدم اختزانها ترويجًا لها سواء في الزّكاة أو الصّدقة أو في أعمال اقتصاديّة وتمويل منشآت، إلخ…

إنّ ما فعله الخلفاء يُبيّن حقيقة النّظام الاقتصادي الإسلامي وهو في مبادئ أخرى يكون علم الاقتصاد والماليّة ضمن الفقه الإسلامي لمن شاء أن يتعلّم.

ومنذ انتظمت الحماية البربريّة والقمح موجود كما يقول (جسيل) (ص 46). أمّا ادّعاء انتشار المسيحيّة في أوساط مغربيّة كثيرة فيجادل فيها الأستاذ العروي بعبقريّة وإتقان (ص 50). المسيحيّون في الغالب روميون لا بربر، وفي المدن لا في البادية، وأغنياء لا فقراء، وإن كان من الممكن أن يكون البؤس جرّ بعض فقراء البربر أن يتنصّروا رجاء تحسين أحوالهم أو لتسويغ فقرهم. وكان بعض البربر مخلصين في الدّوناتيه ضدّ مسيحيّة روما. أمّا غالب البربر فانضموا للدّوناتيه حلفاء ظروف اقتضتها الثّورة على المستعمر.

الّذي يهمّنا هو أنّ كلّ كاتب من الأجانب ينظر إلى الأحداث الواقعة في المغرب الرّوماني بمنظر الحزب الّذي ينتمي إليه. وليس فيهم من يقول إنّ في ما يجري من معارضة دليلًا على وعي بوجدان وطني أو اجتماعي عند البربر (ص 57 انظر الفقرة 2): ‹‹باعتبار النّظريّة التّحرريّة فشلت روما بسبب تناقض سياستها، وليس لردّ الفعل البربري وكان ممكنًا للكنيسة أن تختار أحد الطّرق، لو فعلت لخلصت المسيحيّة والرّومنة معًا. كان يُمكن أن تمثّل في الماضي الدّور الّذي تحاول تمثيله الديموقراطيّة الاجتماعيّة ومهما تكن الحقيقة الّتي يكشف عنها لهذا الأفق، ومهما كانت صفته المعادية للاستعمار إلى حدٍّ ما، فقد بقي نظرة سلبيّة لما سبق. لم يمثّل المغربي أيّ دور إيجابي. وسواء نظر إليه كخطر من وراء الليم، أو ضحيّة من أسفله فهو دائمًا مأخوذ من الخلف، كلّ الآفاق استعماريّة سلبيًّا وإيجابيًّا، والأيدولوجيّة الوطنيّة لم تخترع شيئًا في هذه الخطّة، ولعلّها ترد للماضي وزنه وكونه الخاصين؟ إنّها مسألة في غير محلّها، على ما يظهر، إذن يلزم الاعتراف بذلك وانتقاد كل ما يحرف الماضي بواسطة الحاضر››.

ويعود العروي لينتقد على المغاربة المعاصرين عدم اهتمامهم بهذه الحقبة من التاريخ وهو محقّ في ذلك؛ ولكنّه غير محقّ حين ينتقد دفاعهم عن قرطاجة. إنّهم لا يُريدون بذلك إثبات الأصل الشّرقي للمغرب كما يظنّ؛ ولكنّهم يثبتون حقيقة مغربيّة هي أنّ قرطاجة آوت الفينيقيّين لا كفاتحين ولكن كمهاجرين. وفي ما يخصّني فإنّ الشّيء الّذي أريد إثباته والواقع يُؤكّده هو أن الاتصال كان دائمًا بين هذا الخطّ الجغرافي الّذي يربط بين المحيط والفرات ولم يصبح المغرب الّذي في الطرف الغربي لهذا الخط جزءًا من الأرض العربيّة إلّا بعد أن أصبح الخطّ كلّه عربيًّا ومسلمًا. أمّا أن يكون الأصل المغربي فينيقيًّا فهذا شيء لا أدّعيه، إنّما ثمّ ما يُسمّيه العروي في أماكن كثيرة ولا سيما في الخاتمة وحدة ثقافيّة وعاطفيّة انصهرت في قرطاجة بين الأهالي وضيوفهم الذين أصبحوا هم أيضًا مغاربة ممتزجين بالبربر، دليلها الأكبر في نفس المواطنين ردود الفعل الواحدة ضدًّا على الرّوم وغيرهم من الفاتحين.

الدّفاع عن قرطاجة في ما نرى جزء من مغربيّتنا، لا لإثبات أن أصلنا من الشّرق أو من الغرب، بل لأنّنا أبناء وطن اتّحدت عناصره مختلفة الأصل.

هل أراد (يوجورتا) أن يحتلّ قرطاج أو يخرج الرّومان؟ (ص 62). حقيقة إنّ هذه قضيّة تحتاج لبحث كثير، والذي أفرضه أن (يوجورتا) كان يعمل لحساب روما ضدّ قرطاجة أي ضدًّا على المغاربة.

ص 68 في إطار المغرب المثلث يصبح للصّحراء مركز تاريخي. و من الغلط إغراق مسألة تمّت تاريخيًّا (2 إلى 7) في قضيّة أوسع منها والتي هي من اختصاص الجغرافية. ثلاث نقط يجب بحثها: أ- التّنظيم الاقتصادي والاجتماعي الّذي غلب في الصّحراء والمرموز له بقضيّة الجمل. ب- الشّعب المقيم في الصّحراء وأخيرًا دوره بالنّسبة للمغرب في مجموعه. يربط (جسيل) القضيّة بالضّغط الاستعماري الرّوماني وفرار السّكان للصّحراء الذين طردوا أمامهم السّود الأثيوبيّين وتقووا بمهاجرين آخرين مستعينين بالجمل الّذي ظهر في القرن الأوّل بعد المسيح. أمّا (كوتي) فجعل على حساب روما تعمير البلاد بالإنسان والحيوان، ومنها الجمل الذي كان سببا في خلق العرب الرحل، و ربط كورتوا النظريتين معا منكراً أن يكون الجمل قد غاب يومًا ما عن الصّحراء مُدّة العهد التّاريخي، كما أنكر أن يكون الجتول والأثيوبيّون قد افترقوا في وقتٍ ما. والشّيء الجديد عنده هو دخول لواتة الرّحل في طرابلس قادمين من النّيل الأعلى في القرن الثّالث وذلك بسبب التّهجير الّذي قرّره الإمبراطور (ديوكليزن). وهنا يعرض العروي لما وراء التّطوّر عند هؤلاء الباحثين من مغاز استعماريّة ويقول:

مسألة الصّحراء المغربيّة لا تتعلّق لا بالطّقس ولا بالحيوان وإنّما هي تاريخيّة. ففي الوقت الّذي أصبحت الصّحراء ملجأ للسّكان الأهالي الذين يعودون لأعرابيتهم وهم يُفكّرون في العودة في أقرب وقت للشّمال، أصبحت الصّحراء ذات صفة خاصّة. وذلك لم يقع إلّا في وقتٍ مُحدّد يبتدئ مع الاستغلال الرّوماني، وينتهي في الوقت الّذي غدت فيه الصّحراء مركز اتّصال بين إفريقيا السّوداء وبين المغرب. تلك التّنمية الّتي حصلت في الغالب في القرنين الثّامن والتّاسع، وليس أربعة قرون من قبل. الإمارات التّسع المغربيّة هل وحدت لغتها وثقافتها؟ هل تمّ تمسحها؟ المهم أنّ المسيحيّة في المغرب لم تكن قط على اتّصال بالكنيسة الرّوميّة، والكنيسة المحليّة اتّخذت تدريجيًّا شكل توحيد مهّد السّبيل للإسلام.

و حينما جاء عبد الله بن أبي سرح لفتح المغرب لم يعد كما يظنّ المؤلّف مكتفيًا بما حصل عليه؛ ولكنّه طبّق أحكام القرآن {حتى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. لا ينبغي أن ننسى أثر التّعاليم القرآنية على أولئك الفاتحين الذين يرون في الإلحاح في قتال قوم آمنوا أو رضوا بالتّعاهد معنا ظلمًا لا يُمكن ارتكابه.

إنّ التّوضيحات الّتي أعطاها الأستاذ العروي عن بداية الفتح الإسلامي قيّمة وإيجابيّة والرّدة الّتي زعم أبو زيد القيرواني أنّها وقعت ستّ عشرة مرّة من البربر لم تكن ردّة في الدّين وإنّما كانت ثورة على مُخالفات أو سوء مُعاملة من بعض الضّباط العرب. والمُلاحظة العظيمة الّتي انتبه إليها العروي لأوّل مرّة، هي أنّه لم يكن ثمّة أي اضطراب أو ثورة دفاعًا عن المسيحيّة ضدّ الإسلام، الأمر الّذي بيّن أن ما يتحدّث عنه من انتشار للمسيحيّة في الأوساط البربريّة مبالغ فيه على الأقل.

إنّ التّوضيحات الّتي أعطاها الأستاذ العروي عن بداية الفتح الإسلامي قيّمة وإيجابيّة والرّدة الّتي زعم أبو زيد القيرواني أنّها وقعت ستّ عشرة مرّة من البربر لم تكن ردّة في الدّين

قد حدثت انقلابات مستمرّة على أثر النّزعات الّتي ظهرت في الشّرق بعد اختلاف الصّحابة وكان للتمرّد الخارجي (الصفري والأباضي) أثر في تثبيت ذاتية المغرب ومساعدة هذه الذّاتية على إسلام البربر. وتتم هذه المُلاحظة بالإشارة إلى أنّ خوارج المغرب لم يقبلوا التطرّف الأزرقي، وهي ظاهرة مهمّة تبيّن الرّغبة في حكم ديموقراطي مُتسامح مع المحالفين مع أهل الإسلام.

وسأل الأستاذ العروي هل أراد المغرب أن يكون مغربيًّا؟

لقد وجد المغاربة في الإسلام المحرّر وباعث الأمل والمؤمن للنّفس (ص 120 وما بعدها) وخلط المستعمرون في تفسير القرن 9. الأهم ثُنائيّة القرن 9، التّجارة والفلاحة لا الرّعاية كما ظنّ (جوتيي)، من ثمّ نرى خطأ المستعمرين حينما يسقطون إشعاع ماض بعيد على حاضر جديد.

ثلاثية المغرب استمرّت في القرن 9 ولكن في جو آخر. في إفريقيا الأغلبيّة تأسّست دولة على صورة الدّولة الإسلاميّة المركزيّة الّتي أصبحت بدورها نموذجيّة. وهذه الدّولة عربيّة بربريّة (شكل عربي وإس بربري) وقد تعمّم هذا التّطوّر من بعده؛ ولكن كخطوة أولى لأنّه كثيرًا ما يغيب الإطار العربي حين يسلم البربر. مصاحبة الماضي واضحة، ولكن يمكن القول بأنّ الأغالبة نجحوا حيث فشل الونداليون لأنّهم ساروا كورثة لروما، ولم يريدوا أن يعملوا لصالح الخطّة البربريّة. استقلّوا وأبوا أن يُهيّئوا استقلال الأفارقة. وسواء أراد الأمراء الأغالبة أو لم يريدوا فإن منطق العقيدة الإسلاميّة، الّتي لا يُمكن إجهاضها تمامًا، وحّد المُجتمع الأفريقي، وجاء اعتناق المذهب المالكي ليعمل في تدرّج على تحقيق ذاتية ووحدة سائر الشّمال الأفريقي المعنوية. أمّا المغرب الأوسط فمن جهته كان دائمًا مقرّ المدنيّة –الدّولة- ولكنّه امتدّ نحو الشّمال حتّى المتوسّط، ومن الجنوب إلى واحة درا، ويُمكن القول بأنّه كثيرًا ما نُلاحظ تجدّد إمارات من القرن 3-7 الّتي كانت قد تفكّكت أحيانًا بسبب حروب التّسلّط. و بهذا الاعتبار فإنّ نموًّا هائلًا تجاريًّا ومعدنيًّا وفكريًّا قد توالى. وذلك ما يكذب بصفة قاطعة نظريّة (ش. كورتوا) القائلة: لا حضارة خارج المحور الرّوماني. وأيضًا فإنّ المغرب الصّحراوي امتدّ بصفة عظيمة إلى قلب الصّحراء الحالية، وأصبح على الخصوص مغرب التّجارة يُراقبه من نقطتي الذّهاب والإياب فبائل زناتة وصنهاجة الملثمة. وذلك هو الإبان الحقيقي لفتح الصّحراء. وطبعًا فقد أصبح سكّان هذه الأماكن ينظمون القوافل التّجاريّة بجمالها، نشأ عنه بنيان اجتماعي خاص (قد لا يكون دولة) وظاهرته البيّنة والمُحدّدة التّجارة. لا إنّ هذا البنيان هو العامل المُحدّد، وهكذا نرى كيف يُمكن أن يُغيّر بسهولة معنى تسلسل كامل حين نقابل زنانة (المغرب الأوسط) بصنهاجة (الجبليّين والقبليّين ورحّل الصّحراء) ومصمودة السّهل الأطلسي. و قد تظهر هذه التّسمية مجرّد تغيير في التّناول، والواقع أنّها إنكار لمعنى التّسلسل التّاريخي، حتّى ولو صدرت من إمام كابن خلدون.

الجديد بالنسبة للقرنين الخامس والسّادس هو تأكيد ذاتية الصّحراء وفتحها والتّناقض الّذي صنعه العهد الرّوماني وزاد في استفحاله الونداليون والبيزنطيون حلّ من عدّة نواح، وهذا الحلّ وقع تحت شعار الإسلام. وهذا بغير شكّ سرّ إسلام الأفارقة في بطء؛ ولكن بصفة نهائيّة.

مهما تكن آثار عامل التّجارة وطريق في تجنيد القبائل ضدّ بعضها فإنّ أسباب الحرب الأولى عقائديّة، خارجيّة، سنيّة، شيعيّة.

وهذه الفكرة يُؤكّدها المؤلّف مرارًا، انظر ص 127-128 وانظر ص 130 تعليق ص127. اعتبر مع (كوتي) أنّ مُغامرة الفاطميّين انتقام بربري من الشّرق العربي معناه اتّباع حكم مبتسر لا يُمثّل أي نوع من أنواع الإفادة.

وفي ما يخصّ مجيء إدريس للمغرب (من موقعة فخّ أو قبل ذلك ببعث من قبل أخيه محمّد بن عبد الله الكامل حسبما رواه الأشعري في تاريخ الشّيعة) كان حاسمًا في القضاء على برغواطة، وفي الاهتمام بإسلام البربر وتعليمهم.

وبفتح تلمسان وأخذ شاله ومدينة نفيس في الجنوب وبناء فاس من بعد كعاصمة وقع فتح الطّريق التّجاري الّذي أعاد الاتّصال بمراكز الذّهب الإفريقيّة.

وفي ما يخصّ البحث عن مولاي إدريس هل كان شيعيًّا أو زيديًّا أو معتزليًّا قبل مجيئه للمغرب. الّذي يظهر لي وجوب استبعاد الشّيعيّة والاعتزال، بل إنّ مجيء شريف من ذريّة الحسن لا الحسين حمى المغرب من التشيع. ومن المعلوم أنّ جلّ شرفا المغرب من أولاد الحسن بن علي إلّا ثلاثة هم الصّقليّون والمسفريّون والعراقيّون فإنّهم حسينيّون. أمّا المذهب الزّيدي فهو أقرب للادّعاء لما له من الصّلة بزيد بن علي وبجعفر الصّادق رضوان الله عليهم. و مع ذلك فإنّ المولى إدريس اهتمّ في المغرب بتعليم الدّين وإدخال البربر فيه ولم ينقل عنه تحيّز لمذهب ما. وقد تغلّب المذهب المالكي من بعد في المغرب لنضاليّته ضدّ الشّيعة والخوارج، في أسباب لا مجال لعرضها. كما أنّ التّشيّع قضى على الخارجة وحمل العلماء على تقبّل المذهب المالكي الّذي لم يكن صاحبه حاز النّصرة للعبّاسيّين.

ماذا يقول المؤرّخون الإفرنج عن القرن التّاسع عظيم الأهميّة بالنّسبة للمغرب (ص 12). لقد ناقش المؤلّف هنا (تيراس) و (كوتي) وغيرهما بروح علميّة نهنئ الأستاذ العروي عليها.

لا نعتقد مع المؤلّف أنّ مراكز المحور الذّهبي انقرضت كما يقول في ص 122 وأدّى ذلك إلى جعل الصّحراء مساكن رحل، إذ يمكن ادّعاء أنّها انتقلت ليد المرابطين الذين ملكوا تلمسان وتيهرت وسجلماسة، بعد أن كانت تحوّلت على أدرار وموريطانيا حسبما ظنّ المؤلّف ص 149.

أمّا الهلاليّون فقد أثّر دخولهم للمغرب في إضعاف تلك المراكز الذّهبيّة الّتي تحوّلت من بعد لفائدة التّرك والصّليبيّين من بعد.

و في قضيّة الهلاليّين والأعراب وتفسيرات ابن خلدون مجال لبحث كبير أظنّ أنّه لم يأخذ نصيبه من الكتاب.

إنّنا لا نعتقد أنّ الهلاليّين فعلوا أكثر ممّا يفعله جيش غير عادي. وليس من الحقّ أن نعتبر مقامهم في مراكز وجودهم التّاريخي أكثر من مقام قبائل الجيش أو الكومي الفلاح. ومن الصّعب ادّعاء أنّهم أحدثوا فيودالية خاصّة. وحكم ابن خلدون عليهم هو حكم على العصبيّات الّتي لاحظها في عهده. وهي كما يُبيّن (إيف لاكوست) بحقّ نتيجة اكتفاء الملوك والحكّام في المغرب بالذّهب الّذي تحمله إليهم طرقه الّتي تحت يدهم. و لذلك لم يفكّروا في انتزاع الأرض من يد أصحابها ولم تكن عندهم أداة الإنتاج الآسيوي الّذي لمح إليه ماركس. فالقضيّة إذن قضيّة دعوة من ابن خلدون للتّحرّر من طرق اقتصاديّة بدائيّة كما قال عيّاش وإنذار من ابن خلدون للمغاربة من الوقوع في التّخلّف الّذي جرّ إليه امتداد ذلك العهد رغم ما فعله المرينيون من بعدهم ورغمًا عن محاولة السّعديّين تحويل العصبيّة للزّوايا والعلويّين للاستغناء بجيش العبيد عن القبائل المسلّحة.

ومن هذا يجب نبذ كلّ مُحاولة لتفسير كلمة الإقطاع الإسلاميّة بالمعنى الفيودالي. فتلك غلطة لغويّة وقع فيها الأب بلو في قاموسه وأصبحت مُقدّسة. وقد أوضحتُ في بحثٍ نشرتهُ في عدد من مجلّة لسان المغرب ذلك كلّ الإيضاح. لقد خالف المؤلّف في ما يظهر نفسه حين شايع هذا الغلط ص 140 و ص 195 مع أنّه قال في حاشية ص 354: ليست لنا فيودالية حقيقيّة ولا تسلّط بورجوازي يوحد الشّعب ثقافيًّا ولا ملكية مطلقة بمعنى الكلمة، لا ينبغي أن نندم على ذلك ولا أن نسر به، وعلى الوطنيّة المغربيّة أن تُهيئ المغرب لما لم يكن مُهيّئًا له إلّا هامشيًّا أي للتّجديد العصري، ولوحدة ثقافيّة وتسييس الجماعات المحليّة وإقرار مشروعيّة الدّولة.

وحسنًا فعل المؤلّف حين ردّ على (تيراس) و (جوليان) في اعتماد السّلالة في الحكم على الأشياء. ص 163

——-

(*) أكد الرئيس علال أنها قرطاجة و ليس قرطاجنة كما يكتبها بعض المؤرخين لأن هذه جاءت في إسبانيا.

عن موقع الازمنة